الصفحات المتخصصة
21 أبريل 2017 , 05:35ص
احمد المحمدي
الشوق نار تحرق القلب، وعذاب يتردد في النفس، وقلق وتوتر، وضيق وحزن، وخوف ووجل، قد تصحبه سعادة لكنها طارئة، وراحة لكنها راحلة، وأنس لكنه مستوحش، وألفة لكنها قصيرة، وهكذا شوق العبد لكل متاع الحياة لا يخلو من كدر، فما من لقاء إلا وفي ذيله فراق، وما من معصية إلا وفي آخرها مذلة، غير أن هناك شوقاً لا يحمل صاحبه على التعب، ولا النصب، ولا الحزن، ولا الضيق، بل هو شوق يبدد كل حزن، ويعين العبد على التغلب على الصعاب، شوق يذيب المهج، فلا تتألم من قسوة، ولا تجزع من شدة، بل تحيل الهم إلى أجر، والبعد إلى قرب، والموت إلى حياة، يلتقي في ظلالها المحبون.
إنه شوق من فقده فقد المعين له عند البلاء، والمصبر له على الأحزان، فيضحى والذكرى فالقة كبده، وكأنه يردد قول الخنساء حين كانت ترثي أخاها صخراً:
يؤرقني التذكر حين أمسي***
فأصبح قد بليت بفرط نكس
على صخر، وأي فتى كصخر***
ليوم كريهة وطعان حلس
وللخصم الألد إذا تعدى***
ليأخذ حق مظلوم بقنس
فلم أر مثله رزءاً لجن***
ولم أر مثله رزءاً لإنس
أشد على صروف الدهر أيداً***
وأفصل في الخطوب بغير لبس
وضيف طارق أو مستجير***
يروع قلبه من كل جرس
يذكرني طلوع الشمس صخراً***
وأذكره لكل غروب شمس
ولكن لا أزال أرى عجولاً***
وباكيةً تنوح ليوم نحس
ألا يا صخر لا أنساك حتى***
أفارق مهجتي ويشق رمسي
هذه الخنساء، وقد فقدت ساعتها الشوق الحامي من تلك الآلام، والمبدل لهذه الأوجاع والأحزان، لكن هذا الشوق يتضاءل على روعته، أمام الشوق الحقيقي والسحر الحلال، واللذة التي بفقدها تحيل العذب إلى عذاب.. إنه الشوق إلى الله عز وجل، يقول الحسن -رحمه الله تعالى-: «والذي نفسي بيده، ما أصبح في هذه القرية من مؤمن إلا وقد أصبح مهموماً محزوناً، ففروا إلى ربكم وافزعوا إليه؛ فإنه ليس لمؤمن راحة دون لقائه»، ذلك أن شغله بالله أنساه كل مخلوق، وصرفه عن كل الكروب.
إنه سفر بلا تعب، سفر القلوب في طلب المحبوب، ولا عجب إن كان الشوق إلى الله دعاء الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين».
وقد ازدان الدعاء واقترن بالعمل، وظهر بجلاء في رحيل نبينا عن الحياة، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جلس على المنبر، فقال: «إن عبداً خيره الله عز وجل بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده»، شوقاً إلى الله وحباً له، والعجب أنه شوق متبادل، وهذا من أعجب الأمور وأسعدها عند الصالحين، فالإنسان في حياته لا يعجب من شوق الفقير إلى الغني، وشوق العبد إلى سيده وولي نعمته، لكن العجب أن يشتاق ملك الملوك إلى هذا العبد الفقير.
ذكر في أخبار داود -عليه السلام-: «إن الله تعالى قال: يا داود، أبلغ أهل أرضي أني حبيب لمن أحبني، وجليس لمن جالسني، ومؤنس لمن أنس بذكري، وصاحب لمن صاحبني، ومختار لمن اختارني، ومطيع لمن أطاعني، ما أحبني عبد أعلم ذلك يقيناً من قلبه؛ إلا قبلته لنفسي، وأحببته حباً لا يتقدمه أحد من خلقي، من طلبني بالحق وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، فارفضوا يا أهل الأرض، ما أنتم عليه من غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي، وأنسوا بي أؤانسكم، وأسارع إلى محبتكم، فإني خلقت طينة أحبائي من طينة إبراهيم خليلي، وموسى نجيي، ومحمد صفيي، وخلقت قلوب المشتاقين من نوري ونعمتها بجلالي».
وهذا ما أوجزه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكلمات قليلة حين قال: «من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه» حتى المذنب يشتاق إلى ربه، ويحسن الظن فيه.