القرآن يشتمل على ثلاثة أمور: توحيد وعقائد.. توجيهات وأحكام.. وقصص ومواعظ

alarab
الصفحات المتخصصة 21 سبتمبر 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح في هذه الحلقات مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير على حلقات حصرياً في «العرب». ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. سورة المسد بسم الله الرحمن الرحيم {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} حينما أنزل الله من القرآن الكريم قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوسع نطاق الدعوة فيمن يلقاه من الناس، ومن يقترب من خلصائه، فعزم أن يخرج إلى الصفا علنا، وينادي بطون قريش، ويبلغهم دعوة الله التي بُعث بها إليه . وهذا موقف عظيم له ما بعده، فلابد أن يهيئ له نفسه، ولابد أن يتحمل ما يمكن أن تعقبه هذه المواجهة، فنحن في مجتمع غلب فيه التقليد، وانتُقد فيه كل من يأتي بجديد، وبخاصة ما يتعلق بعقيدة التوحيد. وقد ذكر القرآن في قصص الرسل والأنبياء ماذا لقوا من عداء أقوامهم، وماذا قاسوا من عدوانهم وإيذائهم حينما جاهروهم بالحق الذي أنزله الله عليهم، وبعثهم به لهدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور. وهو ما لقيه خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام من قومه عامة، ومن عمه أبي لهب خاصة، حتى جمعهم وحشدهم من بيوتهم ليبلغهم دعوته، ويُسمعهم كلمته، ويقيم عليهم حجته: - أيها الناس أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ - قالوا: ما جربنا عليك كذبا. فهنا قال لهم بصريح العبارة: - «فإني رسول الله اليكم خاصة، وإلى الناس كافة». وهنا سكت القوم، ولم يستطع أحد منهم أن يقول شيئا، إلا رجلا واحدا، هو الذي وقف في وجه محمد صلى الله عليه وسلم، ورد على دعوى محمد، وهو عمه عبد العُزَّى بن عبد المطلب بن هاشم المعروف باسم (أبي لهب)، هو الذي رد على ابن أخيه وقال له: تبا لك! ألهذا جمعتنا؟! الرد الوحيد الصارخ الناطق بالباطل يقابل الحق، وبإلخرافة تقابل العقل، فلا عجب أن يغضب الله جل شأنه في سماواته العلا من أجل رسوله وحبيبه ومبعوثه إلى جميع خلقه محمد عليه الصلاة والسلام، وينزل عليه هذه السورة تدافع عنه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}. لقد دافع الخالق البارئ المصور سبحانه عن رسوله وحبيبه محمد، بعد أن قال أبو لهب: تبا لك! الهذا جمعتنا؟! لقد كان أبو لهب يعيش في قلب الجاهلية، وغفلات الجاهلية،وانحرافات الجاهلية ولا يجد فيها ما يتطلب الثورة عليها، وتغيير أفكارها وأخلاقها، ونظامها كله، فهو في وادٍ ومحمد عليه الصلاة والسلام في وادٍ آخر. لذا استخدم القرآن من أسلوب الشدة في الطرح والذم، جزاء أسلوبه الهجومي على خاتم رسل الله، ليثبت القرآن للناس قوة الدعوة، وقوة حاملها ومبلغها، وعدم تأثره بعدوان العادين عليه، وخصوصا أن هذه أول مرة يدافع القرآن فيها عن حامل الدعوة، وصاحب الرسالة، وهو دفاع مباشر من الرب الأعلى في مواجهة رجل أشبه بالإقطاعي أو الرأسمالي الغاشم، الذي نصب نفسه ليقاوم الدعوة ردا عليها، ويدفعها عن الناس ويدفع الناس عنها بكل قوة. لهذا بدأت السورة بهذا الذم الإلهي المباشر لمن تطاول على رسول الله. وقال تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}. فالعرب يقولون: «تبت يدا فلان من الناس» بمعنى: هلكت يداه وخسرتا ولعنتا، ولكن الله هنا يقول: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} أي وتب كله، فليس عنده شيء لا يستحق التباب والدمار والهلاك وإلخسارة، بل كله تاب هالك، زائل ممحو؛ لأنه قائم على باطل، والباطل ممحو زائل ممحوق بحسب وعد الله وسنة الله: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء:18]. {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}[الإسراء:81] ثم قال تعالى:{مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} بين الله تعالى بهذه الآية أن تباب أبي لهب وهلاكه أمر واقع لا محالة، قد قدره الله عليه، فهو واقع بلا ريب، وفي هذه الحالة لن يغني عنه ماله الذي ورثه، ولا ماله الذي كسبه، أي ما جاء عن طريق النسب والحسب، ولا ما جاء عن طريق التجارة والشطارة والمكاسب القريبة في الأسواق، فكله ذاهب. وقد جاءت الآية بالصيغة (الماضوية) للدلالة على تحقق الوقوع وأنه لا ريب فيه، فكأنما وقع بالفعل. فمعنى:{مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} أي لم ينفعه ماله الذي جاءه من الميراث، وماله الذي كسبه بالجهد. أو ما أغنى عنه ماله الموروث ولا ما كسبه من الأرباح. ثم قال عز وجل: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} أوعد أبا لهب بهذا الوعيد الشديد، الذي ترتعد منه الفرائص، ويرجف منه الفؤاد، ومفاده: أنه سيصلى يوم يقوم الناس لرب العالمين نارا ذات لهب أي شديدة الحرارة، إنها نار الآخرة، التي ثبت في الأحاديث الصحاح، أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار الآخرة. وقد قال الشاعر: جِسْمِي على الشَّمْسِ ليْسَ يَقْوَى ولا عـلى أهْـوَنِ الحَـرَارَة فكَيْفَ يَـقْوَى على جَحيمٍ وقُودُها النَّاسُ والحِجَارَة؟ وقد وصف الله هذه النار المعدة بأنها نار ذات لهب! ليست نارا منطفئة، ولا نارا توشك أن تنطفئ، بل هي نار حية حامية، ذات لهب، لا زال لهبها مشتعلا متوهجا فعالا، فإذا كان من النيران مالا لهب له، فهذه النار ذات لهب، وكفى به. ثم قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ} لم يكن أبو لهب وحده هو الذي يقف في وجه الدعوة المحمدية، دعوة التوحيد والتحرير، بل كانت أسرته كلها مجندة لذلك، ومن ذلك امرأة أبي لهب: أم جميل بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، وعمة معاوية، وقد وصفها القرآن بوصف يضفي عليها صفة مخزية مسيئة، تصورها كأنها حمالة الحطب.وهي تسعى أبدًا لإيقاد نيران الفتنة في الناس،وإشعال الشر بينهم . ثم قال عز وجل: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} لزيادة التبشيع في التصوير أبرزها القرآن في هذه الصورة المُزرية. (في جيدها): أي في عنقها، حبل من مسد: أي من ليف خشن تلفه على رقبتها، فيؤثر فيها، ويترك آثاره عليها، وهذه أشنع صورة تظهر عليها امرأة تكلف نفسها المشقة الفادحة للإفساد بين الناس، وتأجيج نار العداوة والبغضاء بينهم وبين الدعوة الجديدة. ولقد أظهر القرآن أبا لهب وامرأته بهذه الصورة الكريهة المقيتة، دفاعا عن رسوله الكريم، ووقوفا ضد ما علم الله أنه سيقوم به في الصد عن الدعوة، وتنفير الناس منها، حتى إنه كان يمشي وراء رسول الله الذي يقول للناس: - أدعوكم أن تعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا. فيقول أبو لهب: - أيها الناس لا تسمعوا له، فهو رجل يهذي! فكان رسول الله الهادي إلى سواء الصراط، وأبو لهب الداعي الدائم للصد عن سبيل الله. {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلَا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ} [فاطر:19]. ولهذا حقت على أبى لهب وزوجته هذه النهاية الأليمة ،جزاء بما كسبا،ووفاقا لما عملا. سورة الإخلاص بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} هذه سورة عُرفت باسم سورة الإخلاص، سورة (قل هو الله أحد)، التي تكتب في المصاحف عادة في سطر واحد، أو على الأقل في أكثر المصاحف، وذكر الإمام الرازي أنها تسمى: سورة التَّفْرِيدِ، وَسُورَةُ التَّجْرِيدِ، وَسُورَةُ التَّوْحِيدِ، وأسماء كثيرة أخرى. وهي السورة الثانية التي جاءت لإقرار عقيدة التوحيد في قصار المفصل، بعد السورة الأولى التي جاءت كذالك، وهي سورة (قل يا أيها الكافرون)، قبلها بسورتين، ولهذا يُقرن بينهما في القراءة، كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حجته، فقد جمع بينهما بعد طوافه بالكعبة في صلاة الركعتين الخفيفتين بعد الطواف، ويسن قراءتهما في سنة الفجر والمغرب وإنما جمع بينهما لقصرهما، ولتفردهما بموضوع واحد، هو توحيد الله جل جلاله. وقد بيّنت هذه السورة العظيمة أنها آخر سورة في القرآن تحتوي على لفظ الجلالة مرتين: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ}. كما بيّنت هذه السورة الكريمة: أنها اشتملت على وصف الله تعالى باسمين من أسمائه الحسنى لم يذكرا إلا في هذه السورة وحدها، وهما: اسم (الأحد)، واسم (الصمد). ومعنى (الأحديّة) في وصف الله تعالى كما عبر عنها العلامة ابن كثير في تفسيره: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا بديل، ولا يطلق هذا الاسم على أحد في الإثبات إلا على الله عز وجل، لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. ومعنى (الصمدية) في صفته تعالى {اللَّهُ الصَّمَدُ}، كما رُوي عن ابن عباس ترجمان القرآن، يعني: الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. وعنه: هو السيد الذي كمُل في سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي كمل في عظمته، والحليم الذي كمل في حلمه، والعليم الذي كمل في علمه، والحكيم الذي كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، ولا يشبهه شيء، سبحان الله الواحد القهار. وقال أبو وائل: الصمد السيد الذي قد انتهى سؤدده، وعن ابن مسعود مثله. وقال الحسن وقتادة: الصمد هو الباقي بعد خلقه. وقال الحسن: هو الحي القيوم الذي لا زوال له. وقال عكرمة: هو الحي القيوم الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم. وقال الربيع بن أنس: «هو الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ « كأنه جعل ما بعده تفسيرا له، وهو قوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}. وقال السُّدّي: الذي لا جوف له. وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب. وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له، بعد إيراده كثيرا من هذه الأقوال في تفسير {الصَّمَدُ}: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا، عز وجل، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك أيضا. وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. قال مجاهد: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}يعني: لا صاحبة له. وهذا كما قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام: 101] أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يُساميه، أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه. قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 ، 95] وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26، 27]، وقال تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 158، 159]. وفي صحيح البخاري: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم». وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد». وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن من قرأ هذه السورة فقد قرأ ثلث القرآن . وقال كثير من علماء القرآن كابن عطية ومن وافقه: إن القرآن يشتمل على ثلاثة أمور: 1 - توحيد وعقائد 2 - توجيهات وأحكام 3 - وقصص ومواعظ. فهذه السورة على وجازتها قد تضمنت الجزء الأول. وقوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ينفي عنه هذا النقص من جهتيه، فهو لم يلد كما زعم النصارى الذين يقولون: المسيح ابن الله، أو إليه ود الذين يقول طائفة منهم: عزيرٌ ابن الله، والعرب الذين يقولون الملائكة بنات الله، وطوائف من الهنود ممن نسبوا إلى الله آلهة وأبناء الهة ، زعموا أنهم أولاد الله. وقد رد الله في كتابه ببراهين قطعية على هذه المعتقدات الباطلة، وأثبت أنها خرافات، لا تستند إلى دليل ثابت منقول عن الله رب العالمين، ولا على دليل عقلي، يقوم على نتائج تفكير عقلي سليم. فقال تعالى في نفي الولد: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:26]. وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم:89]. وقال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام:101]. وكذلك قوله تعالى: {وَلَمْ يُولَدْ} رد على من كان يتصور أن لله نسبا، وأن يكون له والد ينسب إليه ، فكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك! فيبين القرآن الكريم لهم أن الله هو (الأول)، الذي ليس قبله شيء ، وهو مصدر كل الموجودات في الأرض والسماوات، وفي الدنيا وفي الآخرة، وكل مولود فهو مخلوق يحدث بعد أن لم يكن، والله تعالى هو الأول الذي لا افتتاح لوجوده القديم، الذي كان سبب كل موجود، والذي كان ولم يكن معه شيء غيره، فلا يمكن أن يكون مولودا تعالى الله عن ذلك. وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} تتميم لأوصاف الله جل شأنه، وهذه تثبت له سبحانه: أنه لا كفء له، ولا ند له، ولا شبيه له، على غرار ما جاء في سورة الشورى من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]. فهو تبارك وتعالى ثابت في ذاته، كامل في ذاته، وكامل في صفاته، وكامل في أفعاله، ولذا نفى عنه سبحانه (الولدية) و(الوالدية)، فهو ليس ولدا ولا والدا: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}، كما نفى عنه المكافأة لأحد من خلقه، فهو ليس كفوا لأحد، كما أنهم ليسوا أكفاء له، كما أنه ليس جزءا منهم، وهم أيضا ليسوا جزءا ولا أجزاء منه، فكل ما عداه يحتاج إليه ، ولا يستغني عنه في أي حال من الأحوال، ولا في أية لحظة من اللحظات، ولا في أي مكان في العالم، فهم عبيده وهو ربهم، وهم فقراء إليه وهو مغنيهم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إلى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر:15]. * يتبع الجمعة القادمة إن شاء الله