صلة الرحم أمارة على تقوى العبد وبره بوالديه
قطر اليوم
21 مايو 2016 , 01:27ص
محمد سيد احمد
حثّ فضيلة الإمام والداعية الشيخ الدكتور محمد بن حسن المريخي في خطبته بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أمس، على الاهتمام بصلة الرحم، مذكّرا بأن الله سبحانه وتعالى أعطاها عهدا أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها، موضحا أن صلة الرحم مع ما لها من أجر عظيم وثواب جزيل في الآخرة، فلها أجر في الدنيا، فصلتها تزيد في العمر وتبارك في الرزق، كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
وخاطب المريخي جموع المصلّين قائلا: اتقوا الله تعالى فبالتقوى تستجلب النعم وبالبعد عنها تحل النقم، عباد الله يهدف الإسلام إلى بناء مجتمع إسلامي متراحم متعاطف تسوده المحبة والإخاء ويهيمن عليه حب الخير والعطاء، والأسرة وحدة المجتمع تسعد بتقوى الله، ورعاية الرحم اهتم الإسلام بتوثيق عراها وتثبيت بنيانها، فجاء الأمر برعاية حقها بعد توحيد الله تعالى وبر الوالدين. قال الله جل جلاله (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى)، فقرنت مع إفراد الله بالعبادة والصلاة والزكاة. عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم». متفق عليه.
وقد أمرت الأمم قبلنا بصلة أرحامها، قال سبحانه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلا اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى)، ودعا إلى صلة الأرحام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مطلع نبوته، قال عمرو بن عتبة: قدمت مكة أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه فقلت: ما أنت؟ قال: نبي، قلت: وما نبي؟ قال أرسلني الله، قلت: بم أرسلك؟ قال: بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله. رواه الحاكم. وسأل هرقل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقول لكم؟ قال: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. رواه البخاري ومسلم.
بصلة الأرحام أمر رسول الله أول مقدمه المدينة، يقول عبدالله بن سلام: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه -أي ذهبوا إليه- فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: يا أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام. رواه الترمذي وابن ماجه.
وأكّد فضيلته أن صلة الأرحام وصية النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو ذر: أوصاني خليلي بصلة الرحم وإن أدبرت، فصلة ذوي القربى أمارة على الإيمان (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه)، رواه البخاري ومسلم. وقد ذم الله تعالى كفار قريش على قطيعة رحمهم فقال عنهم: (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلاَ ذِمَّةً).
والقيام بصلة القربى بر بالوالدين وإن ماتا، فقد جاء رجل إلى رسول الله فقال: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم الدعاء لهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما. رواه أبو داود.
وأضاف أن الله تعالى أمر بالرأفة بالأرحام كما نرأف بالمسكين قال عز وجل: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)، فحقهم في البذل والعطاء مقدم على اليتامى والفقراء. قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ). وأول من يعطى من الصدقة هم الأقربون من ذوي المسكنة.
وواصل المريخي في خطبته الثانية حثّ الجميع على صلة الرحم، مذكّرا بحقوق الجار فقال: الجار من ذوي الأرحام أخص بالرعاية والعناية من غيره، قال سبحانه: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ)، فدعوة الجيران من ذوي الأرحام، وإرشادهم ونصحهم، ألزم من غيرهم: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، وهذا ما يؤكد أن في صلة الرحم ثمرات هي أسس في بناء الحياة ومحبة الأهل وبسط الرزق وبركة العمر، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال، منسأة في الأثر) رواه أحمد. وعند البخاري ومسلم (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه). يقول ابن القيم: صلة الرحم تكون سببا للتوفيق والطاعة والصيانة عن المعصية، فيبقى بعدها الذكر الجميل، فكأنه لم يمت.
صلة الرحم من أخص العبادات
وبيّن فضيلته أننا يمكن أن نستشفّ مما سبق أن صلة الرحم عبادة جليلة من أخص العبادات. يقول عمرو بن دينار: ما من خطوة بعد الفريضة أعظم أجرا من خطوة إلى ذي رحم، فثوابها معجل في الدنيا، ونعيم مدخر في الآخرة. يقول رسول الله: «ليس شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم»، رواه البيهقي. فالقائم بصلة الرحم موعود بالجنة، بذلك أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربي ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال»، رواه مسلم. فعلينا أن نعلم أن صلة الأقارب تقوي المودة وتزيد المحبة وتوثق عرى القرابة وتزيل العداوة والشحناء، فيها التعارف والتواصل والشعور بالسعادة. وصلة الأرحام والأقارب طرقها كثيرة وأبوابها مشرعة، فمن بشاشة عند اللقاء ولين في المعاملة إلى طيب في القول وطلاقه في الوجه، فصلة الرحم أمارة على كرم النفس وسعة الأفق وطيب المنبت وحسن الوفاء، ولهذا قالوا: من لم يصلح لم يصلح لك، ومن لم يذب عن أهله لا يذب عنك. إن ذوي الرحم غير معصومين، يتعرضون للزلل ويقعون في الخطأ وتصدر منهم الهفوة ويقعون في الكبيرة والصغيرة، فإذا بدر منهم ذلك فالزم جانب العفو عنهم، فإن العفو من شيم المحسنين وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وقابل إساءتهم بالإحسان واقبل عذرهم إذا أخطؤوا، فإن يوسف عليه السلام قبل اعتذار إخوانه وقد فعلوا معه ما فعلوه، وقد صفح عنهم ولم يوبخهم بل دعا لهم وسأل الله لهم المغفرة: (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
أطالب الناس بالصفح عن هفوات إخوانهم وذوي رحمهم
وطالب الخطيب الناس بأن يصفحوا عن هفوات إخوانهم وذوي رحمهم، وأن يعفوا عن زلاتهم وأن يقيلوا عثراتهم، بالإضافة إلى إلانة الجانب لهم. وأردف: إن مقابلة الإحسان بالإحسان مكافأة ومجازاة ولكن الواصل من يتفضل على صاحبه ولا يتفضل عليه. يقول صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها»، رواه البخاري. قال رجل: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن لهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي. فقال رسول الله: لئن كان كما تقول فكأنما تسفهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك، رواه مسلم. وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها، أو تشهد عليه بقطيعة إن كان قطعها، فالروابط تزداد وثوقا بالرحم وقريبك لا يملك على القرب ولا ينساك في البعد، عزه عز لك، وذله ذل لك، ومعاداة الأقارب شر وبلاء الرابح فيها خاسر والمنتصر مهزوم، والقطيعة من كبائر الذنوب وصاحبها ملعون متوعد مهدد: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).