معلمون وخبراء يحذرون من إهمال الشباب لـ «العربية» وضياع الهوية الإسلامية
تحقيقات
21 نوفمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة – عامر غرايبة
هل صحيح أن معظم شباب اليوم ضيعوا هويتهم الإسلامية؟ هل تقابل في حياتك أشخاصا عربا لا يستطيعون التحدث بجملة عربية سليمة ويخلطون لغتهم بالألفاظ الإنجليزية؟ لماذا يحاول كثير من الشباب التشبه بالآخر؟ ومن هو المسؤول عن تراجع الثقافة والقراءة بين أوساط الشباب؟ ألا يعرف الشباب أسماء اللاعبين في أندية أوروبا ويجهلون أسماء الصحابة؟ ألم تفلح المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز تحفيظ القرآن والمؤسسات الثقافية والخيرية في بناء جيل يعيد للأمة أمجادها؟
«العرب» استطلعت آراء عدد من الطلبة والمعلمين والدعاة وخبراء اللغة حول الاعتزاز بالهوية الإسلامية واللغة العربية..
أسامة خالد أبوزيد (معلم شرعية بمدرسة مستقلة) قال لـ «العرب» إنه قد لاحظ هذا العام سعي المجلس الأعلى للتعليم لاستبدال المعلمين الذين يتقنون العربية بالمعلمين الذين لا يجيدون العربية في مواد العلوم والرياضيات والمواد العلمية عموما، وهو أمر سيعزز القيم والهوية الإسلامية والتحدث بالعربية في المدارس المستقلة، موضحا أن هذا القرار من شأنه أن يزيد من التزام الشباب بدينهم واعتزازهم بحضارتهم الإسلامية ولغتهم العربية، ويقنع الطلبة بأهمية إتقان لغتهم العربية.
ثقافة فارغة
وأوضح أبو زيد أن معظم ثقافة الشباب العامة اليوم تعد ضمن نمط جديد بعيد عن قيم الأصالة والتراث، أو ما يمكن أن أقول عنه «الثقافة الفارغة»؛ فتجد كثيرا من الطلبة يجيدون استخدام الكمبيوتر والهواتف اللوحية الحديثة، ويتصلون بشبكة الإنترنت من أي مكان، ولكن اهتماماتهم تعد برأيي ضمن ثقافة غير حقيقية، أو مثل الوجبات السريعة، فقد يقضي الشاب بضع ساعات في اليوم وهو يلعب ألعابا إلكترونية مختلفة، أو يدخل على موقع «الفيس بوك» ومواقع التواصل الاجتماعية الأخرى ويتواصل مع أصدقاء مختلفين، ولكن ما يتداولونه في معظمه أمور غير مهمة، ويتابع التلفزيون والمباريات الرياضية والأندية الأوروبية، وإذا سألته عن القضايا الإسلامية والصحابة وأبطال وعلماء المسلمين فإن ثقافته تكون ضحلة، وتراه يتحدث عن السيارات والسباقات والإكسسوارات والجوالات الحديثة بإسهاب..، فإذا تحدثت عن القضايا المهمة والحضارة الإسلامية مثلا فإنه يصمت ولا يهتم.
وبين أبوزيد أن الاعتزاز بالهوية الإسلامية والتحدث بالعربية لا يزال بعيدا عن كثير من الشباب، مشيراً إلى أن الطلبة مثلا لا يهتمون بحصة الشريعة، كما لا يهتمون بحصص العربية، ولا يتحدثون بالعربية الفصحى، وإذا حاول أحد الطلبة بتشجيع من أهله أن يتحدث العربية الفصحى فإنه يصبح مثارا للسخرية بين زملائه..، نحن بحاجة لحراك قوي باتجاه تعزيز القيم الإسلامية واللغة العربية تشارك به كافة المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص.
اللغات الأجنبية
وفاء أحمد (طالبة جامعية) قالت إن اللغة العربية هي لغة القرآن والسنة وأهل الجنة، واللغة التي كان يتحدث بها رسول البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، ومن المؤسف حقا أن تجد البعض يتبرأ من هذه اللغة ويستخدم اللغة العامية بدلا منها، وحتى لو استخدم العامية فهو يتحدث بكلمة عربية وعشر كلمات أجنبية، لقد أصبح كثير من الشباب يشعرون بالحرج من التحدث باللغة العربية ويخجلون منها، ولو نظرت إلى المحلات التجارية تجد أن أصحاب المحلات يختارون أسماء أجنبية..، وكثير من مقدمي البرامج على الفضائيات إذا استخدموا الفصحى يرفعون المفعول وينصبون الفاعل ويجرون بحرف النصب وينصبون بأداة الجزم.
العامية
وتضيف وفاء أن اللغة العامية تسيطر على جزء كبير من وسائل الإعلام، وتقول: أما عن الاستخدام العام للعامية فحدث ولا حرج، قبل عقد من الزمن كانت العامية تستخدم فقط في الحديث بين الناس، أما الآن فأصبح المتعلمون يوجهون رسائل بالعامية لأشخاص يحملون شهادات عالية، حتى الرسائل الإلكترونية عبر الإيميلات أو المنتديات أصبحت تكتب بالعامية، وبعض الكتاب والشعراء للأسف يستخدمون العامية في مقالاتهم وقصائدهم لاعتقادهم أنها تجذب القارئ لقراءة المقالات وأبيات الشعر، مع العلم أن الكتاب القدامى كانوا يفتخرون بلغة الضاد واستخدموها في كتاباتهم ومؤلفاتهم وكانوا يتغنون بهذه اللغة الأصيلة.
والحقيقة أنني أشعر بالضعف والأسى عندما أجد الفتيات والشباب يستخدمون كلمات أجنبية في كلامهم، حتى المثقفون على شاشات التلفاز يتشدقون بألفاظ من لغات أجنبية..، وإنني هنا أتساءل أين مكانة العربية في حياتنا؟ بعض المستشرقين يقولون أن اللغة العربية لغة عقيمة، ودون فائدة..، ويتوقعون انقراض اللغة العربية بحلول عام 2030، والطامة الكبرى أن استخدام العامية وصلت للجرائد اليومية؛ بحيث أصبحنا نجد عناوين مكتوبة بالعامية، والإعلانات وتعليق الكاريكاتير مكتوبة بالعامية، وكأننا لا نفهم اللغة العربية. في الماضي كان الأطفال يشاهدون أفلام الكرتون باللغة الفصحى وأصبحنا الآن نراها بالعامية، مما يزيد من ضعف اللغة العربية لدى أبنائنا وبناتنا في المدارس والجامعات، وصرنا نجد أن بعض الآباء والأمهات يتحدثون مع أبنائهم بالإنجليزية، معتقدين أن ذلك نوع من الرقي والتمدن والانفتاح، ونلاحظ أن الأهل يركزون على تعليم أبنائهم أسماء الأشياء بالإنجليزية، ولا يهتمون بتعليم أبنائهم المسمى بالعربية.
أنخجل من لغتنا؟
ويقول المواطن جاسم علي إبراهيم (يعمل بقطاع التعليم) إن كثيرا من الشباب في المجتمعات العربية اليوم بعيدون كل البعد عن الاعتزاز بالهوية الإسلامية واللغة العربية، بل إنك تراهم يخجلون من استخدام العربية فيخلطونها بكلمات ومصطلحات أجنبية بعضها إنجليزي وآخر فرنسي..، وإذا خالطت الناس تجد أن الكثير من المشاهدات تدل على الشعور بالخجل من لغة الضاد؛ فمثلا بعض الناس يقولون «shoes» بدل كلمة حذاء، وكلمة «toilet» بدل دورة مياه، وهنا أسأل هؤلاء: هل تشعرون بالخجل حين تتحدث بلغتك الأم؟ والناس في الغرب يعتزون بلغتهم، ومن مستحيل أن يستخدموا اللغة العربية في كلامهم مع العرب، خاصة في ألمانيا وفرنسا، حتى لو كانوا يتقنونها..، ونحن قررنا أن نتخلى عن لغتنا وننساها للأبد؟ ليس عيبا أن نتحدث بلغات أجنبية، ولكن يجب أن لا يكون ذلك على حساب لغتنا وهويتنا العربية والإسلامية.
حسرة وألم
فؤاد محمد العربي (يعمل بمركز للقرآن والدعوة) قال إنني أحس بالحسرة والألم عندما أجد لافتات المحلات التجارية وملابس الشباب والفتيات وملصقات السيارات وعليها عبارات وكلمات باللغات الأجنبية، والمصيبة أن تكون هذه العبارات ذات مدلولات سيئة ومسيئة، وكثير من شبابنا يتسابقون لارتدائها مسايرة للموضة وهم لا يعرفون أنها تسيء لديننا وأخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا، وقد كثرت في الآونة الأخيرة الملابس التي طبعت عليها عبارات كتبت باللغات الأجنبية، وصرنا نجد كثيرا من الشباب يسارعون ويشترون مثل هذه الملابس وهم لا يعلمون، ومن ذلك مثلا: (Vixen) بمعنى امرأة سيئة الخلق، وVice بمعنى رذيلة، وChorus girl بمعنى راقصة الملاهي، و(Lusts) بمعنى شهوات وغيرها، وهناك قوائم تنشرها بعض المواقع على الإنترنت بالكلمات السيئة والمسيئة يمكن الرجوع إليها للحذر منها.
وأضاف العربي أن أجهزة الهواتف الجوالة «المحمول» لم تسلم وبها عبارات باللغات الأجنبية، حتى أكاد أحس بأنني في دوله أجنبية وليست عربية، وحتى طريقة كلام الشباب فهي ممتلئة بالألفاظ الإنجليزية وغير العربية، ونجد كثيرا من المثقفين على شاشات التلفاز يتشدقون بألفاظ من لغات أجنبية، وأنا أتساءل: أين اللغة العربية ومكانتها في حياتنا؟ وما الأسباب التي أوصلتنا لمثل هذه الحال، وهل المشكلة في الإعلام أم في غزو الثقافات الأجنبية المزيفة، أم في ضعف الوازع الديني، أم ضعف التعليم؟.
أمر طبيعي
ويقول محمد وراد (يعمل بشركة للإلكترونيات) من الطبيعي جداً أن يكون كل شيء باللغة الإنجليزية، فالإنجليزية هي لغة العصر ولغة الصناعات الحديثة، ولو دققنا حتى في الصناعات العربية لوجدنا أغلبها بالإنجليزي، أنا شخصياً لا أتكلم بالعربية إلا قليلا، لأني من عشاق السفر، ولي مصالح مع شركات عالمية، والتحدث بالإنجليزية من ضرورات عملي وإذا لم أتحدث بها فإن كثيرا من أعمالي ستتعطل، وأظن أنه وقريبا ستكون اللغة المتداولة هي «الصينية»، أما بالنسبة لمن يخجلون بالتحدث بالعربية ويسعى للتكلم بالإنجليزية ويعتقد أن الناس تنظر له نظرة الشخص المُثقف فهذا صحيح، وكثير من المثقفين يتقنون لغات مختلفة، ولكن ليس كل من تحدث باللغات الأجنبية صار مثقفا.
لغة العلم
وترى ليلى أحمد (منسقة إعلامية بشركة علاقات عامة وإعلام) أنه وعند الحديث عن اللغات يجب أن نترك على جنب أهمية اللغة العربية والفخر وو..، ولكن في كل عصر تصبح اللغة الأشهر هي لغة الدولة التي لها إنجازات كبيرة من الناحية العلمية ولها قوة عسكرية وإعلامية مؤثرة، والدولة التي تغزو العالم بصناعاتها تصبح لغتها هي المسيطرة بالعالم..، وهذا أمر طبيعي فالعربية كانت قد انتشرت أيام الفتوحات الإسلامية، وكان الناس يسعون لتعلمها لأنها كانت لغة العلم والدولة القوية..، واللغة الفرنسية أيضا انتشرت واندمجت مع لهجات العديد من الدول بسبب الحروب والاستيطانات..، وهذا ما ينطبق على إنجلترا..، ومن أهم عوامل انتشار الإنجليزية برأيي أن إنجلترا عملت على نشرها، ثم بدأ عصر أميركا (عصرنا الحاضر)، واليوم نجد أغلب الأمور الإعلامية من إنتاج أميركا، وأنا بصراحة أجد أن أكثر لغتين مهمتين في العالم هذه الأيام هما الإنجليزية واليابانية لأنهما تمثلان لغة الاختراعات في معظم أنحاء العالم.
ضرورة لهذا العصر
من جانبه يقول نايف سالم علي إن تعلم لغات العالم ليس تقليدا أعمى بل هو علم، مشيراً إلى أن شبابا من الغرب يتعلمون اللغة العربية.. ونحن نتعلم لغات العالم فأين المشكلة في ذلك؟! إن سبب تراجعنا عن الغرب هو سبب واحد أن هناك أناسا لا يفهمون المنظار العلمي، ويعتقدون أن كل من يتعلم اللغات الأجنبية هو من جانب التقليد الأعمى، وبرأيي الشخصي، إن لم نتعلم اللغات الأجنبية فسوف نصبح منبوذين في مجتمعاتنا، نعم لكي نصل ونحقق ما نريد يجب علينا أن نتعلمها، وتتحدث بها، لكن للأسف البعض استغنى عنها، وإن ما يحزنني أن كثيرين يحاولون التحدث بدمج بعض الكلمات ما بين العربية والإنجليزية، فيظهرون بشكل غير مناسب لا هم متقنون للغة الأجنبية ولا مهم متحدثون بلغتهم الأم.
ويضيف نايف هل اللهجة العامية التي نستخدمها في البلدان العربية تعتبر من اللغات العربية؟ إن كانت الإجابة نعم، فلماذا لا نفهم كثيرا من كلام المصريين ولا نفهم كثيرا من كلام أهل الشام؟ ولا السودانيين أو اليمنيين..، والعكس صحيح، هي لهجات وعادات انتشرت نظرا لصغر العالم الآن وشدة تقاربه بما يطلق عليه بمصطلح: «العولمة» الذي جعل كل قرية ودولة متقاربة أشد القرب؛ بحيث نتعلم كل عاداتها وتقاليدها، وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان في المجتمع المسلم من أسلم من أهل الحبشة ومن هم من لا يعرفون العربية، فكيف كانوا يتحادثون مع الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أقال لهم: تعلموا اللغة العربية وإلا فلن تكونوا مسلمين، المجتمعات العربية بحاجة لتعلم اللغات الأجنبية والحديث بها لكي تتواصل مع العالم وإلا فإنها ستبقى معزولة.
جيل غير مهتم
فاطمة سالم حبيب قالت إن معظم الشباب والشابات من جيل هذه الأيام لا هم لهم إلا الكرة والجوال والسيارة والسفر..، فلا تهمهم اللغة العربية ومصيرها ولا الهوية الإسلامية ولا الإنجاز الحضاري لأمة المسلمين، وإذا أتقن أحد الشباب الإنجليزية حتى ولو قليلاً فيتكبر ولا يستطيع أحد أن يكلمه، وأنا أقول للشباب تعلموا اللغات الأجنبية لكن هذا لا يعني التفاخر بها وأن تتركوا العربية لغتنا الأم، والحقيقة أن اللغة تسمو وترتقي بجهود أبنائها ودراساتهم واهتمامهم، وقد قرأت أن بعض المستشرقين يتوقعون انقراض اللغة العربية بحلول عام 2030، أما بالنسبة للصناعات فهذه من إحدى الطرق المؤدية إلى ترك العربية، وصرنا نجد معظم المصانع وحتى العربية منها يطبعون لغات أخرى على منتوجاتهم، والخلاصة أن تعلم اللغات الأجنبية أمر جيد لكن يجب أن لا يبعدنا ذلك عن لغتنا العربية.
البعد عن التقليد الأعمى
بدوره حض فضيلة الدكتور عمر عبدالكافي الشباب على الاعتزاز بالهوية الإسلامية والحرص على اللغة العربية، والاهتمام بالقراءة والمطالعة، وتكوين شخصية مستقلة قائمة على الفكر الإسلامي المستنير، والبعد عن التقليد الأعمى، والاستفادة من الحضارات الأخرى دون تضييع القيم والأخلاق، وقال لـ «العرب» إن كلمة «اقرأ» سبقت الفرائض، ومع هذا فالمسلمون أقل الناس قراءة، ودعا شباب الأمة إلى التمسك بالهوية الإسلامية والاعتزاز بها لأن ذلك أهم أسباب العزة والرفعة وفيها العودة إلى المعين الذي لا ينضب معين الشريعة والعبودية والتوكل على الله عز وجل وفي ذلك العز كله، وقال إن الهوية تشبه جبلا شامخا له قامة عالية وقاعدة كبيرة، وهكذا الإنسان يأتي إلى الدنيا قابضا كفيه كأنه ممسك على دنياه، ويظل في حياته مدة بقائه إلى أن يأتيه ملك الموت، وحينما يأتي المغسل يفتح كفيه وكأن لسان حالهم يقول تخرج منها ولا شيء معك، وشتان بين الصورتين..، ففي الصورة الأولى يضحك الجميع بقدومك ويفرحون، وفي الثانية يحزنون ويبكون.. ولذلك قال العلماء: اعمل ليوم تكون فيه ضاحكا ومن حولك يبكون.
العبودية
وبين عبدالكافي أن أول منازل الهوية أن يعلم المسلم أنه عبد لله تعالى، «وكفى العبد عزا أن يكون عبدا لله تعالى وأن يكون الله ربه»، مشيراً إلى قصة الأعرابي الذي مر بالحجاج ودعاه إلى الطعام فقال دعاني من هو خير منك، فقال الحجاج: ومن ذاك؟ قال: الله.. فإني اليوم صائم، فقال الحجاج للأعرابي: أفطر اليوم وصم غدا، فقال الأعرابي: لو ضمن الأمير لي أن أعيش إلى غد فعلت..، وسعيد ابن جبير لما قال له الحجاج: لأبدلنك من دنياك نارا تلظى.. فقال له سعيد: لو أعلم أن ذلك لك لاتخذتك إلها من دون الله..، لذلك فهوية الإنسان الأساسية هو أنه عبد لله، وأول أمر فيها أن يستشعر المسلم أنه عبد لله، وعليه أن يسير وفق ما أعده له خالقه، وما أمره أن يسير عليه، لكي يصلح حاله، ولتعلم أن الله وهب لكل إنسان ما يصلحه، ولذا ورد في الحديث القدسي «أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لفسد حاله، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لفسد حاله، وإن من عبادي من لو أصححته لفسد حاله، وإن من عبادي من لو أمرضته لفسد حاله، وإن من عبادي من يطلب بابا من أبواب الدنيا فأكفه عنه حتى لا يصيبه العجب، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بهم، إني بهم عليم خبير».
الفهم في المنع
ونوه عبدالكافي إلى أن من رزقه الله الفهم في المنع فسيعود هذا الفهم عليه بالعلم، وإن ما منع منه هو عين العطاء من الله ولذلك قال الله تعالى «يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ» يخبر تعالى أنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء، فمن رضي وعلم أن هذا اختيار الله له سعد وصلح حاله، ولذلك لما رضيت أم الكليم موسى عليه السلام بأمر الله وسلمت له بأن تلقي وليدها في اليم؛ عاد إليها وتربى في حجرها سالما معافى، ولما سلم يعقوب بأمر الله تعالى وترك يوسف عليه السلام مع إخوته بعد أن قال لهم: «إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ». فلما سلم لأمر الله وقدم شرع ربنا على هواه عاد إليه يوسف وزيرا، فكانت المنحة بعد المحنة، فاعلم أنك لو رزقت الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء.
اللغة
وأوضح عبدالكافي أن ثاني درجات هويتنا هي لغتنا؛ فما أعظم لغتنا العربية وإن من العجب أن يتحدث إنسان وهو عربي وزوجته عربية وأبناؤه عرب وإذا به في بيته يتحدث بغير لغة العرب، وهذا الذي يتنازل عن هويته، ولذلك فإن من يتكلم بغير العربية لغير ضرورة فإنه يضيع جزءا مهما من هويته، وما ضيع قوم لغتهم إلا ضاعت هويتهم، ومن هوية المسلم التي كان يحرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم التواضع والخفاء في العمل.
الإخلاص
ودعا عبدالكافي الشباب إلى عدم الانبهار بما يرونه في الغرب، مشيراً إلى أن سماع القرآن الكريم نعمة كبيرة وسماع الأذان خمس مرات يوميا نعمة، وعلى الشباب تذكر قول محمد عبده حينما رجع من فرنسا وقال: «ذهبت إلى هذه البلاد فرأيت مئة مسطول في بلد يقول لهم كتابهم «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر»، وعدت إلى قومي فرأيت فيهم مئة مسطول وكتابهم يقول لهم «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ»، ولذلك فهوية الأوطان ليس بالأغاني والمسلسلات ولكن بالعمل والاجتهاد.
أمة لا تقرأ
وقال عبدالكافي إن المسلمين هم أمة «اقرأ» التي سبقت كل الفرائض، فأول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء كلمة «اقرأ»، وقد قرأت عن عدة إحصاءات تفيد أن العرب لا يقرؤون إلا القليل، وبما متوسطة 6 صفحات في العام، فأمة اقرأ لا تقرأ، وهنا أؤكد أهمية التعامل بالمال الحلال والحرص على عمل الخير، وأدعو إلى التوقير في حياة الشباب؛ فيوقر الصغير الكبير، ويعطف الكبير على الصغير، وأوصي بسرعة رد المظالم في ما بين الناس وبين الأهل فلا أحد يدري متى المنية.
العربية بالممارسة
ويقول مشرف برنامج تعليم اللغة العربية بالممارسة في قطر الخيرية الدكتور محمد صلاح حنطاية إن قطر الخيرية تسعى إلى دعم المؤسسات التعليمية بغرض تدريب معلميها لتنشأ كوادر مدربة ومتميزة خلقيا ومهنيا، والوصول بالمتدرب إلى اكتساب المهارات اللغوية من نطق سليم دون لحن، وقراءة معربة خالصة من الغلط وكتابة سليمة من الخطأ، وتغيير الصورة الذهنية لدى المتدرب عن المهنة بما يتوافق مع المتغيرات العصرية التي تنظر إلى اللغة بوصفها عملية تواصل وظيفي وليست علما، ونشر الوعي اللغوي في المؤسسات التعليمية، والإسهام في تنمية المجتمع في المجالات التقنية والمهنية والارتقاء بالحياة الإنسانية لأفراده عن طريق القراءة الفعالة والكتابة الوظيفية والإبداعية، والتعاون مع المؤسسات التعليمية في مجالات التطور والتدريب بما يحقق كفاءة عالية في استخدام اللغة.
اللغة والبيئة
وحول الجديد الذي سيقدمه برنامج تعليم العربية بالممارسة قال حنطاية: صحيح أن الطلبة يتعلمون قواعد اللغة العربية في المدارس، ولكن نحن نريد لهؤلاء الطلاب أن يمارسوا الحديث باللغة العربية الفصيحة في حياتهم اليومية، فالقواعد اللغوية يكتسبها الطفل من بيئته، والأساس في اكتساب هذه القواعد إنما يرد إلى أمرين؛ هما مدى وعي الأفراد في البيئة بتلك الأسس العقلية (القواعد) للأصوات التي ينطقونها، وكفاءة الاستماع الذي ينخرط فيه الطفل حتى يكتسب الطريقة نفسها في المنطق وفي الاستخدام، وهذا هو المعنى الأصلي العميق للسليقة اللغوية،
وقال حنطاية إنه وبما أن أي عملية ينبغي أن لا تنطلق من فراغ، لذا رأينا أن نقدم للمتدربين تدريبا شاملا يحتوي على طائفة من الكفايات التي يحتاجها المتدرب من أجل المحادثة بالفصحى، ونعني بالكفاية جملة من المهارات المعرفية والسلوكية المنظمة تستمد مضمونها من النماذج التربوية الحديثة التي تجعل المتعلم قطبا أساسيا في النشاط التعليمي، وأي كفاية تقوم على مجموعة من الأسس؛ هي: معرفة نظرية وعلمية مقترنة بالفعل، فلا يتعلم المتدرب قاعدة دون أن يكون لها وظيفة حديثة، وتنمى الكفاية في سياق من التفاعل بين المدرب والمتدرب والمادة، وتعد الكفاية عملية متنامية في مدة زمني محدود وهو مدة الدورة، ولا تقبل الكفاية الملاحظة والقياس إلا على ضوء مؤشرات سلوكية دالة.
وبين حنطاية أن الدورات تشتمل على مهارات الاتصال الشفوي والمهارات الكتابية ومهارات القراءة والأساليب اللغوية المستخدمة في المهارات السابقة، موضحا أنه لكي يكون التواصل بالفصحى عادة لدى المعلمة فقد ألزموا المعلمات أن تكون الفصحى لغة التواصل الوحيدة في أثناء التدريب، وأضاف أن قطر الخيرية تسعى لتعزيز تعاونها مع المؤسسات التربوية والتعليمية لكي تمتد مظلة الفصحى لتشمل كافة مدارس الدولة، مشيراً إلى أن البرنامج الذي تشرف عليه وتنفّذه إدارة التنمية المحلية في قطر الخيرية، يهدف إلى تمكين الأطفال في مرحلتي رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية من اكتساب اللغة العربية الفصحى بالممارسة.