الإمام العادل (1)

alarab
باب الريان 21 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
ومن أهم الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل.. الحاكم الذي يتقي الله تعالى في رعيته، ويعدل فيهم، ويسوي بينهم، ويسوسهم بما يرضي الله تعالى. وقبل البدء تخيل معي -بعين البصيرة– مشهداً من مشاهد القيامة، حين يأتي ملك من ملوك الدنيا أو رئيس، أو أمير، أو سلطان، أو شاهنشاه، أو جهانجير، أو شاه جاهان، أو إمبراطور، ممن حملوا ألقاباً مثل (جلالة وفخامة وجناب وأمير المؤمنين وحضرة صاحب الـ...، وعميد الزعماء... وملك ملوك... إلخ) ممن جَهِلوا ونسوا، وظَلموا وأساؤوا، وتعسفوا واحتجنوا، وسرقوا ونهبوا، وضربوا وعذبوا، وقتلوا وشنقوا، ثم سيقوا إلى الموقف، مكبلين بخطاياهم التي تملأ الدنيا، وقد تأكدوا أنهم أمام رب عادل، سيحاسبهم على النقير والقطمير، وأنهم بلا جند ولا أحراس، ولا أموال ولا منعة، وقد حملوا على ظهورهم ما سرقوا واحتجنوا، وأمسك بأعناقهم من جلدوا وعذبوا، وأشارت إليهم الأيدي بالإدانة، والأصوات بالصياح: هؤلاء هم الطغاة الكذبة، وعلى أستاههم عُلقت رايات عليها أنهم الغَدَرة الفجرة، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يؤمر بهم إلى حيث يقتص منهم! تخيل هذا، ثم تخيل مقابلهم حكاماً عدولاً -وإن كانوا قلة– مطمئنين راضين، ساكنين واثقين، لا يحزنهم الفزع الأكبر، ولا يؤذيهم ظل الشمس فوق الرؤوس، بنفوس مطمئنة، وجباه منيرة، وألسنة شاكرة، وصحائف بيض؛ بعد أن بشرتهم ملائكة الرحمن بالعافية! (فأي الفريقين أحق بالأمن) من عذاب الله، وهول الموقف، ورعب القيامة؟ إنهم (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) -بمعناها الشامل– إنهم من حكموا فعدلوا، وقالوا فصدقوا، ووعدوا فوفوا، وعفُّوا فما احتجنوا، وخرجوا منها أطهار الذيول، بريئي النفوس، بيض الأيادي! ولنقف أمام الألفاظ قليلاً، لعل في التدقيق اللغوي إضافات تنفع في هذا المقام: ما الإمام، وما العدل؟ الإمام في المعاجم: كل ما ائتَم به قومٌ، من رئيس أو غيره، ومهما كان اسمه الاصطلاحي في عصرنا أو غيره، على الصراط المستقيم كانوا، أو كانوا ضالين. قال تعالى: (واجعلنا للمتقين إماماً) [الفرقان: 74]. والإمام: قيم الأمر، المصلح له. والإمام: الطريق الواسع، وبه فسر قوله تعالى في سورة [الحجر: 79]: (وإنهما لبإمام مبين) أي بطريق يُؤم. والعادل: المُنصف الذي لا يجور. وعدَل القاضي والوالي عَدْلاً وعَدالةً وعُدُولةً ومَعْدلَة -بفتح الدال وكسرها- أنصفَ، ضدُّ جارَ. والعَدَالة مصدرٌ، وهي شرعاً: الاستقامة على طريق الحق؛ باجتناب ما هو محظور. والعَدْل ضدُّ الجور، وما قام في النفوس أنهُ مستقيم. ورجلٌ عَدْلٌ أي عادل ورضيّ ومَقْنَع في الشهادة. وهو في الأصل مصدرٌ، وبهذا الاعتبار لا يُثنَّى ولا يُجمع؛ يقال: رجلٌ أو امرأَةٌ عَدْلٌ، ورجلان أو امرأَتان عدلٌ، ورجالٌ أو نساءٌ عَدْلٌ، وباعتبار ما صار إليهِ من النقل للذات يُثنَّى ويُجمَع، يقال: رجلان عَدْلان، وقومٌ عُدُولٌ. والعدْل في اصطلاح الفقهاءِ من اجتنب الكبائر، ولم يصرّ على الصغائِر، وغلب صوابهُ، واجتنب الأفعال الخسيسة كالأكل في الطريق، والبول. فلنعتمد هنا الدلالة اللغوية والشرعية كلتيهما؛ بأن الإمام هو من يؤتم به، من يقود الناس، من يسمعون له ويطيعون. ولنقل إن الإمام العدل أو العادل هو: الحاكم الذي لا يظلم ولا يجور، المستقيم على طريق الحق، المجتنب لما هو محظور، الذي اجتنب الكبائر، ولم يصرّ على الصغائِر، وغلب صوابُهُ خطأه، واجتنب الأفعال الخسيسة التي لا تليق بإمام (أمير- رئيس) . ولننظر كذلك في موارد اللفظتين: (الإمام/ العادل) في كتاب الله تعالى، ثم في السنة المشرفة: الإمام: وردت كلمة (إمام) في المصحف الشريف مفردة سبع مرات، ووردت مجموعة (أئمة) خمس مرات، موافقة للمعاني اللغوية التي مرت، على النحو التالي: - في البقرة: 124، سأل سيدنا إبراهيم عليه السلام ربه عز وجل البركة في أبنائه، وأن تكون فيهم الإمامة والنبوة، فاستثنى الله تعالى منهم الظالمين: (وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن قالَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ: وَمِن ذُرِّيَّتِي قال: لا ينال عهدي الظالمين)؛ فكأن كل جائر من الحكام ليس من ولد إبراهيم عليه السلام، أو ليس على هديه وسنته! - وهو ذاته سؤال ورجاء المؤمنين عباد الرحمن في ذرياتهم وهم يضرعون له سبحانه: (ربنَا هَبْ لنا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) [الفرقان: 74]. - ويأبى الله تعالى إلا أن يمكن للموحدين الصادقين المستضعفين ليؤموا الناس: (ونريد أن نمنَّ على الذين استُضعفوا في الأرض، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 5]. - والإمام العدل إذا تمكن مكّن لدين ربه تعالى: يقول تبارك وتعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتَوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) [الحج: 41]. - كما يأمر الجليل عبادة ألا يتهاونوا مع رؤوس الضلال، وأئمة الكفر: (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) [التوبة: 12]. - والله تعالى سيدعو كل أمة بإمامهم العدل أو الفرعون، يتبعونه يوم القيامة، كما تبعوه في الدنيا: يقول تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) [الإسراء: 71]، فمن كان إمامه من الصالحين العدول، فهو معه؛ كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) [الأنبياء: 73]، وقال: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا) [السجدة: 24]. - في حين أن بعض الأئمة في الدنيا يدعون قومهم إلى النار: يقول تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ) [القصص: 41]، وفي الآخرة يقودونهم إلى سواء الجحيم، يقول تعالى: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ. يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ. وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود: 97-99]. العدل: أما لفظة العدل –ضد الظلم– فقد وردت في المصحف الشريف اثنتي عشرة مرة، على موارد، منها: ** في النحل: 90، يلزمنا الله تعالى بالعدل منهجاً وفريضة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَينْهَى عَن الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ، وَالْبَغْي). ** وفي المائدة: 8، يأمرنا تعالى أن نتحرى العدل في كل شيء؛ حتى مع أعداء الله وأعدائنا: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعْدِلُوا هُو أقرب لِلتَّقْوَى، وَاتَّقُوا اللَّهَ). ** وفي النساء: 58، يأمرنا تعالى أن يكون قضاؤنا عادلاً، وأحكامنا مستقيمة وفق الشرع: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ...). ** وفي الحجرات: 9، يأمرنا تعالى أن نصلح بين المتخاصمين بالعدل؛ لأنه تعالى يحب أهل العدل: (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إن الله يحب المقسطين). ** وفي الأنعام: 152، يأمرنا تبارك وتعالى بالعدل في القول والشهادة: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى).