بن مسفر: الالتزام بالدين لا يحرم الإنسان من متع الدنيا

alarab
محليات 21 أبريل 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
قال فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن مسفر إن الالتزام بالدين لا يحرم المسلم من متع الدنيا، وأكد في خطبة الجمعة بجامع الإمام محمد عبدالوهاب أن الإيمان بالله يجعل حياة الناس جميلة ممتعة في الدنيا، ويدخلهم الجنة بالآخرة وهو الفوز العظيم. وبين المسفر أن نعمتي الإيمان والدين من أهم وأجل النعم التي أنعم الله بها على الإنسان في هذه الحياة، مؤكدا أن من شرح الله صدره بالإسلام وملأ قلبه بالإيمان فقد ضمن النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، ذلك لأن النعم إنما تعرف أقدارها بآثارها ونتائجها، وآثار الإيمان تجعله يسعد في الحياة وعند الموت وفي القبر وفي يوم القيامة، ثم يسعد السعادة الكبرى عند دخوله الجنة. وقال المسفر إن الإنسان إذا حرم من نعمة الإيمان والدين فإنه يشقى في كل حياته، ويعذب في قبره، ثم يدخل دار الشقاء إلى الأبد، وأشار إلى أن الدين نعمة امتن الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته وعلى من بعدهم إلى يومنا هذا، موضحا أن علينا نحن المسلمين أن نحرص على تحصين هذه النعمة الجليلة ونحافظ على إيماننا حتى نلقى الله على الإيمان والإسلام. وبين المسفر أن هناك شعورا خاطئا لعدد كبير من المسلمين إذ يظنون أن الالتزام بالدين يحرمهم من كثير من المتع والملذات في الدنيا، حيث إن الإنسان بطبعه عجول لا يصبر على الطاعة ويريد الملذات الآنية، موضحا أن آثار نعمتي الإيمان والدين لا تظهر نتائجهما في الآخرة فحسب، لكن في الدنيا أيضا، كما في قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}، وذكر أن أول ثمرات الإيمان في الدنيا أن يعرف الإنسان طريقه في هذه الحياة الصعبة، ويريحه من ألم الشقاء والتيه في الدنيا، ويضع له منهجا خالصا يعيش به في أيامه وسنواته التي قدرها الله له. هوية المؤمنين ونوه المسفر بوضوح حياة المؤمن، ولتستطيع أن تعرف مدى قيمة هذه النعمة فاسمع لأبيات من أحد الشعراء الذين ضلوا طريقهم وهو «إيليا أبو ماضي» حيث قال في إحدى قصائده: «جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت.. ولقد أبصرت أمامي طريقا فمشيت، وسأبقى سائرا إن شئت هذا أم أبيت.. كيف جئت وكيف سرت وكيف أبصرت طريقي لست أدري ولماذا لست أدري.. لست أدري»، منوها بأن هذه الأبيات تدل على أن قمة الضياع أن يعيش الإنسان وهو لا يدرى لماذا يعيش، ومع هذا فإن الإيمان يخبرك من أنت، فأنت قبضة من التراب ونفخة من الروح، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأنزل عليك كتبه وبعث إليك رسله وأعد لك جنته إن أطعته، وتوعدك بناره إن عصيته.. هذه هويتنا. حياتك عبادة أما لماذا جئت فقد جئت أيها الإنسان بغرض واحد وهو العبادة، قال عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} والعبادة هنا تأتي بمفهومها الشامل، فالعبادة كما عرفها العلماء هي التي تنتظم فيها كل جزئية من جزئيات حياتك، بل عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: «هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة». فكل شيء في حياتك تستطيع أن تجعله عبادة، فتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، إتيانك لزوجتك صدقة، وإنها والله لعظمة الإسلام في أنه يتيح لك أجرا وثوابا حتى في شهواتك، فليست العبادة فقط هي الصلاة والصوم والزكاة والحج، لكن العبادة هي كل شيء في حياتك.. فحرصك على عملك أو على دراستك وقيام المرأة بواجبها تجاه بيتها وقيام الرجل بمسؤوليته تجاه بيته كلها عبادات، وأضاف: «علينا فقط أن نصحح التوجه إلى الله والقصد من أفعالنا اليومية بأن نجعلها كلها لوجهه سبحانه وتعالى، وحتى في النوم فقد قال أحد السلف إني لأحتسب على الله نومتي وقومتي وأكلتي وشربتي». وأوضح الشيخ مسفر أن الله ليرضى عن الرجل يأكل اللقمة من حلال فيشكره عليها ويشرب شربة من حلال فيحمده عليها، فيا لهذا الدين العظيم الذي فتح المجال أمامنا لنأخذ بالحسنات، ويا لخسارة من يخسر هذا الدين من أجل شهوات فانية تعقبها الحسرات العظيمة، وقال إن من آثار الإيمان عليك في الدنيا أيضا أنه يحدد خطواتك على درب الحياة، فمن بيتك إلى مسجدك، ومن عملك إلى مصالحك، لا تمش في شيء خاطئ، وإذا دعيت إلى شيء خاطئ فقل: «إني أخاف الله رب العالمين»، وعندما تستثار من أجل أن تعتدي فقل: «إني أخاف الله رب العالمين»، وهكذا تعيش آمنا في الدنيا والآخرة، لأنك مستقيم في حياتك. وذكر الشيخ مسفر أننا لو جئنا الآن لنزلاء السجون واستعرضنا قضاياهم، فسنجد أن الأول قاتل والثاني سارق والثالث تاجر مخدرات، وعندما نسألهم كلهم عن سبب جريمتهم سيقولون إن السبب هو الشيطان، وإنه وسوس لهم بفعل هذه الجرائم، بعد أن أبعدهم عن الإيمان والدين، رغم أن الله عز وجل يقول: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}، ويقول سبحانه: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} أما إذا تحصنت بالإيمان فسيحميك الله من هذا الشيطان ومن تبعات الانقياد وراءه. الأمن والسكينة ومن آثار الإيمان والدين أيضا أنه يزرع في قلب المسلم الطمأنينة والأمن والسكينة، وينزع من قلبك القلق والحيرة والاضطراب، وهي الآفة التي يعاني منها الناس اليوم في جميع دول الأرض، خصوصا في الدول الغربية، فقد وفرت هذه الدول كل شيء في الجانب المادي، ومع هذا فإن أعلى نسب الانتحار في هذه الدول؛ لأن المادة لا تحل إشكال الإنسان، فلا بد من مادة وروح، وبدون الجانب الروحي يعيش الإنسان قمة الشقاء، وأما المؤمن فإنه يعيش سعيدا فيقول الله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} وليست الحياة الطيبة في كأس وغانية ولا في نوم وعشق وشرود، بل إنها في عبادة الله عز وجل، والذي يجرب يعرف والتجربة خير برهان. وأضاف: «حينما تكون مؤمنا يأتيك أثر أخير وهو ولاية الله لك، فالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون»، فإذا أصبح الله وليك تولى أمرك ورزقك من حيث لا تحتسب، ويجعل لك من كل عسرا يسرا، ويجعل لك من كل ضيق مخرجا ومن كل همك فرجا، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا. الآثار العظيمة للإيمان أما الآثار العظيمة للإيمان فهي تأتي عند الموت، كما يقول المسفر، فتجعل «لا إله إلا الله» آخر ما يقوله الإنسان قبل موته، كما أن من عاش على «لا إله إلا الله» فإنه يموت عليها، أما من عاش بعيدا عنها فإنه لا يستطيع قولها عند الموت، ومن آثار الإيمان بعد الموت أن الله يثبت المؤمنين في قبورهم عند سؤالهم ويوسعها عليهم ويجعلها روضة من رياض الجنة. وفي خطبته الثانية تحدث الشيخ المسفر عن فضل الإيمان في يوم القيامة مؤكدا أن المؤمن حقا يمر على الصراط كالبرق الخاطف، ويأخذ كتابه بيمينه، ويوزن فيرجح إيمانه، ثم يشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم شربة ماء لا يظمأ بعدها أبدا، يدخل بعدها الجنة. واختتم المسفر خطبته بكلمات مؤثرة قال فيها: «إننا في زمن المهلة ولدينا القدرة على أن نسلك سبيل الخير، لكن تعامل مع القضية بجدية فإنها ليست سهلة، إنها قضية مصير، فجنة أو نار، فقضية بهذا الحجم لا بد أن تأخذ منك الاهتمام الذي يجب، فتحدد هدفك وتمشى في طريق ربك ولا تغتر بصعوبة الطريق، فالطريق صعب لكن النهاية الجنة، ولا تنخدع بسهولة طريق الباطل، فالطريق سهل لكن النهاية النار، لا تنظر إلى موضع قدميك ولكن ارفع رأسك وانظر إلى الجنة لترى محمد يدعوك إليها واستجب، وترى الشيطان يدعوك إلى النار فانتبه، حتى لا تندم». والدكتور سعيد بن مسفر داعية سعودي معروف، ومتفرغ للعمل الدعوي بعد عمله قرابة 30 عاما في الحقل التعليمي، تتميز إسهاماته الدعوية بالكثرة والتنوع والغزارة، فهو يركز على قضايا الإيمان ومشاكل الشباب وشؤون الأسرة متخذا البساطة وعدم التكلف منهجا له في دعوته، وهو حاصل على درجة الماجستير والدكتوراه في العقيدة من جامعة أم القرى وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومن أشهر محاضراته (عندما ينتحر العفاف- علامات مرض القلوب- أساليب التربية النبوية- العابد الرباني).