الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج لحنكة وعلم
محليات
21 يونيو 2014 , 12:00ص
الدوحة - محمد صبرة
أكد د.محمد بن حسن المريخي على أهمية شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في إصلاح الأفراد والمجتمعات. ونبه على أن القضية حساسة تحتاج إلى حنكة وخصوصية وعلم ومعرفة.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب: إن الأمم والبلدان لو أنفقت نفسها ونفيسها وأموالها وخزائنها وأحكمت قبضتها على كل ثغر وحجر، ما استطاعت أن توفر الأمن والأمان المنشود، والاستقرار المطلوب، والراحة المبتغاة، لأن الأمن من عند الله تعالى يهبه لمن يشاء من عباده، وما عنده لا ينال إلا بطاعته، مستشهدا بقول الله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).
وأشار إلى أن دول وأمم الكفر لا تعرف الأمان ولا الاستقرار مع ما تملك من قوة العتاد والبشرية، لافتا إلى أن مستوى الجريمة في تزايد مستمر في تلك الدول تصديقا لقول الله عز وجل: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد).
عاقبة المعاصي
ونبه إلى أن المعاصي والذنوب والمجاهرة بها، من أكبر الأسباب التي يغير الله تعالى بها نعمة الأمن والأمان، مستعرضا عدد من الآيات الدالة على أن ما يصيب الناس يكون بسبب معاصيهم، ومن تلك الآيات قول الله عز وجل: (فأهلكناهم بذنوبهم) وقوله: (فأخذناهم بذنوبهم) وقوله: (فأخذهم العذاب بما كانوا يكسبون) وقوله: (فكلاً أخذنا بذنبه).
وأوضح أن المعاصي والذنوب تكدر صفو البلدان واستقرار الأمم، كما أخبر الله عز وجل في قوله تعالى: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) وقوله سبحانه: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور).
ولفت إلى أن الذنوب تغير النعم والمنن وتجلب النقم، حيث قال الله عز وجل: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).
ووصف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بأنه «أمر عظيم، وعمل صالح جليل، به يديم الله تعالى الأمن والأمان على العباد والبلدان، وتطيب الحياة وتكثر الخيرات والبركات، وبه تستقر البلدان وتدوم النعم، وبه تدفع النقم وينعم العباد.
وأشار إلى أن الله عز وجل أمر به على سبيل الإلزام أمراً صريحاً ولتتفرق له طائفة من المؤمنين لهم صفات خاصة وتقوى ومعرفة، حيث يقول الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).
وعلق على الآية السابقة مبينا أن «لتكن» اللام فيها للأمر للقيام بهذه الشعيرة التي بها نالت الأمة الخيرية فكانت خير أمة على وجه الدنيا كما شهد الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).
مجتمع الأمر بالمعروف
وذكر د.المريخي أن الله سبحانه وتعالى وصف المجتمع الإسلامي بأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وبهذا وغيره رحمهم الله تعالى وجعلها أمة مرحومة فقال: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم).
ولفت خطيب جامع الإمام إلى أن الله عز وجل عاب على المنافقين وتوعدهم بسبب تركهم لهذا الأمر الجليل الذي فيه السعادة والحياة والنجاة فقال: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف – إلى قوله: – هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم) وبين سبب اللعنة التي لعن بسببها بنو إسرائيل بأنها كانت لتركهم الأمر بالمعروف فقال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون).
سبب للسعادة
وقال: نظرا لأهمية الموضوع وخطورته، أمر الله تعالى به رأفة ورحمة بهم، فإن وراءه أسرار السعادة والرضا والنجاة من العذاب، كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية الأمر بالمعروف فحث الأمة حثاً شديداً وأمرها به مغلظاً عليها لتنجو وتفوز وتسلم من سخط الله وعقابه فيقول: (كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً (أي تلزمونه به إلزاماً) أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم –يعني بني إسرائيل-) رواه أبو داوود والترمذي.
وحذر من التهاون في تطبيق شعيرة الأمر بالمعروف، مشيراً إلى خطورة تركها، مؤكداً أنه لا بد منها لمن رام الأمان والاستقرار والعيش الهنيء، ولمن ابتغى النجاة من الغرق والطوفان الرباني، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً، فتدعون فلا يستجيب لكم) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
سبب لمنع الرحمة
ولفت الشيخ المريخي إلى أن الله عز وجل طرد أمة من الأمم من رحمته لما قصرت أو تركت الأمر بالمعروف، مستدلا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه ومعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض) وقرأ رسول الله قول الله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل...).
وبين د.المريخي أهمية الأمر بالمعروف، قائلا: إن الله تعالى أمر به الولاة والحكام وجعله من مهماتهم، كما جاء في قوله سبحانه: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)، وأوضح أن من علامات أهميته أن جعله الله تعالى من مهمة المرسلين والنبيين فقال: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات...).
وأوضح د.المريخي أن الأمر بالمعروف من شؤون العلماء وطلبة العلم، لذلك لما قصر فيه أحبار اليهود والنصارى ووقع اتباعهم فيما لا يرضاه الله تعالى وجه الذم لعلمائهم لتقصيرهم فقال: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون)، وجعله الله تعالى من مهمات الآباء والأمهات يأمرون أبناءهم وبناتهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر وهذه نجدها متمثلة في نصح لقمان لابنه: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك).
أمان واستقرار
وجدد التأكيد على ضرورة الأمر بالمعروف لمن رام النجاة في هذه الدار والدار الآخرة، لافتا إلى تخبط الأمم وما ينزل بها من سخط الله وعذابه، وذكر أنه ضروري كضرورة الأكل والشرب بل أكثر من ذلك، لأنه أمان واستقرار وراحة للنفوس وحماية للممتلكات والأنفس، وإلا فإن الخائف لا يستطيع الأكل والشرب وإن كان الأكل بين يديه، لأن الأكل من الخوف ليس هنيئاً والنوم مع الخوف كدر وقلق، وإذا غابت شعيرة الأمر بالمعروف فإن الدنيا تتحول إلى دار يملئ الخوف أرجاءها.
وقال: إن الذين رأوا الخوف وتكدر الأحوال والجوع ونقص الثمرات وذهاب النعم يدركون تماماً حاجة المجتمعات الإسلامية إلى شعيرة الأمر بالمعروف ويفهمون مقاصد الله ورسوله عندما يأتي الأمر بالإلزام على إقامة هذه الشعيرة وجعلها من مهمات الرسل والأنبياء والولاة والآباء.
وأشار خطيب جامع الإمام إلى أن أصحاب البصائر ليدركون أن ما أصاب كثيراً من بلاد المسلمين من جهل بالسنن والواجبات والوقوع في البدع والمحرمات وتأخرهم عن إقامة أكثر شعائر الدين إنما يرجع إلى غياب الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وخلو مناهج التربية والتعليم في تلك البلاد من ذكر شعائر الدين والهدي المستقيم وملئها بالبدع والخرافات والشعوذات التي يتصورها أهل الصوفية والطرق، والغلو في الصالحين والميتين.
ونبه إلى أن أكبر الضرر الذي يحل بالمجتمعات أن تتعطل هذه الشعيرة المباركة، ويدك حصنها ويحطم سياجها ويترك الناس سدى، لأنه بإقامة الأمر بالمعروف ترتفع رايات الدين ويعلو صوت الحق المبين وتموت البدعة وتعلو السنّة ويندحر أهل الباطل ودعاة الضلالة، ويظهر الحلال ويندحر الحرام ويأمن الناس في مجتمعاتهم.
قضية حساسة
واستطر د.المريخي موضحا أن أهم أمر في هذا الموضوع أن نعلم أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهجاً رسمه رسولنا الكريم ينبغي اتباعه، لأن القضية حساسة تحتاج إلى حنكة وخصوصية وعلم ومعرفة ووقوف على هدي السلف في الأمر بالمعروف في معالجة الأمور، لأن الآمر بالمعروف في أمره بالمعروف إنما يحاول فصل شهوات ونزوات عن نفوس متمسكة بها وقلوب متعلقة بحبالها، ومدافعة عنها، فلا بد من البصيرة في الأمر والروية، وملازمة المنهج النبوي، وإلا لو ترك الباب لكل من هب ودب لضاعت المجتمعات كما نرى ورأينا من الاعتماد على الذات والتصرف الفردي الذي يأتي بنتائج عكسية تضر بالقريب والبعيد، يقول عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم في صحيحه.
درجات المنكر
ونبه الشيخ المريخي إلى أن المنكر درجات ثلاث لا يجوز للآمر أن يتحول من درجة إلى درجة إلا إذا كان لا يستطيعها، فإذا رأى منكراً ينظر في نفسه هل له طاقة على تغييره بيده مع الأخذ في الاعتبار بالنتائج المترتبة عليه بعد ذلك، مثل هل يزداد المنكر أو هل له ضرر على الأمر بالمعروف على نفسه وولده وأهله وماله، فإن كان الضرر موجوداً ويمكن أن يزداد المنكر فعليه ألا يقدم على التغيير بيده فليترك هذه الدرجة لأنه ليس من أهلها وليتحول إلى الثانية وهي التغيير باللسان مع أخذ المقاييس السابقة ثم إذا عجز فلا بد منه من الإنكار بقلبه ولا يعذر مسلم من الإنكار بقلبه فمن لم ينكر بقلبه فهو كمن فعل المنكر لرضاه عنه والعياذ بالله، وهذا معنى قوله: (فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وغالباً ما تكون الدرجة الأولى للولاة والسلاطين الذين يملكون التغيير باليد والقوة والدرجة الثانية للعلماء والمصلحين الذين يدعون بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلون بالتي هي أحسن، والثالثة لكل نفس مسلمة.
وختم الشيخ المريخي حديثه عن الأمر بالمعروف قائلا: إن الله ورسوله حينما ألزمنا بإقامة هذه الشعيرة، فإن المرض إذا كان موجوداً ووجد في مقابله الدواء والمداوي الطبيب كان الأمل كبيرا أن يزيل الله تعالى المرض على يد الطبيب المداوي، مبينا أن المصيبة تأتي إذا نزل البلاء وحل المرض وغاب الدواء والمداوي.