منون لـ«العرب»: إقامتي في قطر 35 عاماً علمتني معنى عمل الخير

alarab
منوعات 21 سبتمبر 2011 , 12:00ص
كيرلا – موفد العرب - محمد سيد أحمد
تقع ولاية كيرلا (خير الله) في الشطر الجنوبي الغربي للهند على مساحة 38863 كلم مربع، ويبلغ عدد سكانها حسب إحصاء 2001 حوالي 31.838.619، تدين نسبة كبير منهم بالإسلام الذي وصلها مبكرا عبر التجار العرب، وتعتبر الطائفة المسلمة مكونا رئيسيا من مكونات سكان ولاية كيرلا الهندية، وتعتمد ولاية كيرلا في اقتصادها على الزراعة بشكل أساسي يساعدها في ذلك مناخها الاستوائي وكثرة أنهارها التي تنساب داخلها مما جعلها بحق فردوسا على وجه الأرض، الأمر الذي جعلها تصنف كواحدة من أجمل عشر مناطق على وجه الأرض، وبما أن نسبة المسلمين بها كبيرة حرص أبناء الديانة الإسلامية على أن تبقى المظاهر الإسلامية حاضرة في قراهم، فلن تخطئ عين الزائر مآذن المساجد في معظم القرى التي يتواجد بها المسلمون، وكان آخر تلك المساجد تشييدا في الولاية هو مسجد قرية بانوور الذي ببنائه تحققت للسكان المسلمين فيها أمنية عظيمة وحلما جميلا طالما راودهم سنوات طويلة، وهذا الحلم تحقق على يد أحد أبناء القرية رجل الأعمال «منون سي كي»، حيث افتتح أول مسجد للمسلين يوم السبت الماضي (17 سبتمبر)، بحضور حشد كبير من الشخصيات المسلمة وغير المسلمة وبحضور رئيس وزراء ولاية كيرلا شخصيا، مما يؤكد أهمية هذا الإنجاز الذي انتظره سكان القرية المسلمون وغيرهم، مما يؤكد على ترابط وتمساك المجتمع الهندي رغم اختلاف دياناته وأعراقه، فقيام رجل الأعمال منون الذي لا ينتمي للطائفة المسلمة ببناء هذا المسجد الكبير والجميل للمسلمين من أهل قريته يعبر عن معنى من معاني الإنسانية الجميلة حين تذوب الفوارق بين أبناء المجتمع الواحد ويسود جو المحبة والإخاء والتلاحم تجسيدا للمصير المشترك الذي أثبته هذا الرجل المحب لأبناء ولايته. «العرب» التقت رجل الأعمال منون في بهو أحد فنادق كيرا، وكانت هذه الأسئلة: ¶ ما الدافع وراء قيامكم بمثل هذا العمل؟ - الدافع الحقيقي وراء قيامي بهذا العمل هو معرفتي التامة بنتائج الأعمال الخيرية ومعايشتي لمعاني الإخاء الجميلة التي يتحلى بها المسلمون الذين تعاملت معهم طوال حياتي، فقد عرفتهم هنا في ولاية كيرلا ونشأت بينهم في مجتمع مترابط تسوده المحبة والوئام، وبعد ما سافرت إلى دولة قطر ازدادت هذه التجربة وترسخت وتعمقت أكثر عندما عايشت المسلمين في الدوحة وعرفت معنى عمل الخير، لذا أنصح إخواني من رجال الأعمال المسلمين بضرورة صرف أموال الزكاة على مستحقيها من الفقراء وأهمية معرفة مكامن الحاجة لدى هؤلاء، فقد عقدت مشاورات كثيرة مع فريق العمل الذي يعمل معي وأصدقاء آخرين حول أسلوب عمل الخير، وما إذا كان توزيع المبالغ النقدية على الفقراء أكثر فائدة لهم أم بناء مشاريع يستفيدون منها، وتوصلنا إلى أن توزيع المبالغ النقدية قد يسد بعض الحاجات الملحة للفقراء، لكنه لن يفيدهم على المدى البعيد، عكس بناء المشاريع ذات النفع على المدى الطويل، وهذا ما جعلنا نقوم ببناء الكثير من المساكن للفقراء في ولاية كيرلا بلغت حتى الآن ما يربو على 500 منزل استفادت منها عائلات كانت تعيش فيما يشبه العراء. ¶ ما مدى تقييمكم للتسامح والتعايش للمجتمع الهندي في الولاية؟ - المجتمع الهندي بطبيعته مجتمع مسالم وصبور ويتمتع بروح الأخوة والتسامح بالإضافة إلى التواضع الجم، وهذه الصفات الجميلة تتجلى في ولايتنا التي لم تعرف على مدى تاريخها أي خلاف بين مكونات الشعب، ولا أدل على هذا الكلام من هذا الحفل المهيب الذي أقامته قرية «بانور» بمسلميها وبقية أتباع الديانات الأخرى، وعليه فإنني سعيد بهذا التعايش الذي هو حقا تعبير واضح عن ثقافة الهند بشكل عام. ¶ هل تعرفون بداية دخول الإسلام لهذه المنطقة؟ - يمكنني القول إن هذه الولاية عرفت الإسلام منذ مطلع فجره عن طريق التجار العرب الذين نشروا دين الإسلام العظيم الذي أضفى تنوعا على مجتمعنا، فهذا الدين هو دين التسامح والعدل، والإسلام دين يحث على عمل الخير ومساعدة الآخرين والاهتمام بالفقراء، وهو الدين الوحيد الذي جعل الناس يستفيدون من الأموال عن طريق قيام الأغنياء بدفع الزكاة والصدقات للفقراء الذين يحتاجونها، وهذه مبادئ وأخلاق عظيمة جاء بها الإسلام ورأيتها واقعا معاشا أثناء إقامتي في دولة قطر التي عشت فيها وما زلت قرابة 35 سنة جعلتني أعرف الكثير عن الإسلام، فقد جمعت ثروتي من هذه البلاد الطيبة وأصبح لدي الكثير من المشاريع التجارية في معظم دول الخليج العربي بالإضافة إلى مشارعي التجارية في الهند. الاحتفال بتدشين المسجد وفي يوم السبت الماضي انطلقنا بالسيارات من فندق كدوفا الواقع في مدينة كالكات حوالي الساعة الواحدة والنصف ظهرا متوجهين إلى قرية بانور التي تبعد 80 كيلو مترا، حيث يتم افتتاح المسجد المذكور، وهنا يستطيع المرء أن يكتشف سحر الطبيعة الذي لا يوصف، والذي حبا الله به ولاية كيرلا (خير الله)، فباستثناء الطريق المسفلت القديم -الذي شيده المستعمر البريطاني قبل أكثر من 80 سنة– لا يمكن أن يشاهد المرء سوى التلال الخضراء والحدائق الغناء والأنهار التي تتخلل هذا الفردوس الأرضي، وبعد 3 ساعات ونصف من السير بالسيارة على طريق ضيق ومتهالك وصلنا قبل صلاة العصر بدقائق إلى وجهتنا حيث وجدنا سكان القرية قد احتشدوا في ساحة على الطريق العام الذي يمر وسط قريتهم التي نصبوا فيها خيمة كبيرة ومنصة مجهزة بكل ما يحتاجه مثل هذا الحدث الاستثنائي في تاريخ قرية بانور، بعد نزول رجل الأعمال «منون» والوفد المرافق له، قام بإلقاء التحية على الجمهور المحتشد ثم شق طريقه متوجها إلى المسجد معلنا افتتاحه رسميا، حيث أقيمت فيه صلاة العصر. وبعد انتهاء الصلاة توجه الوفد الزائر إلى المنصة المعدة للضيوف، وبدأ حفل الافتتاح بتلاوة عطرة لبعض آيات القرآن الكريم تلاها الطفل عبدالله محمد، ثم تناوب على الكلام كبار الشخصيات من أهل القرية مسلمون وهندوس وغيرهم معربين في كلماتهم تلك عن تقديرهم وشكرهم للسيد «منون» على إنجازه لهذا العمل الكبير لأبناء قريته، وكانت كلمات كبار الشخصيات من الهندوس لافتة ومؤثرة جدا، خصوصا الأغنية التي غناها المغني راجان، تلك الأغنية التي ترجمها لنا رجل الأعمال المسلم زين العابدين كانت مؤثرة بحق، فهي تتحدث عن فرحة المغني الغامرة بتحقق حلم إخوانه المسلمين الذي طال انتظارهم له مؤكداً أن هذا اليوم يعتبر يوما خالدا وعيدا لسكان هذه القرية. كلمة رئيس الوزراء ثم جاءت كلمة رئيس الوزراء في ولاية كيرلا التي عبر فيها عن سعادته وفرحته الكبيرة لتحقيق حلم جزء من شعبه، وتمنى للمسلمين منهم التوفيق لحصولهم على مسجد كبير يؤدون فيه شعائرهم الدينية، منبها في الوقت نفسه إلى تلاحم وتناغم أبناء ولايته الذين انتخبوه جميعا وأحبوه وأحبهم من كل قلبه كما يقول، وحث رئيس وزراء ولاية كيرلا أبناء شعبه على الحفاظ على هذه الروح الجماعية وضرورة الارتقاء بها على الدوام مستشهدا على متانة العلاقة التي تسود بين المجتمع بقيام مواطن هندي غير مسلم ببناء مسجد للمسلمين. حاولنا إجراء مقابلة مع رئيس وزراء الولاية إلا أن الجو لم يكن مساعدا على ذلك بسبب ضوضاء الحفل وكثرة الجمهور، بالإضافة إلى ارتباطه باجتماعات أخرى هامة مع شخصيات من الحكومة المركزية، إلا أنه- كما يقول- لم يستطع أن يضيع الفرصة للاحتفال مع أبناء هذه القرية رغم كثرة انشغالاته. فرحة أبناء القرية سر سعادتي بعد كلمة رئيس الوزراء جاء دور رجل الأعمال «منون» حيث ألقى كلمة عبر فيها عن سعادته ببناء مسجد لأبناء القرية، وأكد أن فرحة أهل قرية بانور هي التي يستمد منها سعادته، وأبدى استعداده الدائم لمواصلة أعماله الخيرية التي يعتبر هذا المسجد واحدا منها، فقبل فترة تم الانتهاء من بناء 500 منزل لأسر محتاجة في مناطق متفرقة من الولاية، وأثنى منون على جهود «العرب» الكبيرة التي عن طريقها انتشر الإسلام في هذا الجزء من العالم لافتا إلى مساعدات المحسنين في دول الخليج لإخوانهم المسلمين في مختلف ولايات الهند خصوصا منطقة كيرلا. وبعد كلمة منون تواصلت كلمات الحضور، حيث أشاد وزير الفلاحين بهذا الإنجاز الكبير الذي تحقق لهذه القرية داعيا بقية رجال الأعمال الهنود إلى تقليد هذا الرجل وتقديم الدعم والعون لإخوانهم في هذه الولاية وبقية ولايات الوطن، تلاه في الكلام رجل الأعمال السعودي محمد بن هميم الذي أشاد بروح التعاون والإخاء الذي يسود بين سكان هذه الولاية داعيا إلى الاستمرار في ذلك، ونقل لهم تحيات حكومة وشعب المملكة العربية السعودية، ثم كلمة الشيخ على حيدر أحد كبار الشخصيات الدينية في المنطقة، فمدير المعهد الإسلامي في جنوب الهند. إدارة المسجد يذكر أن صيانة وإدارة هذا المسجد الذي بني في القرية ستتبع للجنة الشورى المؤلفة من خمسة أشخاص يتم انتخابهم كل سنتين مما يعبر عن ترسخ الديمقراطية في الشعب الهندي الذي تعتبر بلاده أكبر ديمقراطية في العالم. واختتم الحفل بتقديم سكان القرية هدية لرجل الأعمال منون عبارة عن لوحة خشبية نقشت عليها صورة للمسجد الكبير، وبع ذلك انتقل الوفد الزائر إلى منزل رجل الأعمال زين العابدين لتناول العشاء الذي أقامه على شرف صديقه وزميله في الغربة «منون سي كي».