د. البكر: قصة فرعون تتكرر في كل زمان.. والنصر حتمي للحق
محليات
21 سبتمبر 2013 , 12:00ص
الدوحة - العرب
أكد الشيخ الدكتور خالد بن عبدالرحمن البكر في تناوله لما تعيشه الأمة اليوم، أن قصة موسى عليه السلام مع فرعون في القرآن الكريم تتكرر في كل زمان ومكان، كما يتكرر انتصار الحق دائما، مؤكدا أن الفجر الجديد والنصر حتمي لكل من يوقن بالله ويؤمن به ويمضي على ذلك الطريق، لأن الله تعالى قال: «إن تنصروا الله ينصركم».
ونبه عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في خطبته أمس بمسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب للحضور الطاغي لقصة موسى وذكرها في القرآن الكريم 136 مرة، فيما نجد أن اسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد تكرر 4 مرات، متسائلا عن حكمة هذا التكرار؟
وقال الداعية السعودي: «حين نتأمل تلك السياقات القرآنية التي اعتنت بقصة موسى عليه السلام نجد أنه وفرعون كانا على طرفي نقيض، موسى يمثل قمة الإيمان والاعتزاز بالحق بينما الطرف الثاني قمة الانحراف، ويكفي ادعاؤه بأنه رب الناس الأعلى وهذا لم يفعله أحد من أقوام الأنبياء وأعدائهم».
وأضاف: حين نتأمل تلك السياقات نجد تشابها كبيرا بين سيرة محمد وموسى عليهما السلام، فنرى أحداثا متشابهة بين الاثنين، لذلك كلما عانى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتأزمت به الأمور ذكر موسى عليه السلام، فتراه مرة يقول «رحم الله أخي موسى لقد أوذي أكثر من هذا فصبر»، حيث كان موسى حاضرا دائما في كلام النبي عليه الصلاة والسلام بقوله «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي». كما كان صلى الله عليه وسلم يقارن بين أعداء موسى وقومه فحين رأى أبا جهل في قتلى غزوة بدر قال عنه «هذا فرعون هذه الأمة».
وأشار الخطيب إلى أن موسى عليه السلام حرص في معركته مع أعدائه على نوعين من الإصلاح، الإصلاح العقدي والإصلاح السياسي وظهر هذا في معركته مع فرعون ودولته.
وقال الدكتور خالد البكر: لقد أخذت قصة موسى من العناية في كتاب الله الكثير فماذا نأخذ من هذه القصة وماذا ندع؟ فحياة ذاك النبي كلها دروس وعبر، فحينما أقبل موسى على فرعون قال له «إني رسول من رب العالمين* حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل»، حيث تحدث موسى عليه السلام عن الشرعية من قبل الله تعالى فحق له أن يأخذ شعب بني إسرائيل معه ويمضي هكذا بكل وضوح وفرعون يسمع هذا كله فقال: «إن كنت جئتنا بآية فأت بها إن كنت من الصادقين».. تزعم أنك تملك الشرعية وأن على بني إسرائيل الاستماع لأمرك فهات البرهان.. «فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين* ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين» وفرعون يشاهد.
وزاد الخطيب أن الذين تحدثوا هم الذين ارتبطوا بالنظام الفرعوني فتحركوا حركة «تمرد» على الحق وكشفوا عن وجوههم، وتكلم الفلول في عهد فرعون الذين ظنوا أن مكتسباتهم ستطير وفضيحتهم ستدوي إذا تبوأ موسى المكانة التي تليق به فماذا قالوا؟.. «قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم* يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون»، موضحا أنهم لا يريدون له أن يحظى بقيمته الاجتماعية لأن مكتسباتهم ستزول ولن يحظوا بما اعتادوا عليه مع فرعون فماذا يفعلون؟.. «قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين* يأتوك بكل ساحر عليم».
ويشرح الدكتور البكر: إذا أرادوا القضاء عليه فلا بد من الحشد وأن يقف الناس معك ليمارسوا ضغطا اجتماعيا حتى إذا مارست أي أسلوب للضغط عليه فأنت تتكئ على رغبات الشعب، فالشعب يريدك أن تنقلب عليه وعلى شرعيته ونبوءته، مشيراً إلى أن مجيء سحرة فرعون من المرتزقة والشبيحة والبلطجية من المنتفعين يريدون أي شيء مقابل المجد حين يأخذوا موقفا مساندا لفرعون ضد موسى، وكل منهم يبحث عن مآربه ورغباته، فمنهم من ينتظر الأموال وآخر يرغب في المنصب.. «إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين* قال نعم وإنكم لمن المقربين».
وقال الخطيب: أتوا وكل منهم يحمل همه ويفتش عن رغبته ويصبو إلى مجد يظفر به حين يسجل هذا الموقف الداعم للانقلاب.. «قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين* قال بل ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم». وزاد وهو يستحضر ما يحصل في مصر، أن الغالبية الصامتة والجماهير الحاشدة تشاهد هذا الصراع، منبها أن السحر قد يكون إعلاما مستأجرا يؤثر على العقول البسيطة الساذجة ويقدم الأكاذيب تلو الأكاذيب فيصدقها الناس. ويقف موسى متعجبا مما يرى ويشاهد فكيف بالبسطاء الذين اعتقدوا أن الحق مع السحرة؟.. «وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون».
لكن موسى عليه السلام -يضيف الخطيب- لم يقف يشاهد دون اتخاذ موقف، بل ألقى كما ألقوا وتحرك في نفس الاتجاه ودافع عن أفكاره ونبوءته وبين بالحق رؤاه، فيما خصومه يؤثرون على الناس أسبوعا أو شهرا أو سنة لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح لقوله تعالى: «فوقع الحق وبطل ما كانوا يصنعون* فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين».
وقال الدكتور خالد البكر: إن فرعون لما أعلن عن حالة الانقلاب أخذ يبحث عن تفويض من السحرة ليقضي على موسى «ذروني أقتل موسى وليدع ربه»، وكأنه يقول فوضوني كي أقتله، وهذا قمة التناقض في شخصيته، لأن الرب ليس بحاجة إلى تفويض، غير أن هذا شأن الطغاة في التعامل مع أعدائهم كأنما يقول: أنا أنطلق من تفويضكم رغم أنكم تعلمون أني ربكم الأعلى.. وهل سيمنعه أحد إن قتل وصلب؟ لكنه يبحث عن شرعية زائفة بتمثيلية ساذجة.
وأضاف: ليس الذين يقدمون دعما للطغاة كلهم أهل سوء فهناك المخدوعون ممن التبس عليه الأمر بمعسول الكلام وسطوة الإعلام الهائلة التي تقلب الحقائق، لكن إذا أزيلت الغشاوة اتضحت الحقيقة. يقول الله تعالى في قصة موسى: «وألقي السحرة ساجدين* قالوا آمنا برب العالمين* رب موسى وهارون» بعدما عرف السحرة أنهم كانوا أداة للبطش والطغيان دون علم فقال فرعون: «آمنتم له قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون»، وكأنه يقول لهم: أنتم خلايا نائمة لموسى كنتم ترتبون معه في الليل، رغم أنه من انتقاهم وأحضرهم من فجاج الأرض ولم يخترهم موسى، فكيف يزعم أنهم خلايا نائمة؟ لكن التهمة الجاهزة والجزاء معد.. «لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين».
وزاد الخطيب: هذا الحشد لا بد من فضه بالقوة وبالقتل بعدما آمن بالحق وأقر به رغم الترهيب «قالوا إنا إلى ربنا منقلبون* وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا»، وهكذا أعلن السحرة ارتباطهم بالحق وفض فرعون الحشد، وأعلن بوضوح أنه لو اضطر للقتل لفعل وقد فعل، ففض التجمع لكن الفلول لم يكتفوا بالقتل «وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون»، بمعنى أنهم قالوا يا فرعون لا بد أن تطاردهم وتلاحقهم وتسجنهم وتعتقلهم. لا نريد أن يؤثروا في الناس بل استأصلهم، فيما قال موسى عليه السلام لقومه: «استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين»، فهو يؤكد لهم ألا يهتموا بانتفاشة الباطل والتسلط لأن العاقبة للمتقين الذين نراهم في عبادة ودعاء وذكر وخشوع «قالوا يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا».
وأشار الخطيب إلى أن لغة التطمينات هي السائدة في حال السجن والتضييق والتهميش «قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض»، منوها إلى أن أتباع فرعون وسحرته لم يكتفوا بذلك بل لا بد من المجازر حتى يصفو الأمر لفرعون «فلما تراءى الجمعان»، حيث لم يكن أمام فرعون إلا القضاء عليهم نهائيا، فشاهده قوم موسى ومعه الجنود والعتاد والقوة وكلهم حقد وغل وحسد، حيث قال أصحاب موسى «إنا لمدركون» إذ ملأهم الخوف.
لكن القضية -يقول الخطيب- ليست قضية جيش وعتاد طالما هناك ارتباط بالله خالق كل شيء، مضيفا «فأنتم في دعوتكم ومسيرتكم السلمية تبحثون عن الكرامة والعدالة والمساواة رافعين شعار السلمية، بينما هم يبحثون عن قتلكم، وقال لهم موسى: «كلا إن معي ربي سيهدين»، وهذه الكلمات التي قالها موسى معبرة عن يقينه وإيمانه بالله مرسله الذي أغرق فرعون وجنوده بعد أن حقق أصحاب موسى أسباب النصر وارتبطوا بربهم وعلموا أنه «إن تنصروا الله ينصركم».