لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس

alarab
باب الريان 21 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و»عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} بدل من (يوم الفصل) وعطف بيان له، يوم ينفخ الملك إسرافيل الذي كلفه الله بالصور والنفخ فيه. وهذه النفخة الثانية، فالأولى نفخة الصعق، والثانية نفخة البعث، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر:68]. فهذه هي النفخة الأخرى. ما حقيقة هذا البوق. وما كيفيته؟ وكيف يؤدي عمله؟ الله هو الذي أعده، وهو الذي يعلم حقيقته، وما علينا إلا أن نؤمن به، ما دام قد نطق به القرآن. بعد النفخ في الصور يُبعث الناس من قبورهم، ويأتون إلى المحشر أفواجا، أي: أمما وشعوبا، كل أمة مع إمامها، كما قال تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء:71]، أو زمرا وجماعات، كل أصحاب ديانة بعضهم مع بعض، وكل أتباع كذاب بعضهم مع بعض، وكل عباد صنم بعضهم مع بعض، لا بد أن هناك رابطا يربطهم بعضهم ببعض {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} أي: كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة نزولا غير معتاد، حتى صارت كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة، كقوله تعالى في الطوفان: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} [القمر:12]، كأن كلها عيون متفجرة. وهو المراد بقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} [الفرقان:25]. وقيل: الأبواب: الطرق والمسالك لنزول الملائكة، أي: بتغيير نظام الكون، كما عرفه الناس، فتفتح السماء، فينفتح مكانها، وتصير طرقاً لا يسدها شيء. ومعنى هذا وقوع الاضطراب في الكون كله، وبذلك يخرب الكون العلوي، كما يخرب الكون السفلي. {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} أي: حركت وأجريت في الجو على هيئاتها، بعد قلعها من مقارها، كما يعرب عنه قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 88]. أي: نراها رأي العين ساكنة في أماكنها، والحال أنها تمر مر السحاب، الذي تسيره الرياح سيرا حثيثا، وذلك أن الأجرام العظام، إذا تحركت نحوا من الأنحاء، لا تكاد تتبين حركتها، وإن كانت في غاية السرعة لا سيما من بعيد. وقد أدمج في هذا التشبيه -كما قال أبو السعود- تشبيه حال الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها، كما ينطق به قوله تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة:5]. يبدل الله تعالى الأرض ويغير هيأتها، ويسير الجبال على تلك الهيئة الهائلة، عند حشر الخلائق بعد النفخة الثانية ليشاهدوها، ثم يفرقها في الهواء، وذلك قوله تعالى: {فَكَانَتْ سَرَابًا}. يخيل إلى الناظر أنها شيء، وليست بشيء، بعد هذا تذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} [طه:105-107] وقال: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً} [الْكَهْفِ:47]. ومعناها: أن الجبال – وهي الأجرام العظيمة التي يرى الناس ضخامتها- حين يسيرها الله، تصير مثل السراب، كقوله تعالى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} [الْوَاقِعَة:5-6]. أي: غبارًا منتشرًا، وهي وإن اندكت وانصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسييرها وتسوية الأرض، إنما يكونان بعد النفخة الثانية، كما تدل على ذلك آيات سورة طه السابقة، وبعدها قال: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ} [طه:198]، وقوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم:48]، فإن اتباع الداعي، وبروز الخلق لله تعالى، لا يكون إلا بعد النفخة الثانية. {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} أي: مرصدة ومعدة، والمرصاد: اسم للمكان الذي يُرصد فيه، أي: يُراقب فيه ويحدث فيه الاطلاع على من يريدون. كالمضمار، الذي هو اسم للمكان الذي تضمّر فيه الخيل. أي: إن جهنم كانت في حكم الله وقضائه موضع رصد، يرصد فيه خزنة النار الكفار، ليعذبوهم فيها. عن الحسن وقتادة قالا في قوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} يعني: أنه لا يدخل أحد الجنة، حتى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا، وإلا احتبس. {لِلطَّاغِينَ مَآبًا} يذكر الله تعالى هنا: أن جهنم مآب، أي: مرجع للطاغين. جمع طاغ، والطاغي: هو الذي يتجاوز الحد في ظلمه وفسقه وانحرافه. كما قال تعالى: {كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [الْعَلَقِ:6-7]. وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:37-39]. وقال الله تعالى لموسى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه:24]. فبين أن طغيانه وتجبره على خلق الله، جعله أحوج ما يكون إلى الرسالة. وذم الله الأمم المستكبرة على الله تعالى، وعلى عباده من عاد وثمود وفرعون وأمثالهم، بقوله: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} [الفجر:11-13]. فلا غرو أن يعد الله جهنم لأهل الطغيان، الذي يقترن عادة بالفساد، ليحمي الحياة والأمم. بقاء هؤلاء المتجبرين في الأرض يفسدونها، ويعطلون عمارتها، التي أمر الله بها، حين قال على لسان صالح: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]. {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} ماكثين في جهنم دهورا ومددا متطاولة متتابعة، كلما مضى حقب شيعه حقب آخر. و{أَحْقَابًا} جمع حُقب أو حِقب، بضم الحاء أو بكسرها. وقد اختلف فيه اختلافا كثيرا، من ثمانين سنة إلى عشرات آلاف السنين. وكلها لم تأت عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. وهذه إحدى الآيات، أو ثالث الآيات القرآنية، التي دلت على أن لله تعالى فضلا ورحمة ونعمة بأهل النار، بحيث يمكن أن تنتهي فيها عقوبتهم، وينهي الله عذابهم في جهنم، بعد ما يشاء الله من ألوف السنين أو ملايينها. وهناك ثلاث آيات في القرآن الكريم، رصدها أهل التأويل، دالة على ذلك، كلها في القرآن المكي. أولها: قوله تعالى في سورة الأنعام: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:128]. ثانيها: ما جاء في سورة هود: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:106-108]. فقد ذكر الله في شأن الذين شقوا وأدخلوا النار: أنهم خالدون فيها ما دامت السماوات والأرض، إلا ما شاء ربك. فكان هذا الاستثناء مبينا أن أمر الخلود الأبدي معلق بالمشيئة الإلهية. وأكد هذا بقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}، هو خالق الخلق، ومالك الملك، وصاحب الإرادة المطلقة، فإذا أراد شيئا، لم يمنعه مانع، ولم يقف في وجهه شيء، وخصوصا إذا كان هذا الأمر، مما تقتضيه رحمته التي سبقت غضبه، والتي وسعت كل شيء، والتي بها سمي أرحم الراحمين. ولذا قال هنا في أمر نعيم أهل الجنة، ما يدل على بقاء نعيمهم لا يزول أبدا، فبعد أن قال: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} عقبها بقوله تعالى:{عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، أي: غير مقطوع. والآية الثالثة في هذا السياق: هي هذه الآية التي معنا في سورة النبأ: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا}، فهذه الآيات الثلاث في كتاب الله تبعث الأمل في رحمة الرحمن الرحيم، خير الراحمين، وأرحم الراحمين، الذي هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، أن يريح عباده الكافرين، بعد أن عذبهم ما عذبهم، من ألوف السنين أو ملايينها، أن يجري عليهم الفناء، ويبقي أهل الإيمان وحدهم في الجنة. فهذا هو اللائق برحمانيته ورأفته بعباده. وله وحده ما يريد، وإذا أراد شيئا قال له: كن، فيكون. وهذا مذهب الإمامين الكبيرين: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم، الذي دونه في كتابين معروفين له، أولهما: (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)، والثاني: (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل). وأذكر مما قاله في هذا المقام: (خلاصة ما ذكره ابن القيم في المسألة: تعرض ابن القيم لمسألة دوام النار وأبديتها في كتابين له: 1 ـ حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح من ص 254 إلى ص 280. 2 ـ شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة التعليل من ص 252 إلى ص 264. وزبدة ما ذكره في كتابيه يتلخص فيما يلي: أولاً: ذكر في أبدية النار أو فنائها سبعة أقوال، أفاض القول في سابعها وهو: أن للنار أمدًا تنتهي إليه، ثم يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى. وقد أيد هذا القول بوجوه عديدة -على لسان أصحابه- منها: 1 ـ أن الله تعالى أخبر في ثلاث آيات عن النار بما يدل على عدم أبديتها: أ ـ آية سورة النبأ: «لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً» (الآية: 23). فتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد، لأن ما لا نهاية له لا يقال فيه: هو باق أحقابًا، وقد فهم ذلك من الآية الصحابة -وهم أفهم الأمة لمعاني القرآن- كما سنذكر بعد. ب ـ آية سورة الأنعام: «قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» (الآية: 128). جـ- آية سورة هود: « خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» (الآية: 107).. وقال بعدها في الجنة وأهلها: «خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» (الآية: 108). ولولا الأدلة القطعية الدالة على أبدية الجنة ودوامها، لكان حكم الاستثناءين في الموضعين واحدًا. كيف؟ وفي الآيتين من السياق ما يفرق بين الاستثناءين، فإنه قال تعالى في أهل النار: «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» فعلمنا أنه تعالى يريد أن يفعل فعلاً لم يخبرنا به، وقال في أهل الجنة: «عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ»، فعلمنا أن هذا العطاء والنعيم غير مقطوع عنهم أبدًا، وسنذكر ما قاله الصحابة في الاستثناء. 2 ـ هذا القول منقول عن عدد من الصحابة والتابعين وجلة الأئمة: فمن الصحابة: عمر -رضي الله عنه- قال: «لو لبث أهل النار في النار عدد رمل «عالج» لكان لهم يوم يخرجون فيه». وابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا». وعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- روي عنه نحوه. وأبو هريرة قال: «أما الذي أقول: إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ: «فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا..» الآيتين. وأبو سعيد الخدري قال في آية: «إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ»: «أتت على كل آية في القرآن، أي آية وعيد». وابن عباس -في رواية عنه- قال في الآية: «إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ»: «استثنى الله، قال: أمر الله النار أن تأكلهم». ومن التابعين وأئمة السلف: الشعبي قال: «جهنم أسرع الدارين عمرانا، وأسرعهما خرابًا». وأبو مجلز قال عن النار: «جزاؤه، فإن شاء الله تجاوز عن عذابه». وإسحاق بن راهويه -وقد سئل عن آية هود- قال: «أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن». 3 ـ دل العقل والنقل والفطرة على أن الرب تعالى حكيم رحيم: والحكمة والرحمة تأبيان بقاء هذه النفوس في العذاب أبد الآباد، وقد دلت النصوص والاعتبار على أن ما شرعه الله وقدره من العذاب والعقوبات في الدنيا، إنما هو لتهذيب النفوس وتصفيتها من الشر الذي فيها، ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ، وقطع النفوس عن المعاودة -وغير ذلك من الحكم- وفي القرآن والسنة ما يدلنا على أن جنس الآلام إنما هو لمصلحة الإنسان «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ» (التوبة: 120). إلخ، «وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» (آل عمران: 141).إلخ، ورب الدنيا والآخرة واحد، وحكمته ورحمته موجودة في الدارين، بل رحمته في الآخرة أعظم، فقد ورد في الصحيح: أن رحمته في الدنيا جزء من مائة جزء من رحمته في الآخرة، فإذا كان العذاب في هذه الدار رحمة بأهله ولطفا بهم ومصلحة لهم، فكيف في الدار التي تظهر فيها مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض. وليس لله غرض في العذاب كما قال تعالى: «مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ» (النساء: 147). كما أنه لا يفعله سدى، وإذن فلا بد من حكمة ومصلحة تعود على عباده، وهي إما مصلحة أحبائه وأوليائه بتمام نعيمهم وبهجتهم بما يفعله في أعدائه وأعدائهم، وإما مصلحة الأشقياء ومداواتهم، أو لهذا ولهذا. وعليه، فالتعذيب مقصود لغيره، قصد الوسائل لا قصد الغايات، والمقصود من الوسيلة إذا حصل على الوجه المطلوب زال حكمها. ونعيم أهل الجنة ليس متوقفًا في أصله ولا كماله على استمرار عذاب أهل النار ودوامه، ولو كان أهل الجنة أقسى خلق الله لرقوا لحال أعدائهم بعد طول العذاب. ومصلحة الأشقياء ليست في الدوام واستمرار العذاب، وإن كان في أصل التعذيب مصلحة لهم. 4 ـ أخبر الله تعالى أن رحمته وسعت كل شيء: وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه كتب على نفسه الرحمة، فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب إلى غير غاية لم تسعهم رحمته، وهذا ظاهر جدًا، والثابت أن رحمته لا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم كما قالت الملائكة: «رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً». (غافر: 7). وقد تسمى الله بالغفور الرحيم ولم يتسم بالمعذب ولا بالمعاقب، بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله: «نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ» (الحجر: 49، 50). وغيرها من الآيات، فإنه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والحلم... إلخ ويتسمى بها، ولم يتمدح بأنه المعاقب ولا الغضبان ولا المنتقم إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى ولم يثبت. 5 ـ يوضح هذا أن الله لم يخلق الإنسان عبثًا ولم يخلقه ليعذبه: وإنما خلقه ليرحمه ولكن اكتسب موجب العذاب بعد خلقه له، فتعذيبه ليس هو الغاية، وإنما تعذيبه لحكمة ورحمة، والحكمة والرحمة تأبيان أن يتصل عذابه سرمدًا إلى غير نهاية، أما الرحمة فظاهر، وأما الحكمة فلأنه إنما عذب على أمر طرأ على الفطرة وغيرها، ولم يخلق عليه من أصل الخلقة، لأن الله خلق عباده حنفاء، ولم يخلق له؛ لأنه لم يخلق للإشراك ولا للعذاب. بل خلق للعبادة والرحمة ولكن طرأ عليه موجب العذاب فاستحق العذاب، وذلك الموجب -وهو الكفر- لا دوام له فكيف يكون موجبه دائمًا؟ 6 ـ أهل السنة على أنه يجوز تخلف الوعيد: بل إخلافه كرم وعفو وتجاوز يمدح الرب تعالى به، ويثني عليه به، لأنه حقه، والكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم الأكرمين؟ واستشهد ابن القيم لذلك بآثار وأشعار. هذا في وعيد مطلق، فكيف بوعيد مقرون باستثناء معقب بقوله: «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ»؟ ولهذا قالوا: أتت على كل وعيد في القرآن. ثانيًا: فند ابن القيم الأدلة التي استند إليها القائلون بدوام النار، وأهمها: 1 ـ الآيات التي دلت على خلود الكفار وتأبيدهم في النار، وقد قال: إن ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية، والخلود هو المكث الطويل كقولهم: قيد مخلد والتأبيد في كل شيء بحسبه، فقد يكون لمدة الحياة، ولمدة الدنيا. وقد ورد النص بالخلود على بعض الكبائر من الموحدين وقيد في بعضها بالتأبيد، كما في قاتل المؤمن عمدًا: «فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا» (النساء: 93). وكما في قاتل نفسه: «فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا». 2 ـ الآيات التي دلت على عدم خروجهم منها: «وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ» (البقرة 167). «وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ» (الحجر: 48)، « لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا» (فاطر: 36).إلى آخر تلك الآيات قال: فطائفة قالت: إن إطلاقها مقيد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة، فيكون من باب تخصيص العموم، وكأن هذا قول من قال من السلف في آية هود: أتت على كل وعيد في القرآن. والذي صححه ابن القيم أن هذه الآيات على عمومها وإطلاقها، فهم باقون فيها لا يخرجون منها ما دامت باقية، ولكن ليس فيها ما يدل على أن نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها، وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائمًا بدوامها، وبين أن تكون هي أبدية لا انقطاع لها، فلا تستحيل ولا تضمحل. 3 ـ الإجماع، قال ابن القيم: وإنما يظن الإجماع في المسألة من لم يعرف النزاع، وقد عرف النزاع فيها قديمًا وحديثًا، كيف وقد نقل عن الصحابة والتابعين التصريح بخلاف ما يدعون؟ ثالثًا: بعد هذا كله مال ابن القيم إلى التفويض في المسألة إلى مشيئة الله فلا جزم بفناء النار، كما لا جزم بدوامها. قال في شفاء العليل: وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين على؛ فإنه ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ووصف ذلك أحسن صفة ثم قال: ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء، وعلى مذهب ابن عباس حيث يقول: لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا. ذكره في تفسير قوله تعالى: «قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ»، وعلى مذهب أبي سعيد الخدري حيث يقول: انتهى القرآن كله إلى هذه الآية: «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ»، وعلى مذهب قتادة حيث يقول: «إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ»: الله أعلم : علام وقعت؟، وعلى مذهب ابن زيد حيث يقول: أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة فقال: «عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار. {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)} أي لا يجد هؤلاء الطاغون في جهنم، التي أرصدها الله لهم: بردا لقلوبهم، ولا غذاء يتغذون به، أو شرابا يروي ما يشعرون به من حرق يكوي أكبادهم. فهذا برد ينفعهم، بخلاف الزمهرير، فهو برد يؤذيهم، فلا ينفعهم. وقال بعضهم: البرد في الآية: النوم، في قول أبي عبيدة وغيره. قال الشاعر: ولو شئت حرمت النساء سواكمو وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردًا النقاخ: الماء العذب، والبرد: النوم، والعرب تقول: منع البردُ البردَ، بمعنى: أذهب البرد النوم. {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} الحميم: الماء الحار. قال أبو عبيدة وقال النحاس: أصل الحميم الماء الحار. ومنه اشتق الحمام. ومنه الحُمّى. ومنه {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} [الواقعة:34]، إنما يراد به النهاية في الحر. والغساق: صديد أهل النار وقيحهم والعياذ بالله. فلم يجدوا في جهنم أي روح أو راحة، خلال هذه المدة. {جَزَاءً وِفَاقًا} أي: جوزوا بذلك جزاء موافقا لأعمالهم، فالوفاق بمعني، الموافق، كالقتال بمعنى المقاتلة و(جزاء): نصب على المصدر، أي: جازيناهم جزاء وافق أعمالهم. أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة، وفق أعمالهم الفاسدة، التي كانوا يعملونها في الدنيا. قال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. وقال الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم الله بما يسوءهم. {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا} أي أن هؤلاء الكفرة الطاغين المتجاوزين للحدود، لم يكونوا يتوقعون أن يحاسبهم الله على ما فعلوا، فإنهم لم يكونوا يعتقدون بعد الدنيا دارًا أخرى، يحيون فيها بعد مماتهم ويجزون فيها بما عملوا، ويحاسبون على ما قالوا، وما نووا، وما فعلوا. فمن كان لا يؤمن بالآخرة، ولقاء الله فيها، كيف يرجو حسابا، وما بعد الحساب من ثواب وعقاب؟! {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} أي: كذَّبوا بما جاءت به رسل الله، وبما أنزلنا من الكتب، وكانوا يكذبون الله ودلائله على خلقه، التي أنزلها على رسله، والتي غرسها في فطرة عباده، وجعلها ثابتة في عقولهم التي في رؤوسهم، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة والمعاداة، ومعني (كذابا) أي: تكذيبا، وهو مصدر من غير الفعل، قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذبت به كِذَّابا، وخرقت القميص خِرَّاقا، وكل فعل في وزن (فَعَّل) فمصدره فِعَّال مشدد في لغتهم. هكذا نقل القرطبي. وقرئ: (كِذَابا) بتخفيف الذال. وقد قالوا: التخفيف والتشديد جميعا لقول الأعمش: فصَدَقتها وكذَبَتها والمرء ينفعه كِذَابه! وأقره الزمخشري في الكشاف: وهو مثل: {أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً} [نوح:17]، يعني: وكذبوا بآياتنا، فكذبوا كذابا. {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا} أي: قد علمنا كل شيء من أعمال العباد كلها، وكتبناها عليهم، كتابة دقة وإحصاء، لا يفوتها شيء وإن صغر وقل، وسيجزيهم على ذلك إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة:6]. فهذه كتابة صدر