حكم القرائن وحجيتها وقوتها الاستدلالية
باب الريان
21 يوليو 2012 , 12:00ص
الشيخ د. ثقيل بن ساير الشمري
حجية القرائن أو حكم القرائن يقصد به الأثر المترتب عليها وتختلف حجية القرائن باختلاف أنواعها، فالقرائن الثابتة بالنص يجب العمل بها قطعاً، وهي مثبتة للحق الذي يستدل عليه بها، وكذا القرائن القطعية التي نص عليها الفقهاء، يلزم القاضي الحكم بموجبها إذا ثبتت عنده، أما القرائن القضائية التي تعتمد على اجتهاد القاضي واستنتاجه من خلال النظر في الدلالات والأحوال والظروف المحيطة بالواقعة المعروضة عليه فتعتبر دليلاً في الإثبات متى اقتنع بها وغلب على ظنه صحتها.
والقرائن وسائل احتياطية لا يلجأ إليها القاضي إلا عند فقد الأدلة والحجج الظاهرة أمامه، أو إذا كانت الأدلة المقدمة غير كافية أو غير مقنعة.
والقرائن وسائل غير مباشرة في الإثبات؛ لأن الحق يثبت بها بالاستنتاج والاستنباط من غيرها، مثل وضع اليد على العين يدل على ملكية صاحب اليد لها، ولذا يجب الاحتياط في الاستنباط وعدم التوغل في الاستنتاج المفرط. قال ابن القيم: «وإن توسع القاضي وجعل معوله عليها دون معرفة الأوضاع الشرعية وقع في أنواع من الظلم والفساد».
وللقرائن دور كبير في ترجيح الأدلة والبينات عند التعارض ليعمل بالراجح والأقوى.
القرائن في القانون:
القرينة في نظر شراح القانون هي: ما يستنبطه القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول. وقد اتفقت الأنظمة والقوانين المعمول بها اليوم على الأخذ بالقرائن وقسموها إلى قرائن قانونية، وهي التي جاءت في نص القانون، وتعفي صاحبها من الإثبات، ويجب على القاضي الحكم بمقتضاها باعتبارها نصاً قانونياً مجرداً وهو قوة ملزمة، مثل حجية الأمر المقضي فيه بين الخصوم. والقرائن القضائية -وهي التي يستنبطها القاضي من وقائع الدعوى، وهي أقل درجة ومرتبة من القرائن القانونية، وتأخذ قوة الشهادة في القانون.
ويعتمد قضاة الجنايات بشكل كبير ومباشر على القرائن في إثبات الجنايات والجنح والمخالفات، ويطلق القانون للقاضي الجنائي حريته في الاقتناع بأي دليل كان، والمرجع إلى تقديره وقناعه، ما دام أن الرأي المستخلص منه سائغ ومقبول. والقرينة القضائية لها عنصران، عنصر مادي ينحصر في واقعة ثابتة يختارها القاضي من بين وقائع الدعوى، مثال ذلك وجود بصمة أصبع المتهم في مكان الجريمة أو وجود إصابات به، ففي هذه الأمثلة ينبغي بداءة أن تكون تلك الوقائع المشار إليها ثابتة بيقين في حق المتهم وعنصر معنوي يتمثل في استنباط يقوم به القاضي ليصل من هذه الوقائع الثابتة إلى الوقائع المراد إثباتها، أي أنه يتخذ الوقائع المعلومة قرائن على الوقائع المجهولة، ففي الأمثلة المتقدمة للقاضي أن يستخلص من وجود بصمة أصبع المتهم في مكان الجريمة قرينة على مساهمته فيها، ومن وجود إصابات به قرينة على اشتراكه في المعركة.
المبحث الثاني: ما يثبت من الحقوق بالقرائن
اتفق الفقهاء القائلون بمشروعية الإثبات بالقرائن على ثبوت الحقوق المالية بها، ثم اختلفوا في الحقوق غير المالية كالحدود والقصاص والتعازير، فبعضهم يعمل بالقرائن في جميع الحقوق، وبعضهم يقصر العمل بها في حالات دون أخرى، وسأتناول بالتفصيل في هذا المبحث مسألة إثبات جرائم الحدود والقصاص بالقرائن، وذلك تمهيداً للحديث -في المباحث التالية- عن إثباتها باستخدام القرائن المعاصرة.
المطلب الأول: إثبات الحدود بالقرائن:
وقد شرعت العقوبات الحدية هذه الحدود للمحافظة على المصالح الأساسية للمجتمع الإسلامي، فهي تهدف إلى حفظ الكليات الخمس: الدين والنفس والعرض والعقل والمال. وقد اتفق الفقهاء على إثباتها بالإقرار والشهادة بشروطهما، واختلفوا في إثباتها بالقرائن على قولين:
القول الأول: أن إثبات الحدود بالقرائن جائز، وهذا مذهب الإمام مالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز ورواية عن الإمام أحمد، فقالوا بإثبات حد الزنا بالحبل (الحمل) من المرأة غير المتزوجة إذا كانت مقيمة وغير غريبة، وليس عليها أمارات الإكراه، واستدلوا على ذلك بحديث رواه أبوداود أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بكراً في سترها فدخل عليها فإذا هي حبلى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فاجلدها، وفي رواية فاجلدوها أو قال فحدوها». فهذا الدليل واضح في دلالته على اعتبار ظهور الحمل قرينة يثبت بها حد الزنا، وبآثار عن الصحابة رضي الله عنهم منها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي رواه الجماعة إلا النسائي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: «كان فيما أنزل الله آية الرجم فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله تعالى، فيضل بترك فريضة أنزلها الله تعالى، والرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف». ووجه الاستدلال بالأثر أن دلالته نصية على الحكم بإقامة حد الزنا بالقرينة الظاهرة وهي الحبل، إذ جعل عمر رضي الله عنه مجرد وجود الحبل موجباً لإقامة حد الزنا كإيجابه بالبينة أو الاعتراف. قال ابن تيمية: «واختلفوا في المرأة إذا وجدت حبلى، ولم يكن لها زوج ولا سيد، ولم تدع شبهة في الحبل، ففيها قولان في مذهب أحمد وغيره. قيل: لا حد عليها، لأنه يجوز أن تكون حبلت مكرهة أو بوطء شبهة. وقيل: لا بل تحد، وهذا المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة، فإن الاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها، كاحتمال كذبها وكذب الشهود». وقال ابن القيم: «وحكم عمر برجم الحامل بلا زوج ولا سيد، وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد، اعتماداً على القرينة الظاهرة».
واستدلوا من المعقول: بأن الحمل إذا لم يكن من طريق مشروع كان من طريق غير مشروع، والحمل في هذه الحالة ليس بسبب مشروع ومن ثم فهو زنا، وثانياً: إذا وجب شرعاً إقامة حد الزنا بشهادة الشهود فإن إقامته على الحامل يكون من باب أولى؛ لأن احتمال كذب الشهود، أو غلطهم أقرب إلى العقل من احتمال كون الحمل من غير زنا. وثالثاً: أن اعتماد قرينة الحبل في المرأة احتمال لأمر ظاهر، لا يكذبه واقع الحال، والاحتمالات الواردة عليه ترد على بينة الشهود، ولهذا يكون إعمال القرينة الظاهرة الواضحة أولى من إهدارها وإهمالها.
وقالوا بإثبات حد الخمر على من وجد منه رائحة الخمر أو ثبت عليه أنه قاء الخمر، اعتماداً على القرينة؛ فإن الرائحة قرينة على الشرب، وإن قيء الخمر دليل على شربها، كما قال عثمان رضي الله عنه: «وهل قاء الخمر إلا بعد أن شربها»، وهذا مروي عن سيدنا عمر وعثمان وابن مسعود، وروى السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطلاء -الشراب المطبوخ من عصير العنب- وأنا سائل عما شرب، فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحد تاماً. ووجه الدلالة في النص أن رائحة الخمر قرينة على شرب الخمر، وقد جلد عمر من شم منه الرائحة عندما تيقن أنها رائحة الخمر، فدل ذلك على اعتبار القرائن في إثبات حد الشرب.
قال ابن تيمية: «والحد واجب إذا قامت البينة أو اعترف الشارب، فإذا وجدت رائحة الخمر أو رئي وهو يتقيؤها ونحو ذلك فقد قيل: لا يقام عليه الحد لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر أو شربها جاهلاً أو مكرهاً أو نحو ذلك، وقيل: يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة كعثمان وعلي وابن مسعود، وعليه تدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي اصطلح عليه الناس، وهو مذهب مالك وأحمد في غالب نصوصه».
وقال ابن القيم: وحكم عمر وابن مسعود رضي الله عنهما ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة رضي الله عنهم بوجوب الحد بالرائحة للخمر أو قيئه خمراً اعتماداً على القرينة الظاهرة. وقال أيضاً: وكان أهل المدينة في زمن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم يحدون بالرائحة والقيء».
وقالوا بإثبات حد السرقة إذا وجدت المسروقات عند المتهم، لأن ذلك قرينة دالة على السرقة. قال ابن القيم: «ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المسروق مع المتهم، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب. ووجود المال المسروق معه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة».
القول الثاني: أن إثبات الحدود بالقرائن غير جائز: بل لا بد من الاعتراف أو الشهود، ذهب إلى ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة في قول. واستدلوا بالقاعدة الشرعية: أن الحدود تدرأ بالشبهات، وقالوا والشبهة في مسألة قرينة الحبل للمرأة التي لا زوج لها ولا سيد، في احتمال أنه وطء استكراه، والمستكرهة لا حد عليها، ويحتمل أنه من وطء رجل واقعها في نومها وهي ثقيلة النوم، ويحتمل أنه حصل الحبل بإدخال ماء الرجل في فرجها إما بفعلها أو بفعل غيرها، فإذا كان الحد يدرأ بالشبهة والشبهة هنا واردة، فصار وجود الحبل قرينة ضعيفة لا تقوى إلى إيجاب الحد، فلزم الدرء. واستدلوا بما روى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت فلانة فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيأتها ومن يدخل عليها»، والدلالة من الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يثبت حد الزنا بالقرائن، ما يدل على عدم جواز ذلك شرعاً، ونوقش هذا الاستدلال بأن الحديث حجة للمجيزين لا المانعين، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الرجم بالقرائن التي ظهرت من المرأة؛ لأنها قرائن ضعيفة غير كافية لإثبات الحد، فليس من ضمن تلك القرائن الحبل، وإنما ذكر الحديث ما نصه «فقد ظهرت منها الريبة في منطقها وهيأتها ومن يدخل عليها». واستدلوا بتلقين علي رضي الله عنه للمرأة الهمدانية عندما جيء بها إليه وهي حبلى واعترفت بالزنا، فقال لها: لعل رجلاً وقع عليك وأنت نائمة قالت: لا، قال: لعله استكرهك، قالت: لا. فلو كانت هذه الأعذار غير مسقطة للحد لما لقنها علي رضي الله عنه. ولعل هذا القول هو الراجح أنه موافق لمبدأ الحدود والشبهات، ولأن الحدود احتيط لإثباتها؛ لأنها حقوق غالب فيها حق الله، وحق الله مبني على المسامحة.
إثبات القصاص بالقرائن
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن القصاص يثبت بالقرائن، وهو قول ابن فرحون من المالكية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، ونصت عليه مجلة الأحكام العدلية، وذكر ابن فرحون قصة الرجل الذي وجد مقتولاً في دار وخرج رجل خائفاً مضطرباً وفي يده سكين، فهي قرينة قاطعة على قتله، على ما ذهب إليه ابن الغرس وابن عابدين من الحنفية. وعمل الحنفية بالنكول في الدماء مع الاختلاف فيما بينهم، فالإمام أبوحنيفة أثبت القصاص بالنكول فيما دون النفس، وأوجب الصاحبان به الأرش في النفس أو ما دونها والقضاء بالنكول عبارة عن القضاء بالقرائن، لأن الناكل إما أن يكون باذلاً وإما مقراً، ولولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب ودفعاً للضرر عن النفس، وهو أخذ بظاهر الحال وترجيحه على البراءة الأصلية. وملخص هذا الرأي جواز إثبات جريمة القتل بالاعتماد على القرائن فقط إذا كانت دلالتها قوية على إدانة المجرم وانتفت أي شبهة تلغيها، دون الحاجة إلى إيجاب القسامة.
القول الثاني: أن القصاص لا يثبت بالقرائن، إنما يثبت بالاعتراف أو الشهود، والقسامة مستثناة بالنص ولا يقاس عليها، وهو قول الجمهور، وذلك للاحتياط في موضوع الدماء وإزهاق النفوس، ولأن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وقاسوا القصاص على الحدود بالدرء بالشبهة فلا تثبت بالقرائن.
وهذا رأي قوي، لما فيه من احتياط لإزهاق الأنفس من غير دليل قاطع.