«قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ»

alarab
باب الريان 21 يوليو 2014 , 02:00ص

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في ختام سورة الأنعام، وهي سورة مكية، وآياتها مئة وخمس وستون (165) بعد البسملة، وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى الأنعام في أكثر من موضع منها، ومن خصائص هذه السورة أنها أنزلت كاملة دفعة واحدة، ويدور محورها الرئيس حول عدد من العقائد الإسلامية، شأنها في ذلك شأن كل السور المكية ومن أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم.

في خطاب موجه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول له ربنا تبارك وتعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الأنعام: 164).

ومن دلالات هذه الآية الكريمة أن العرب قبل بعثة الرسول الخاتم -صلى الله عليه وسلم- كانوا قد انحرفوا عن دعوة التوحيد التي جاءهم بها كل من عبدالله ونبيه إبراهيم وابنه النبي إسماعيل عليهما السلام، ومع هذا الانحراف اتجه العرب إلى أشكال متعددة من الشرك بالله تماما، كما حدث مع مختلف شعوب الأرض من زمن قوم نوح وإلى اليوم نتيجة لإغواءات الشيطان ووساوسه، وفي ظل هذا الانحراف عبد العرب كلا من الأصنام والأوثان والأنصاب، كما عبدوا كلا من النار، والأشجار، والكهوف والآبار، ومختلف صنوف الحيوانات، والشمس والقمر، وغيرهما من النجوم والكواكب، وكان بكل قبيلة من القبائل العربية أكثر من صنم، وكان الشيطان قد وسوس إلى عباد هذه الأصنام بأن الله تعالى قد فوض تلك الأصنام في بعض التصرفات على الأرض مثل تحقيق الرجاء، وإقصاء الوباء، وشفاء الأمراض، وطرد الشرور، وإبعاد المجاعات، ووهب الذريات، وتوسيع الرزق، وقضاء غير ذلك من حاجات الناس.

وعلى الرغم من ذلك كان مشركو العرب يعترفون بأن الله تعالى هو خالق السماوات والأرض، وهو الذي سخر الشمس والقمر، وهو الذي ينزل الماء من السماء، ولكن مع إيمانهم بالله تعالى كان الشرك يفسد على غالبية أهل الجزيرة العربية إيمانهم وتصوراتهم وعباداتهم وتقاليدهم، فلما جاء خاتم الأنبياء والمرسلين بالتوحيد الخالص لله الخالق، وبضرورة عبادته بلا شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد، راحوا يساومونه على خطة وسط بين ما يدعو إليه وما يمارسونه هم، فجاء الأمر الإلهي القاطع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول له أولا: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ..) والتوحيد هو أول وجه من أوجه الإعجاز التشريعي في هذا النص القرآني، لأن كل ما في الوجود مخلوق من شيء واحد (هو غاز الأيدروجين)، وهذا الغاز مكون من جزأين (نواة تحمل شحنة كهربائية موجبة، وإلكترون يحمل شحنة كهربائية سالبة)، وليس هذا فقط، بل إن كل شيء في الوجود (من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان) مخلوق في زوجية واضحة حتى يبقى الخالق سبحانه وتعالى متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه، ومن هنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في مطلع هذه الآية القرآنية الكريمة التي تخاطب خاتم الأنبياء والمرسلين قائلة له: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يدعونك إلى عبادة ما يعبدون من دون الله: أغير الله أعبد؟ وهو رب كل شيء ومليكه ورازقه ومدبر أمره!! وفي ذلك تقريع وتوبيخ للمشركين في كل زمان ومكان لأن الله تعالى هو الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وكرمه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا. فقد علمه من علمه، واستخلفه في أرضه ورزقه من فضله، فلا يجوز الخضوع بالعبادة لغيره، ولا يجوز أن تكون الحاكمية والتشريع إلا له سبحانه.

ثانيا: ويتضح الوجه الثاني من أوجه الإعجاز التشريعي في هذه الآية الكريمة في قول ربنا تبارك وتعالى: (..وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ..) أي لا يفعل فرد من بني آدم إلا ويحمل مسؤوليته التي لا يمكن أن يحملها غيره لأن العدل الإلهي يقتضي أن يؤخذ كل آثم بإثمه وكل مذنب بذنبه، ولذلك أضاف الحق تبارك وتعالى قوله العزيز: (..وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ..) أي لا يحمل أحد ذنب أحد آخر، فلا يؤاخذ إنسان بجريرة غيره، لأن كل مذنب مجزي بذنبه، ولا يحمله عنه أحد غيره، لأن الإنسان مخلوق عاقل، مكرم، ذو إرادة حرة، وهو مسؤول بحريته هذه عن جميع قراراته وأعماله في هذه الحياة الدنيا.

ثالثا: وتختتم الآية الكريمة بقول ربنا تبارك وتعالى: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) وهذا النص الكريم يحوي وجها من أوجه الإعجاز التشريعي، لأنه يؤكد حتمية الإيمان بالآخرة بالإضافة إلى ما فيه من تهديد ووعيد لكل من كفر بخالقه، أو أشرك غيره في عبادته، بأنه حتما سيعود إلى هذا الخالق العظيم بعد الموت والبعث والحشر ليحاسب عن أعماله في هذه الحياة الدنيا، ويجازي عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

وبذلك تتضح أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال والتي تتلخص في النقاط التالية:

1 - التوحيد للخالق سبحانه وتعالى هو حقيقة الحقائق.

2 - يقتضي العدل الإلهي أن يؤخذ كل آثم بإثمه.

3 - الإيمان بالآخرة هو واحد من حقائق الوجود.