واحة النفس

alarab
منوعات 21 يوليو 2012 , 12:00ص
إعداد: الدكتور العربي عطاء الله
واحة النفس.. صفحة لجميع القراء تعمل على توفير التواصل السريع المستمر ، ومساعدة أصحاب المشكلات على تجاوز هذه الصعوبات . كما أنها تهدف إلى زيادة الوعي النفسي والاجتماعي والتربوي من خلال تقديم المعلومات الصحيحة والحديثة والمتنوعة . وتتشرف صفحة واحة النفس بالاستفادة من ملاحظات وآراء القراء الكرام في دعم رسالتها ونجاحها . نستقبل أسئلتكم ومشكلاتكم وتعليقاتكم على الإيميل أو على الفاكس وسنتعامل معها بكل سرية وأمانة . يمكنكم التواصل عبر الإيميل: lkohidri@sch.gov.qa نفسيات الصيام والصحة النفسية الصوم له دور كبير في بناء شخصية المسلم، وقد أحب الله تعالى لنا أن تصلح حياتنا ويستقيم منهجنا ونسعد سعادة لا نظير لها، وهناك ارتباط قوي وعلاقة متينة بين فريضة الصوم وخليقة الحلم. تتجلى في رمضان أسمى غايات كبح جماح النفس وتربيتها بترك بعض العادات السيئة خاصة عندما يضطر المدخن لترك التدخين لفترة محدودة، فالصائم هنا يشعر بالطمأنينة وراحة النفس والفكر، ويحاول أن يبتعد عن كل ما يفسد صومه من المحرمات والمفسدات ويحافظ على سلوكه في هذا الشهر الكريم. والصوم يربي في الفرد المسلم الخشونة والرجولة والجود والكرم وغيرها من الصفات الحميدة التي يجب أن يتصف بها المسلم. إن الصيام يزيد من قوة الإنسان وقدرته على التغلب على الشهوات، والصيام ليس فقط الامتناع عن الطعام والشراب ولكنه قبل ذلك امتناع عن الميول للشهوات والتفكير فيها. إنه بالفعل مدرسة نفسية روحية تقوي أصحابها وطلابها، وتزودهم بالتربية الروحية الصحيحة والتقويم والتهذيب، وتحثهم على عدم التنافر والتحاسد والتباغض، واستمع إلى قول الله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فصلت 34،35. رمضان شهر التآخي والألفة وندرة الانفعال والغضب، وهذا الجو الروحاني الهادئ يترك أثره على فسيولوجية الإنسان، مما يؤدي إلى نقصان في إفراز المواد المهيجة والتي قد تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، يقول الدكتور العالمي (ألكسيس كاريك) في كتابه الإنسان ذلك المجهول: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطل وظيفة أدت دورا عظيما في بقاء الأجناس البشرية وهي وظيفة التكيف على قلة الطعام، ولذلك كان الناس يلتزمون الصوم والحرمان من الطعام؛ إذ يحدث أول الأمر الشعور بالجوع ويحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية أهم بكثير منه، فإن سكر الكبد سيتحرك ويتحرك معه أيضا الدهن المخزون تحت الجلد وبروتينات العضل والغدد وخلايا الكبد وتضحي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة للإبقاء على كمال الوسيط الداخلي وسلامة القلب، إن الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا). والصوم يجعل الإنسان في حالة من التواضع والخشوع والاتجاه الصحيح إلى الله، وهذا ما يعزز إيمان الإنسان ويقوي عقيدته ويعمق الخشوع والإحساس بالسكينة والتحكم في الشهوات وإنماء الشخصية. إنه يعطي الفرصة للإنسان لكي يفكر في ذاته ويعمل على التوازن الذي يؤدي إلى الصحة النفسية، ويدرب الإنسان وينمي قدرته على التحكم في الذات، قال صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك). رواه البخاري. فلا يليق بالصائم التقي العاقل أن يطلب الشر ويؤثر السفاهة والحماقة على الحلم والرشاد، ولا يليق به أيضا في هذا الشهر المبارك أن يكون فريسة لدوافع الغضب وعوامل الهيجان والانفعال والغضب والمقاتلة والمشاجرة، ولا يليق به وهو في شهر التقوى والغفران أن ينزل إلى الدرجات السفلى تاركا المنزلة الكريمة الرفيعة التي كرمه الله بها. الصيام يربي في الفرد المسلم الخشونة، ويربيه على الجود والكرم والقناعة والرضا بالقليل، رمضان شهر التآخي والألفة وندرة الانفعال والغضب، وهذا الجو الروحاني الهادئ يترك أثره على فسيولوجية الإنسان، مما يؤدي إلى نقصان في إفراز المواد المهيجة والتي قد تؤدي إلى ارتفاع في ضغط الدم. وهذا قليل من كثير من الفوائد الصحية العظيمة التي تعود على الصائم، وعلى ضوء هذا ندرك أن للصيام مكانة عظيمة في الإسلام، شأنه في ذلك شأن العبادات والواجبات والأركان الأخرى. إن الإسراف في الأكل يؤدي إلى نتائج خطيرة في الجسم البشري أهمها فقدان عضو الدماغ نشاطه وفعاليته الحيوية وسلبه قابليته الفكرية ومواهبه وقدراته العقلية، ويجره إلى دنيا الكسل والجمود والنوم الكثير، إلا أن مدرسة الصيام جاءت لتعلم الإنسان كيف يعطي الحق للجسم وللروح، وجاءت هذه الصرخة مدوية في ميادين الصحة وعالم الغذاء، قبل أربعة عشر قرنا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه). والطب الحديث اليوم يوصي باستعمال سلاح الصيام من أجل الزيادة في التركيز الذهني والتعمق الفكري الذي يستوجب حضور الصفاء العقلي والهدوء العصبي، فالصيام يبعث في النفس البشرية المشاعر والأحاسيس المنعشة التي تعطي الفكر طاقة ذهنية عالية، والقدرة على السيطرة والتحكم في ممارسة التركيز الذهني العميق وقوة الذاكرة وحصر الفكر واسع الأطراف في نقاط ومراكز جوهرية ثابتة. والصيام الحقيقي يؤدي إلى تهذيب الفكر والنفس ونيل رضا الله تعالى، ولا بد للمسلم أن يستفيد من الصيام؛ فإنه رياضة روحية تصل إلى ذروة الكمال الجسماني والعقلي. والتقليل من الطعام في هذا الشهر له فوائد كثيرة منها: 1- الإقلال من الطعام يرقق القلب ويزيده قربا من الله تعالى. 2- الشبع ينسيك إخوانك الفقراء والمساكين، أما الإقلال فيجعلك تعيش مع إخوانك. 3- يدفع عنك كثرة النوم، فهذا شهر عبادة وصلاة وقراءة قرآن وذكر. 4- يعلمك الانكسار والذل ويبعد عنك التكبر والخيلاء. وهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: ما شبعت منذ ستة عشر سنة إلا شبعة أطرحها؛ لأن الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة. مستشارك الأسري الغضب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتور كل عام وأنتم بخير، سؤالي هو أنني شديد الغضب، وأتعصّب لأتفه الأسباب، أرجو منكم نصيحة وتوجيها لأتخلص من هذه العصبية والنرفزة، خاصة ونحن في شهر رمضان، بارك الله فيكم. أخوكم / مروان. الإجابة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كل عام أنت بخير، وأشكرك على تواصلك معنا. أخي الفاضل مروان، اعلم أن الحلم هو خليقة نفسية جليلة تكسب الروح جمالا والمشاعر رونقا وبهاء حين يفسح لها المجال ويتمثلها المرء تمثلا كاملا. والحلم في حقيقته هو ملكة أصيلة في النفس المسلمة تتحرك في أوقات الأزمات وحالات الاضطراب، فتوطن النفس والعقل معا على تحمل تحديات تلك الأزمات والاضطرابات. والذي يستولي على طاقاته النفسية ويتحكم في تسييرها هو المنتصر الحقيقي، أما الذي ينهزم أمام شهوات نفسه وينخدع لأهوائها فهو المنهزم الوحيد وإن خيل إليك أنه طغى وتجبر وتكبر. فالمالك لنفسه قادر على توجيهها نحو المطالب السامية والأهداف النبيلة، وهذا عكس الآخر الذي استحال عبدا ذليلا لأوامر نفسه وإن كان ذا جاه ومال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). فلا يليق بالصائم التقي العاقل أن يطلب الشر والضياع ويؤثر السفاهة والحماقة على الحلم والرشاد. واعلم أنك إذا تمسكت بصفة الحلم فإنك تكون قريبا من الله تعالى دائما، وبذلك تجد نفسك طيبة مطمئنة، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه). وبالله التوفيق. التفكير الإيجابي *- جدد حياتك ونوّع أساليب معيشتك وغيّر من الروتين الذي تعيشه. *- أكثر من كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" فإنها تشرح البال، وتصلح الحال، وتخفف من الأثقال، وترضي ذا الجلال. *- إياك والذنوب؛ فإنها مصدر الهموم والأحزان، وهي سبب النكبات والمصائب والأزمات. *- سب أعدائك لك وشتم حسادك يساوي قيمتك؛ لأنك أصبحت شيئا مذكورا أو شخصا مهما. *- ابسط وجهك للناس تكسب ودهم، وألن لهم الكلام يحبوك، وتواضع لهم يجلوك. *- اعلم أن من اغتابك فقد أهدى لك حسناته وحط من سيئاتك. همسات 1 - رمضان دورة مكثفة وفرصة ذهبية للتغيير للأفضل لا تتكرر إلا كل عام، فعليك أن تستقبله بالجد والاجتهاد. 2 - الصيام مدرسة نفسية روحية تقوي أصحابها وطلابها وتزودهم بالتربية الروحية الصحيحة والتقويم والتهذيب. 3 - استثمر أوقات الفراغ، فكل ثانية في هذا الشهر لا تقدر بثمن، التزم قراءة القرآن والأذكار والنوافل. 4 - التخطيط سر النجاح، وأهم من التخطيط أن تكون لك رسالة ورؤية واضحة في الحياة، وأهداف واضحة وطموحة حتى في العبادة. 5 - لا تترك رمضان يمر هذا العام كما مر العام الماضي، فلا تضيعه بين اللهو والكسل وضعف الهمة، وحاول أن تستثمر وقتك فيما يعود عليك بالخير في دينك ودنياك وآخرتك. إطلالة الصيام مدرسة للتغيير الصيام مدرسة تربوية إسلامية عامرة بشتى القيم النبيلة والدروس النافعة للفرد والمجتمع، وقلما تجد مدرسة في دنيا الناس تجمع بين التعليم والتربية أو التثقيف والإرشاد، وإن وجدتها ألفيت مناهجها التربوية قاصرة لا تفي بحاجات الإنسان الفطرية والنفسية والروحية، فالله تعالى منحنا دستورا سماويا خالدا، فيه كل ما نحتاجه في حياتنا الدنيا، فضلا عن كونه مصباحا منيرا يهدينا إلى سبيل نيل مرضاة الله تعالى عاجلا وآجلا، ومن درسه وتأمل معانيه وتدبر آياته أيقن أن سبيل النجاة من أدران النفس وأوساخها وأسلوب القضاء على الأزمات الاجتماعية المختلفة هو الطريق الواضح والصراط المستقيم الذي وضع معالمه المربي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم. ويعتبر الصيام أحد ينابيع السعادة الروحية وطريق تصفية النفس وترقية أحوالها والسمو بها إلى مدارج الكمال، وهو مدرسة التغيير؛ إذ إن المنهج الإسلامي يراعي في عملية التقويم والتهذيب والترقية شرط التوازن والاعتدال الذي يضبط الأشياء، ويضع كلا منها في موضعه الصحيح بلا إفراط ولا تفريط. فالمطالب المادية لها اعتبارها وقيمتها تبعا لخصائص جسم الإنسان الذي خلقه الله تعالى فأبدع صنعه وأودع فيه دوافع وقوى وطاقات وحاجات. وللمطالب النفسية والروحية شأن عظيم ومكانة عالية؛ إذ هي التي تحدد خصائص شخصية الإنسان وصفاته السلوكية ومظاهر حركته الاجتماعية وأنماط تفاعله مع الناس. والله تعالى شرف هذا المخلوق وهو الإنسان وكرمه بهذا العقل، وشرفه بأنه يمتلك روحا مدركة واعية مفكرة شاعرة، ولم يشرفه بما لديه من أجهزة فسيولوجية، ولهذا فالإسلام يوصي بتهذيب الروح وتنقيتها من أدران الجاهلية، لتقوى على تحمل المسؤولية والسير على طريق الله وهي مطمئنة هادئة. والصيام له دور عظيم في إعلاء شأن الروح، وإكساب المسلم القيم الفاضلة وإصلاح المجتمع وترقيته إلى ما هو أحسن وأفضل؛ كي يحتل المقام الصحيح وهو مقام القيادة والتوجيه. والصيام يرفع عن الإنسان قيود المادة ليسبح في آفاق روحية رحبة، حيث الأمن والاطمئنان والسعادة الحقة. فالصوم مدرسة تربوية للأمة لتقرير منهج الله تعالى في الأرض، ولتستعلي على ضرورات الجسد كلها، ولتحتمل مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك، والذي تتناثر على جوانبه الرغبات والشهوات. وهو أعظم مربي للإرادة وكابح لجماح الأهواء، فالصوم لا مثل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له). رواه مسلم. والصوم كفارة للخطايا، قال صلى الله عليه وسلم: (فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). رواه البخاري. ويكفي الصائم تشريف الله والملائكة له بالصلاة عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين). والصوم جنة من النار، قال صلى الله عليه وسلم: (من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض). وباب الريان لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخل آخرهم أغلق.