لو كانت مفاتيح خزائن الله بيد أحد من البشر كنَّا سنموت جوعاً
باب الريان
21 أغسطس 2011 , 12:00ص
آية الله في إنبات الموزونات
في الأرض
{وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}
{وَأَنْبَتْنَا فِيهَا} أي: في الأرض، {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}، بعد تثبيت الأرض بالجبال الرواسي حتى لا تميد، وبَسْطها، كيف يكون كلُّ شيء موزون؟!
اختلف المفسِّرُون القُدماء في هذه اللفظة، قالوا: إنها تنبت حبوباً وثماراً تُوزَن. والبعض قالوا: لا، الموزون يعني مُنْضبط، يعني مُقَدر، فالوزن هنا موزون أدبيٌّ أو معنويٌّ.
وقال الإمام الرازي: (والله تعالى إنما يخلق المعادن والنبات والحيوان بواسطة تركيب طبائع هذا العالم، فلا بدَّ أن يحصل من الأرض قدر مخصوص، ومن الماء والهواء كذلك، ومن تأثير الشمس والكواكب في الحرِّ والبرد مقدار مخصوص، ولو قدَّرنا حصول الزيادة على ذلك القدر المخصوص أو النقصان عنه، لم تتولَّد المعادن والنبات والحيوان، فالله سبحانه وتعالى قدَّرها على وجه مخصوص بقدرته وعلمه وحكمته، فكأنه تعالى وزنها بميزان الحكمة، حتى حصلت هذه الأنواع).
إنَّ كلَّ شيء في الكون بِقَدَرٍ، لقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]، تقديرٌ معلومٌ، ليس هناك شيء اعتباطيٌّ، ولا شيء عَبَث، كلُّ شيء مُقدَّر: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان:2].
وفي عصرنا يقول علماء الجيولوجيا وعلماء النبات: كل نبتة تأخذ غذاءها من الأرض بميزان، أملاح بنسبة معيَّنة، وماء ومعادن وحديد بنسبة معيَّنة، كلُّ شيء بموازين مُعيَّنة، كلُّ شيء في الدنيا موزون: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن:7- 9]، إذا اخْتَلَّ ميزان الكون فَسَدَت البيئة: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [21].
المِخْيط إذا دخل البحر.
آيات الله الكونيَّة في القَدَر المعلوم
{وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}
رزق الله سبحانه وتعالى واسع: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}، أي: بمقدار حاجة البشر ومصالح البشر، وكلُّ شيء بِقَدر معلوم، ولا يكون تنزيله لأيِّ شيء جزافًا دون تقدير حكيم.
بعض علماء الطبيعة والرياضيَّات ذكروا في كتاب (الإنسان لا يقوم وحده) باللغة الإنجليزية، وتُرجم إلى العربية، تحت عنوان (العلم يدعو إلى الإيمان): (لا بدَّ للحياة فوق أرضنا هذه من شروط جوهرية عديدة، بحيث يصبح من المحال حسابيًّا أن تتوافر كلَّها بالروابط الواجبة، بمجرَّد المصادفة على أيِّ أرض، في أيِّ وقت. لذلك لا بدَّ أن يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد. وإذا كان هذا صحيحا، فلا بدَّ أن يكون هناك هدف».
تلك الحزمة من الكون التي نسمِّيها بالكرة الأرضية، إنها جسم لا أهمية له في نظر الفلك، ومع ذلك يمكن القول بأنها أهمُّ جسم حتى الآن.
ويجب أن نفرض أن الكرة الأرضية مكونة من بعض العناصر التي توجد في الشمس، لا في أيِّ كوكب آخر، وهذه العناصر مقسَّمة على الكرة الأرضية بنسب معيَّنة، قد أمكن التحقُّق منها لدرجة مقبولة فيما يتعلَّق بالسطح.
وقد حولت جملة الكرة الأرضية إلى أقسام دائمة، وحدود حجمها، وسرعتها في مدارها حول الشمس هي ثابتة للغاية، ودورانها على محورها قد حُدِّد بالضبط، لدرجة أن اختلاف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن أن يقلب التقديرات الفلكية. ولو أن حجم الأرض كان أكبر مما هو عليه، أو أصغر، أو لو أن سرعتها مختلفة عما هي عليه، لكانت أبعد أو أقرب من الشمس مما هي، ولكانت هذه الحالة ذات أثر هائل في الحياة من كلِّ نوع، بما فيها حياة الإنسان. وكان هذا الأثر يبلغ من القوة، بحيث إن الكرة الأرضية لو كانت اختلفت من هذه الناحية أو تلك إلى أيَّة درجة ملحوظة، لما أمكن وجود الحياة فوقها.
ومن بين كلِّ الكواكب السيارة، نجد أن الكرة الأرضية فيما نعلم الآن هي الكوكب الوحيد الذي كانت صلته بالشمس سببا في جعل نوع حياتنا ممكنا.
والمتَّفق عليه الآن عموما، أن الحياة لم توجد قط، ولا يمكن أن توجد، في أيِّ شكل معروف، على أيِّ كوكب سيَّار، غير الكرة الأرضية، لذلك لدينا في البداية الأولى، كوطن للمخلوقات البشرية، كوكب سيَّار صغير، قد أصبح بعد سلسلة تغييرات في مدى بليوني سنة أو أكثر، مكانا صالحا لوجود الحياة الحيوانية والنباتية التي توجد بالإنسان.
وتدور الكرة الأرضية حول محورها مرَّة كلَّ أربع وعشرين ساعة، أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة، والآن افرض أنها تدور بمعدل مائة ميل فقط في الساعة، ولِمَ لا؟ عندئذ يكون نهارنا وليلنا أطول مما هو الآن عشر مرَّات، وفي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارَّة نباتاتنا في كلِّ نهار، وفي الليل قد يتجمَّد كلُّ نبت على الأرض.
إن الشمس التي هي مصدر كلِّ حياة، تبلغ درجة حرارة مسطحها (12000) درجة فهرنهايت، وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حدٍّ يكفي لأن تمدَّنا هذه (النار الهائلة) بالدفء الكافي، لا بأكثر منه.
وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب، وكان تغيُّرها في خلال ملايين السنين من القلَّة بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرَفناها. ولو أن درجة الحرارة على الكرة الأرضية زادت بمعدل خمسين درجة في سنة واحدة، فإن كلَّ نبت يموت، ويموت معه الإنسان حرقا أو تجمُّدًا..) إلى آخره.
{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [21].
ويقول الله عن إنزال الماء بقَدَر: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:18]، أي: لو نزل الماء كثيرًا لغرق الناس، ولو قلَّ الماء لهلك الناس؛ لأنَّ الماء سبب للحياة: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30]، {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى:28]، علمُ عليم، وخِبرةُ خبير، لا يخفى عليه شيء، كلُّ شيء عنده بمقدار.
تأمين المعاش في الأرض
للإنسان والحيوان
{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}
جَعَلنا لكم في الأرض معايش، رزقًا تعيشون منه وتَحْيَون به، الله سبحانه وتعالى ضَمِنَ لكلِّ مخلوق رزقه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود:6]، {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت:60].
وقبل أن يُحدّثنا الله عن خلق آدم، قال في سورة الأعراف: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكرُونَ} [الأعراف:10]، ثم قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف:11]، قبل آدم وتصويره، مكَّن الله له في الأرض، وَجَعَل فيها معايش، كما قال الله تعالى: {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت:10].
حين خلق الله الأرض قدَّر فيها أقواتها، معايش للناس مضمونة وموزونة.
المتشائمون من زيادة عدد البشر
يرى الاقتصادي الإنجليزي المشهور (روبرت مالتوس ت1766- 1834م)، وكان متشائمًا: إنَّ البشر ينمون بمتوالية حسابيَّة، بينما يزيد الإِنتاج الزراعي وفق متوالية حسابية، مما سيؤدي حتمًا إلى عدم كفاية الموارد للناس. فكان يدعو إلى تحديد النسل من قَرْنَيْنِ مَضَيا. ولكن أثبت الواقع أنَّ الأرض فيها مُتَّسع، فالبحار أربعة أخماس الأرض، فيها ثروات لم يستطع الناس أن يستنفدوها. فالأرزاق في الأرض موزونة، واللهُ هيَّأ فيها المعايش.
{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}، ومعايش: جمع مَعيشة، لا تُجمع على معائش، أي: معايش تكفيكم وتُغْنِيكُم، لأنه سبحانه وتعالى أحكم من أن يَخْلق الخلق ثم يدعهم ولم يضمن لهم معايشهم.
{وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}، جلعنا لدوابِّكم وأولادكم وخدمكم وكلِّ ما يحيط بكم، جعلنا لهم مثلكم معايش في هذه الأرض.
هيَّأ الله المعايش في هذه الأرض، كما قال الله تعالى بالنسبة للأولاد: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام:151]، {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ*إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:57، 58]، فالله الرزَّاق، فلا تعتقدوا أنكم ترزقون أحدًا.
خزائن الله سبحانه ملأى
{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}
ما من شيء من الأشياء في الكون كلِّه، من نباتات وحيوانات ومَعَادن، وما في البرِّ والبحر ممَّا يَتَخَيَّل الإنسان، إلا عندنا خزائنه في علمنا وقدرتنا وتَصُرُّفنا.
خزائن الله ومفاتيحها بيد الله عزَّ وجلَّ، وهي خزائن واسعة، أي: لا يخطر ببالنا سَعَة خزائن الله: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} [الطور:37]، خزائن الله عزَّ وجلَّ بيده، كلُّ شيء بيده: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} [الإسراء:100].
من فَضْلِ الله ورحمته أنه لم يجعل مفاتيحَ خزائنه بيد أحدٍ من الخلق، لأنَّ الخلق أشحَّاء {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128]، فلو كانت مفاتيح خزائن الله بيد أحد من البشر كنَّا سنموت جوعًا، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن أبي ذرٍّ: «يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجنَّكم، اجتمعوا في صعيدٍ واحد فسألوني، فأعطيتُ كلَّ واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر».
آيات الله تعالى في الريح والرِّياح
{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}
هذه آيةٌ من آيات الله عزَّ وجلَّ، حيث يسُوقُ الرياح بُشْرًا بين يدي رحمته، بين يدي المطر الرياح لواقح، كالناقة التي تحمل في بطنها حَمْلَها، أو المرأة التي تحمل، لواقح أي: حوامل بالماء، كما قال عزَّ وجلَّ: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا}، أي: بالماء، {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف:57].
فالرياح تحمل الماء، وكأنها مُلقَّحة بالماء، هذا هو المراد باللقاح هنا، وليس المراد: الرياح لواقح، كما ذكر بعض المُحْدَثين والمعاصرين: أنَّ الرياح تُلَقِّح الشجر. هذا صحيح من الناحية العلميّة، ومن الناحية الواقعيّة، الرياح تُلَقِّح الشجر، تنقل حُبوب التذكير إلى التأنيث والعكس، وهذا ممَّا أثبته العلم الحديث، وأنَّ كلَّ الكائنات الحيَّة فيها ذكور وفيها إناث، فيها مذكَّر وفيها مؤنَّث، ولا بدَّ أن تنقل حبوب هذا إلى ذاك، والرياح لها تأثير في ذلك.
قاعدة الزوجيَّة في الكون
وكان الناس يجهلون تلك الحقيقة التي أثبتها القرآن حينما قال: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس:36]، وقرَّر هذه القاعدة الكليَّة في سُورة الذاريات حينما قال: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات:49]، خلقنا زوجين، أي: ذكرا وأنثى، مُوجبا وسالبا، حتى الذرَّة التي هي وحدة البناء الكونيِّ لهذا العالم، فيها بروتون وإلكترون، أو شحنة كهربائية موجبة وشُحنة كهربائية سالبة، هذا الكون قائمٌ على هذا التقابل وهذا الازدواج، قاعدة الزوجيَّة قاعدة عامَّة في هذا الكون، كلُّ شيء مزدوج، ليس هناك واحد إلا الله، وما عَدَا الله كلُّه مزدوج، يكمِّل بعضه بعضًا بالتقابل.
دلالة السِّياق على معنى {لَوَاقِحَ}
{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}، ليس المراد منها -كما قلنا- أنها تُلَقِّح الشجر والنبات، وإن كانت هذه حقيقة، إنما تُلَقِّح الماء، لواقح بالماء أي: حوامل بالماء، والسياق يقرِّر ذلك.
إنزال الماء الصالح للشرب: {فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}
{فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} سواءٌ أنتم أو أنعامكم {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 33، وعبس:32]، تشربون أنتم ودوابُّكم وبهائمكم وكلُّ ما حولكم.
والله سبحانه وتعالى أنزله من جهة السماء من السحاب ماءً صالحًا للشرب، كان يمكن أن يكون هذا الماء غير صالح للشرب ونموت من العطش، ولكن كما قال الله عزَّ وجل: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ*أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ*لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [الواقعة:68-70]، ربُّنا هو الذي أنزله من السُّحُب وليس نحن: {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ}، لولا تشكرون هذه النِّعمة.
كما قال في آية أخرى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:18] فلو كان نزول الماء من غير حساب، كان سَيُغْرق الدنيا، لا نستطيع أن نشرب منه، ولا نُحيي به الأرض، ولا نزرع زرعًا، كما في الآية السابقة: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}.
حفظ الماء العذب
{وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}
{فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}، أي: جعلناه مُعدًّا لسقيكم والأرض والمواشي، لم تحفظوا الماء العذب في خزانات.
الآن تمكَّن الناس أن يقيموا خزَّانات تحمي الماء، يومًا أو اثنين أو ثلاثة، إنما أن ينشئوا خزانات للمياه التي تَروي الأرض، وتسقي الزرع، وتسقي البهائم، وتسقي الناس، ما أنتم له بخازنين، الله هو الذي يخزنه عنده، ويُنزِّله بقَدَر، وما أنتم له بخازنين.
آيات الله في الإحياء والإماتة
{وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ}
ثم قال عزَّ وجل في آيةٍ من آياته أيضًا: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ}، الله وحده هو الذي يُحيي ويُميت، يُوجد الحياة في فاقدها، ويُزيل الحياة ممَّن هي فيه. الحياة الحقيقيَّة والإماتة الحقيقيَّة من أفعال الله وحده في كونه، وليس كما فعل نمرود حينما قال لإبراهيم إذ حَاجَّهُ في ربِّه: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة:258].
وإبراهيم قال: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة:258].
وقال نمرود: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}. فجاء برجلين من عُرض الطريق، وحكم عليهما بالإعدام بدون جريمة، بدون أيِّ شيء. فقال: حكمت عليهم بالإعدام. ثم جاء بسيفه، وقال للسيَّاف: اضْرب عنق هذا. فقتله، قال: أنا أمتُّه. وقال للثاني: عفوتُ عنك. قال: هذا أحييته، والآخر أمتّه، فأنا أُحيي وأُميت.
فسيدنا إبراهيم لم يُرِد أن يجادله: ما معنى الإحياء، وما معنى الإماتة؟ هناك شيءٌ في علم الجدل يُسمَّى الانتقال من دليل إلى دليل، من دليل واضح إلى دليل أوضح منه، من دليل غامض إلى دليل واضح: {قَالَ إبراهيم فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].
فالإحياءُ الحقيقيُّ والإماتة الحقيقيَّة هي بيد الله عزَّ وجل، الله هو الذي يُحيي الأرض، وهو الذي يُحيي الكائنات المختلفة، في البحر، وفي البرِّ، الزواحف والطيور والحشرات والإنسان، كلُّ هذا مَن الذي يُحييه؟ إنَّه الله عزَّ وجل: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت:39].
الذي يُحيي الأرض هو الله: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ*وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ*لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} [يس:33-35]، الثمرة هذه مَن الذي خلقها؟ مَن الذي فجَّر العيون؟ ومَن الذي أجرى الأنهار؟ ومَن الذي أنزل الماءَ وأحيا الأرض؟ إنَّه الله الخالقُ الرازق المُدبِّر الحكيم: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} هذا عمل يد الله، كما قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ*وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ*وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} [يس:71-73]، من عمل يد الله إحياء الأرض، وإحياء النباتات، وإحياء الحيوانات، وإحياء الإنسان، هو من عمل الله عزَّ وجل، ليس من عمل الطبيعة.
يقول الماديُّون: هذا من شغل الطبيعة هي التي تعمل هذه الأمور. وقالوا: إنَّ مواد الحياة موجودة في الطبيعة.
وهنا نقول لهم ولمَن على شاكلتهم: مَن الذي أنزل خليَّة الحياة الأولى؟ مَن الذي أنزلها وأصبحت تُتوارث بعد ذلك؟ إنَّه الله سبحانه وتعالى.
{وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} كلُّ إنسان وكلُّ حيوان يموت في موعده في أجله: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، [المنافقون:11].
مؤكِّدات الإحياء والإماتة
{وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} هذه الصيغة المؤكَّدة، قلنا قبل ذلك في: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ}، فيها عدَّة تأكيدات، جمله اسميَّة، ثم تأكيدها بإنَّ، ثم اللام في {لَنَحْنُ} إلى آخره، هنا {إِنَّا}، ثم اللام {لَنَحْنُ}، و (نحن) ضمير فصْل يعني زيادة في الجملة: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} كلُّها تأكيد أنَّ هذا الأمر بيد الله وحده، وليس بيد أحد من خلقه.
الله سبحانه وتعالى هو الوارث
{وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ}
الوارث هو الذي يبقى بعد الميِّت لينتفع بتَركته، وليرث أملاكه، والله سبحانه هو الباقي بعد فناء الخلائق جميعًا، فهو كأنَّما هو الذي يرثهم، كما قال عزَّ وجلَّ: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم:40]، اللهُ هو الوارث: {وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:58]، تهلك الأمم وتنتهي، والذي يَرِثُها هو الله {وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ}، فهو سبحانه المالك لكلِّ شيء بدءًا وختامًا، وهو المالكُ لذوات المالكين.
علم الله سبحانه الشامل
بالمتقدِّمين والمتأخِّرين
{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ}
{وَلَقَد}: الَّلام هذه موطّئة للقسم، يعني كأنَّه قسم، و (قد) هنا للتحقيق، (قد) تأتي أحيانًا للتقليل إذا دخلت على المضارع، كقولنا: قد يحدُث كذا، قد يجودُ البخيل، قد يصدق الكذوب. فتكون (قد) هنا للتقليل، فإذا دخلت على الماضي تفيد التحقيق، مثل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1]، (قد قامت الصلاة)، إلا في أفعال الله تعالى فإنَّها للتحقيق دخلت سواء دخلت على الماضي أم المضارع، {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} [النور:63]، {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} [النور:64]، {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب:18].
فهنا (قد) للتحقيق، والَّلام موطِّئة للقسم، كلُّ هذا مؤكِّد على أنَّ علمَ الله مُتحقِّق، على أنه لا يغيب عنه شيءٌ، ولا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.
والمُسْتَقْدمون: الأمم المُتقدِّمة قبل محمّد عليه الصلاة والسلام، والمُسْتأخرون: الأمم المتأخِّرة بعد محمَّد عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة.
أو المستقدمون: الأحياء، والمستأخرون: الأموات، الأحياء أيًّا كان الماضون، والحاضرون، والمستقبلون، كلُّهم يعلم الله أمرهم، ولا تخفى عليه منهم خافية، ولا يغيب عنه سرًّا ولا علانية، كما قال سيدنا إبراهيم: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم:38]، {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [24].
علم الله تعالى شاملٌ للمستقدِمين وللمستأخرين، للماضي وللحاضر وللمستقبل، لِما كان ولِما هو كائن ولِما سيكون، هو العلم المحيط: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب:40]، هذا علم الله.
أما علم البشر فهو علم محدودٌ بحدود المكان. فقد تعلم أمورًا حَوْلَكَ، ولا تعلم أشياء في مكان آخر، لأنَّ علمك محدودٌ بحدود المكان، ومحدود بحدود الزمان، فلا تعرف الماضي إلا عن طريق الخبر والنقل، ولا تعرف المستقبل، كما قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34]، وأنت في قطر هنا، ترى هل ستموت فيها، أو ستموت خارجها إذا كنت في بلد آخر؟ قد تموت في بلدك في الإجازة، أو تموت وأنت مسافر؟ لا تدري، كما يقول الشاعر:
مشيناها خُطىً كُتبت علينا
ومَن كُتبت عليه خطىً مشاها
و