

تحت رعاية وبحضور سعادة السيد إبراهيم بن علي المهندي وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، انطلقت فعاليات النسخة الثالثة من مؤتمر "أيام الدوحة للتحكيم 2026"، الذي تنظمه وزارة العدل بالتعاون مع محكمة قطر الدولية ومركز تسوية المنازعات، والمعهد الملكي البريطاني للمحكمين "CIArb" - فرع قطر، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في مجالي التحكيم وتسوية المنازعات من دولة قطر والمنطقة والعالم.
ويناقش المؤتمر على مدار يومين، عددا من القضايا العملية الراهنة، بدءا من العلاقة التكاملية بين القضاء والتحكيم، مرورا بالتحديات التي تواجه العقود والمشاريع وسلاسل الإمداد في الظروف القاهرة، وصولا إلى تطور المؤسسات التحكيمية ومواكبتها للمتغيرات الحديثة.
وقال سعادة المهندس الدكتور سعد بن أحمد المهندي رئيس المعهد الملكي البريطاني للمحكمين فرع قطر، في كلمته الافتتاحية، أن "أيام الدوحة للتحكيم"، أصبح ملتقى سنويا يجمع القضاة والمحكمين والمحامين والخبراء ومراكز التحكيم من قطر والمنطقة والمجتمع الدولي، مشيرا إلى أن قيمة هذه المنصة لا تقتصر على جمع المشاركين فحسب، بل تمتد لتشمل خلق روابط مهنية مستدامة، وتشجيع التعاون العملي، وضمان استمرار تبادل المعرفة والخبرات لما بعد انعقاد المؤتمر.
وفي الجلسة الافتتاحية للمؤتمر التي انعقدت بعنوان "عندما يلتقي التحكيم بالقضاء: واقع الممارسة القضائية" استعرضت الدكتورة مريم محمد الكواري مدير إدارة شؤون التحكيم بوزارة العدل جهود وزارة العدل لتطوير منظومة التحكيم وتعزيز تكاملها مع الاجهزة القضائية والقانونية في الدولة، مؤكدة أن التحكيم لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد وسيلة لفض النزاعات، وإنما أصبح شريكاً استراتيجياً وأحد المكونات الأساسية في منظومة العدالة الاقتصادية، بما يدعم التوجه نحو تحقيق العدالة الناجزة.
وأوضحت أن المستثمر المحلي والأجنبي لا يقتصر اهتمامه على مرونة التشريعات، وإنما يتطلع إلى بيئة متكاملة تشريعياً ومؤسسياً وقضائياً، تضمن حسم النزاعات وتنفيذها في إطار من اليقين القانوني والاستقرار، بما يعزز الثقة في البيئة الاستثمارية ويدعم جاذبية الدولة للأعمال والاستثمار.
وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة مريم الكواري أن التطور التشريعي الذي شهدته الدولة، ولا سيما في قوانين التحكيم والتنفيذ، يشكل ركيزة أساسية لتطوير منظومة التحكيم، غير أن التحدي العملي يتمثل في تعزيز التكامل بين النصوص القانونية والممارسة المؤسسية والميدانية، بما يضمن ترجمة التطور التشريعي إلى ممارسات أكثر كفاءة وفاعلية.
واشارت إلى قرب إطلاق منصة إلكترونية متكاملة لخدمات إدارة شؤون التحكيم، والتي ستتيح تقديم حزمة واسعة من الخدمات الإلكترونية، وفي مقدمتها خدمة الإيداع الإلكتروني لقرارات التحكيم، مؤكدة أن هذه الخدمة ستتم وفق أطر تقنية وفنية محكمة تكفل المحافظة على السرية التامة للقرارات المودعة وحماية البيانات المرتبطة بها.
وأشارت إلى أن الهدف من هذه الخطوة لا يقتصر على الحفظ الإداري للقرارات، وإنما يمتد إلى بناء قاعدة بيانات نوعية تسهم في قياس مؤشرات الأداء، وإعداد الدراسات الاستراتيجية اللازمة لرصد التحديات والمعوقات التي قد تواجه المحكمين ومراكز التحكيم، والعمل على تطوير الحلول المناسبة لها، بما يعزز كفاءة القطاع ويرتقي بممارساته.
ونوهت مديرة إدارة شؤون التحكيم بوزارة العدل إلى أن إدارة شؤون التحكيم وجدت لتكون في خدمة قطاع التحكيم، وأن دورها المؤسسي لا يقتصر على الجوانب التنظيمية، وإنما يمتد إلى دعم الممارسين وتعزيز التواصل مع مختلف مكونات القطاع، بما يسهم في تطوير بيئة التحكيم في الدولة ومواكبة المستجدات القانونية والمؤسسية والتقنية ذات الصلة.
كما تناولت مدير إدارة شؤون التحكيم مسألة تنظيمية وقانونية تتصل بالطبيعة القانونية لما يصدر عن هيئات التحكيم، موضحة أن التأسيس القانوني السليم يقتضي التمييز بين ما يصدر عن المحاكم من أحكام قضائية، وما يصدر عن هيئات التحكيم من قرارات تحكيم، باعتبار أن المحكمين لا يتقلدون ولاية القضاء الرسمي الصادرة بتعيين أميري.
وأوضحت أن هذه المسألة اكتسبت أهمية خاصة في ظل بعض الإشكالات العملية الناشئة عن استمرار استخدام صيغ تاريخية في بعض قرارات التحكيم، من بينها صدورها باسم حضرة صاحب السمو الأمير، استناداً إلى مبدأ قضائي صدر عن محكمة التمييز بتاريخ 24 يونيو 2014.
وبينت أن التطور التشريعي اللاحق أسهم في وضع إطار أكثر وضوحاً لهذه المسألة، حيث عزز صدور قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية رقم (2) لسنة 2017 الأساس القانوني المنظم للتحكيم، ثم جاء قانون التنفيذ القضائي رقم (4) لسنة 2024، ولا سيما ما ورد في مادته السادسة، ليؤكد التمييز التشريعي بين الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم من جهة، وأحكام ومقررات المحكمين من جهة أخرى، الأمر الذي يستدعي ترسيخ هذا المفهوم في الممارسة العملية والقضائية، بما يرفع أي لبس لدى الممارسين ويعزز وضوح الإطار القانوني المنظم للتحكيم.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين التحكيم والقضاء، أكدت الدكتورة مريم الكواري أن الإصلاح العملي الأكثر أثراً يتمثل في تعزيز وضوح معايير الرقابة القضائية على قرارات التحكيم، وحصرها في نطاق دعوى البطلان، مع التأكيد على عدم امتداد هذه الرقابة إلى موضوع النزاع ذاته.
وأوضحت أن التوسع في تفسير مفهوم «النظام العام» بما يؤدي إلى إعادة النظر في موضوع النزاع أو إلغاء قرارات التحكيم على نحو يتجاوز نطاق الرقابة المقررة قانوناً، من شأنه أن يثير حالة من عدم اليقين القانوني، وهو ما يتعارض مع متطلبات البيئة الاستثمارية المستقرة التي تقوم على وضوح القواعد القانونية وإمكانية التنبؤ بمسارات تسوية المنازعات وتنفيذ القرارات الصادرة بشأنها.
وتعكس مشاركة وزارة العدل في مؤتمر «أيام التحكيم 2026» حرص الوزارة على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مختلف الأطراف المعنية بالتحكيم في الدولة وتبادل الخبرات والرؤى بشأن التحديات العملية التي تواجه القطاع، بما يدعم تطوير الممارسات التحكيمية ويرسخ التكامل بين قطاع التحكيم والمنظومة القضائية.
وتأتي مشاركة وزارة العدل في المؤتمر لتؤكد مضي وزارة العدل في ترسيخ الشراكة التكاملية بين التحكيم والقضاء، والتي تقوم على وضوح الاختصاصات وتكامل الأدوار، والاستفادة من التطورات العالمية في مجال التحكيم مع الحفاظ على خصوصية التجربة القانونية والمؤسسية في دولة قطر، بما يسهم في بناء مستقبل قانوني وتحكيمي واعد، ويعزز الثقة في البيئة الاستثمارية في الدولة.