«المعايدة» بالرسائل القصيرة تضعف صلة الرحم وتفقد الأعياد نكهتها

alarab
محليات 21 أغسطس 2012 , 12:00ص
الدوحة - إسماعيل طلاي
«عيدكم مبارك.. عساكم عواده»، بضع كلمات في رسالة قصيرة عبر الجوال، لا تكلف سوى بضعة دريهمات، كافية لتختصر المسافات، وتضمن ألا تنسى أحدا من أقاربك في العيد، كما يقول المدافعون عن التهنئة بالرسائل الإلكترونية والقصيرة عبر الجوال في المناسبات، بدلا من المعايدة وتبادل الزيارات في البيوت، بينما يرى البعض أن الهواتف الجوالة أفقدت الأعياد الكثير من نكهتها، بل إنها أفسدت الود العائلي، وباتت صلة الرحم مقطوعة، أو بلا طعم في أحسن الأحوال! رنات التهاني تسبق العيد ليس الوضع مقتصرا على قطر فحسب، فتبادل تهاني الأعياد في المناسبات عبر الرسائل القصيرة بات «موضة» الغالبية الساحقة من المعايدين، والأمر ليس مقتصرا على جيل الشباب.. فمن منا لا يملك اليوم جوالا في عالمنا العربي؟ ومن منا يجرؤ على القول إنه لا يبعث على الأقل رسالة واحدة قصيرة واحدة في الأعياد، يختزل بها زيارة عائلية، بداعي الكسل في التنقل للبيوت أو ضيق الوقت، أو فقدان الرغبة في زيارة الأقارب في بيوتهم، أو غيرها من الحجج التي تستسيغها الألسن؟! وقبيل يوم أو يومين من عيد الفطر، يبدأ صدى الرنات ينبعث من الهواتف، وسرعان ما تتدفق كزفات المطر.. رسائل قصيرة وبكل اللغات، ومن مختلف بقاع العالم، تربط الأهالي والأقارب والأصدقاء. ويجد البعض متعتهم في التفنن بكتابة رسائل تهنئة، بأسلوب شعري أو سجع متواصل، بينما ينتظر البعض حصولهم على أول رسالة نصية أو بطاقة معايدة تروقهم، ليكتفوا بتوزيعها على معارفهم، مرفوقة بإمضائهم. إغراءات شركات المحمول وفي قطر، تجد شركات الهواتف الجوالة في مناسبات الأعياد فرصة مثالية لمضاعفة زبائنها الجدد، والتعبير عن وفائها للمسجلين في شبكاتها، فتسارع كل من «كيوتل» و «فودافون» لابتكار أفضل العروض المغرية، من خلال منح مكالمات مجانية وحرية تبادل رسائل قصيرة بأسعار تنافسية أو مجانية دفعة واحدة، وتتباين فترات العروض، فبعضها قد ينحصر خلال أيام العيد، بينما أفضل العروض وأكثرها إغراء قد تمتد شهرا كاملا! ولا تتوانى شركات المحول في إغراء زبائنها بعبارات تدعوهم لاستغلال عروضها لإرسال تهاني العيد إلى أحبتهم، وهي تدرك يقينا أن الإقبال يصل ذروته في أيام العيد، وأن تبادل التهاني بالرسائل القصيرة، وبدرجة أقل بالمكالمات الهاتفية، أضحى ثقافة شائعة في المجتمع القطري أيضا. وفي حين يبدي بعض الزبائن استغرابا للعروض التي يعتبرونها خيالية، فإن العارفين بسوق الهاتف المحمول، يدركون أن تلك العروض المجانية ترفع قاعدة المسجلين الجدد في الشبكات التي تمنح أفضل العروض، بل إن كثيرين قد يتخلون عن شركة معينة للحاق بأخرى، أو قد يضيفون خطوطا جديدة للاستفادة من العروض، والرابح حتما هي شركات الهاتف المحمول. ومقابل ربح الشركات وسعادة الزبائن بتلك العروض، تتعالى أصوات خافتة بين الحين والآخر تنبه إلى اندثار ثقافة الزيارات العائلية تدريجيا في كثير من المجتمعات الإسلامية، إن لم نقل كلها. تهانٍ بلا دفء ولا طعم! ويعتبر الرافضون لثقافة التهنئة بالرسائل القصيرة أن التكنولوجيا قضت على واجب وفرض صلة الرحم والزيارات العائلية في البيوت، وجعلت مناسبات الأعياد يتيمة، بسبب اتجاه الغالبية الساحقة إلى تبادل التهاني بكلمات «جامدة» لا تحمل أي دفئ أسري أو أخوي.. ومهما ادعى أو حاول المهنئون ابتكار أفضل العبارات، فإنها لن تعادل أبداً الزيارات الودية التي ترضي الرب أولا، وتسعد الأقارب، لاسيما كبار السن الذين لا يستغنون عن رؤية أحفادهم وأقاربهم، ذلك أن زيارة لدقائق تضفي عليهم دفئا عائليا، وتشعرهم بسعادة، لن تمنحها إياهم مليون رسالة قصيرة، ولو تداعى كل المشتركين لابتكار أجمل عبارات التهاني، كما يقول أحدهم! رسائل قصيرة لأكبر عدد من الأقارب على الجانب الآخر، يعتبر أنصار تبادل التهاني بالرسائل القصيرة أنها وإن كانت تفتقد للدفء الذي توفره الزيارات العائلية، فإن تلك الرسائل تسمح لصاحبها بتهنئة أكبر عدد ممكن من الأهل والأصدقاء والخلان، ليس في دولة بعينها، بل في دول مختلفة وفي زمن قياسي، الأمر الذي لا يمكن توفيره في الزيارات العائلية، خاصة في فصل الصيف مثلا، حيث يفضل الغالبية المكوث ببيوتهم، والخروج في نهاية اليوم بسبب الطقس. ويذهب المناصرون لثقافة المعايدة بالرسائل القصيرة إلى أن الإنسان يجب أن يعيش عصره ويتكيف مع تحدياته، والحال أن الناس يعيشون في عصر السرعة التي تفاقمت فيه مشاغلهم، فلا ضير من استغلال التكنولوجيا لخدمة أغراض هي في نهاية المطاف نبيلة وتؤدي الرسالة، ولو بمضمون أقل حميمية في التعبير عن المشاعر! حل وسط وفي الطرف الثالث، يطرح البعض رأيا وسطا، داعين إلى الجمع بين الاثنين، بعدم إهمال زيارة كبار السن تحديدا، والأقارب من الدرجة الأولى، لحاجتهم للشعور بالدفء العائلي، على أن تخصص الرسائل القصيرة للخلان والأصدقاء داخل وخارج حدود البلد. وبين هذا وذاك، تبقى ثقافة المعايدة بالرسائل القصيرة لها من لها من المؤيدين، وعليها ربما عدد أكبر من المتحفظين والرافضين، وكذا المسلّمون أمرهم لإكراهات العصر وضغوطاته!