الصِّيام يزكي النفس ويقوي الإرادة ويضبطها
باب الريان
21 يوليو 2012 , 12:00ص
دكتور أبو الفتوح صبري
الصيام رابع أركان الإسلام، وهو عبادة فرضها الله في شهر رمضان، فُرض على المسلمين وعلى الأمم قبلهم لغاية عظيمة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ • أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 183، 184]، فغاية هذه العبادة تدريب المؤمن على حياة التقوى واجتناب المعاصي، وتربيته على السيطرة على إرادته وضبطها، وعدم الانسياق وراء الرغبات الجسدية، وتحريره من أسر الشهوات والعبودية للملذات، فالمسلم الذي يترك في نهار رمضان الحلال من الطعام والشراب والمتع؛ فإنه من باب أولى يمتنع عن الحرام منها في ليل رمضان وفي سائر الأيام والليالي.
وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) عن أثر الصيام في ضبط الغرائز بقوله: “من كان منكم ذا طول فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لا فالصوم له وجاء” (أخرجه النسائي). ويصف النبي (صلى الله عليه وسلم) الصيام بأنه وقاية للمسلم بما يحتمه عليه من معانٍ فاضلة وأخلاق سامية: “والصيام جُنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم”. (أخرجه البخاري ومسلم). وفي حديث آخر: “الصوم جُنة ما لم يخرقها” (أخرجه النسائي وأحمد).
وقد فقه الصحابي جابر بن عبدالله قول النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: “إذا صُمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء” (أخرجه ابن أبي شيبة).
وأما إذا لم يعطِ الصيام ثمرته السلوكية فقد أضحى عملاً ميتًا لا روح فيه، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” (أخرجه البخاري).
وهذا العمل الذي لا روح فيه ولا يؤجر المسلم عليه: “رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورُبَّ قائم حظه من قيامه السهر”. (أخرجه ابن ماجه وأحمد).
أما عن أثر الصيام الصحي، فلم يدرك الناس الأثر الصحي السيئ للإسراف في تناول الطعام والشراب، وما أدركوا ذلك إلا حديثا، فقد أثبتت الدراسات أن تجنب الإسراف في الطعام يقي الإنسان من أمراض الشيخوخة وكثير من الأمراض الأخرى، مثل أمراض القلب والسكر، وتصلب الشرايين، وأمراض المفاصل والعظام، وأمراض الجهاز الهضمي.
وقد كشفت لنا دراسات غذائية حديثة عن أخطار أخرى لها علاقة بالإسراف في تناول الطعام، ومنها حدوث الأورام الخبيثة بالجسم، فالإسراف في تناول الدهون الحيوانية في الطعام يسبب خللا بالتوازن الهرموني بالجسم، وذلك يؤثر على العمليات الحيوية بخلايا الجسم تأثيرا سلبيا يتسبب بحدوث تلك الأورام في الجسم.
ومن أكثر أمراض العصر انتشارا بسبب الإسراف في الطعام: السكر، وعلاجه سهل وميسور، ولو اهتم المريض بنفسه وتجنب الإسراف في الطعام وتناول العلاج بانتظام ما حدثت له أية مضاعفات، والصوم أول خطوات علاج السكر كقاعدة عامة إلا إذا كان المرض يحتاج إلى علاج مستمر.
والصوم على هَدْي النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) مفيد لصحة النفس البشرية، ولسعادتها وارتياحها، وسمو الروح وإشراقها، ونسأل: كيف ذلك؟
والجواب: إن الصوم يعود الإنسان على تحمل مشقة الجوع والعطش من دون رقابة عليه، ويدرب الإنسان على السمو عن مطالب الغرائز الحسية، والصوم يحقق كل العناصر الأساسية للتربية الإسلامية الصحيحة، ومنها:
• تقوية الإرادة لتحقيق ما يهدف الإنسان إليه من خير.
• تقوية طاقة الاحتمال على المشقة في الإنسان.
• إيثار القيام بالواجب على الراحة والاسترخاء البدني.
• السمو بالإنسان عن مطالب الغرائز الحسية.
وليس الصوم أن يجوع الغني ليحس بجوع الفقير، ولو كان الأمر كذلك لأعطى الله تعالى الرخصة لمن كان فقيرا أن يفطر، ولكن الهدف من الصوم أبعد من ذلك وأسمى، إنه التربية الإسلامية للإنسان نفسا وروحا وعقلا.
وقد مُنح كل من المسافر والمريض رخصة الإفطار؛ ليقضي كل منهما الصيام في أيام أُخر، والحكم مطلق وغير متوقف على درجة المشقة في السفر، ولا على درجة الشدة في المرض، تُرك لتقدير الإنسان تبعا لدرجة تقواه، والذي يلتمس السبل إلى رخصة الإفطار، ويمعن في البحث عنها بأي سبب ولو كان تافها؛ إنسان يفتقر قلبه إلى التقوى، فالغاية من الصوم لم تتوافر فيه، وهي التقوى.
ومن فوائد الصوم للمسلم:
• أنه يصير إنسانا ناضج الشخصية.
• تصير لديه المناعة النفسية ضد القلق والخوف.
• يصبح في مأمن من الاضطرابات النفسية، وكيف يخاف الصائم المؤمن من أي شيء في الدنيا ويخشاه وهو بالقرب من ربه؟!
• الشفاء من بعض الأمراض البدنية التي ذكرنا جانبا منها من قبل.
• الشفاء من الكثير من الاضطرابات والأمراض النفسية.
• الشفاء من الشعور بالوحدة.
• الشفاء من الخوف من عذاب الله، وقد شعر بأنه تعالى قد غفر له. روى البخاري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا”.
كما يتعلم المسلم في مدرسة الصيام تحسس مشاعر الفقراء والإحساس بمعاناتهم، وما يؤدي إليه ذلك من بذل وكرم وإنفاق في سبيل الله، فقد قال ابن عباس ( رضي الله عنه): “كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فلَرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أجود بالخير من الريح المرسلة”. (أخرجه البخاري).
وقد شرع الإسلام لأولئك الذين لا يقدرون على مشاركة المسلمين صيامهم لمرض ونحوه، شرع لهم إطعام المساكين فدية للصيام الذي عجزوا عنه، فلئن فاتتهم مشاركة الفقراء والمحرومين في ألم الجوع، فلن تفوتهم المساهمة في إطعامهم ورفع جوعهم (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 184].
ولتعدد حِكَم هذه العبادة فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) ما فتئ يوصي بها أصحابه، فقد قال له أبو أمامة: مُرني بأمر آخذه عنك؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): “عليك بالصيام؛ فإنه لا مِثل له”. (أخرجه النسائي وأحمد).