«الطلاق العاطفي» يستشري في المجتمع.. مآس كبيرة وتعاسة والضحية هم الأبناء
تحقيقات
21 مارس 2014 , 12:00ص
الدوحة - ميادة أبوخالد
أكد مواطنون أن الطلاق العاطفي (الانفصال الصامت غير الرسمي بين الزوجين) ينطوي على مآسٍ كبيرة وتعاسة للأسرة تنعكس سلباً على المجتمع، وبين مواطنون استطلعت «العرب» آراءهم أن أهم الأسباب هو انعدام الحوار بين الزوجين الذي يعتبر بداية النهاية للعلاقة الزوجية رغم سنوات الارتباط، حتى لو بني الزواج على حب مسبق، وأشاروا إلى أن التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي أثرت بشكل سلبي على الحياة الزوجية، في حين بين عدد آخر من المواطنين أن الزواج الذي يفرضه الأهل يعد سبباً في الطلاق العاطفي؛ لأن الشاب لا يعرف من هي زوجته إلا ليلة الزفاف، وبالتالي من الممكن أن يحدث التوافق بينهما، أو يتفاجأ الزوجان بالفروقات بينهما، وتبدأ المشاكل التي تؤدي بعد سنوات إلى الطلاق الصامت خشية أن يتسبب الطلاق التام في تشرد الأولاد، وخوفا من كلام الناس.
وحسب رأي الاختصاصيين النفسيين فإن الطلاق العاطفي له آثار سلبية على كافة أفراد الأسرة، وتظهر نتائجه في فشل تربية الأطفال وما يصيبهم من مضاعفات سلبية لا تقل في سوئها عن أخطار الطلاق، الذي يتسبب في تشتيت الأطفال، بسبب معاناة الزوجين وانعدام المشاعر والعاطفة بينهما.
بداية النهاية
أحد المواطنين -فضل عدم الكشف عن اسمه- متزوج وأب لأربعة أولاد قال: إن الطلاق العاطفي بداية النهاية للعلاقة الزوجية رغم سنوات الارتباط، مما يضطر كل طرف منهما إلى خلق الأسباب ليخوض بها مع الشريك معركة جديدة، خالقاً بها «توترات» أخرى والتي يعود اللوم فيها إلى كلا الطرفين، موضحا أن الزواج قد يكون بني على حب مسبق، لكن بعد سنوات من الزواج تصبح العلاقة أمراً مفروضاً ومفروغاً منه لتربية الأبناء، وتلبية الاحتياجات الجسدية والمالية، فتبدأ العواطف بالتلاشي، مما يجعل الزوج يبدأ بالبحث عن متنفس لتلك العواطف المتقدة خارج أسوار المنزل، إضافة إلى انعدام الحوار والمشاكل التي لا تنتهي والتي تصل كنتيجة حتمية إلى الطلاق العاطفي، فعندما يختفي الحب ويحل الملل يغدو هذا النوع من الطلاق الخيار الوحيد للحفاظ على النسيج العائلي ومستقبل الأولاد.
العادات والتقاليد
ومن جهته يرى أبوعلي أن العادات والتقاليد تفرض على الشاب الارتباط بفتاة لا يسمح له بالتعرف عليها إلا عند الزواج وهنا تكمن المشكلة، لأنه بعد الزواج قد يكتشف الزوج أن هناك فجوة في العلاقة من خلال عدم التكافؤ عقلياً وثقافياً، ويشدد أبوعلي على أهمية الحوار بين الطرفين لأنها تعيد الحيوية للحياة الزوجية، لأن الصمت الدائم تعبير عن مدى فشل العلاقة، التي تؤدي إلى الطلاق العاطفي بين الزوجين.
مكابرة
وتقول بثينة التميمي موظفة: إن الطلاق العاطفي يأتي نتيجة مكابرة في التعبير عن المشاعر لكلا الطرفين، لأن المرأة بطبعها خجولة في الإفصاح عن مشاعرها التي من المفترض أن تثير الرجل دون المباشرة في ذلك، والرجل يرى أن كبرياءه يمنعه أيضاً في الإفصاح عن مشاعره، هذا ما يجعل المرأة تهمل نفسها، وتجعل الرجل يغرق نفسه بالعمل والعلاقات الاجتماعية خارج المنزل، مما يقيم علاقات غرامية أو يفكر في الزواج من أخرى، لذلك لابد من كسر الروتين اليومي للحياة الأسرية، والحرص على التغير المستمر.
تكنولوجيا
أما أم جاسم فلها قصة مختلفة أدت إلى الطلاق العاطفي وسببها التكنولوجيا، تقول: «لدي ثلاثة أطفال، مرت السنوات الأربعة من زواجي بسعادة، لكن منذ عام وزوجي مدمن إنترنت معظم وقته على مواقع التواصل الاجتماعي الأمر الذي انعكس سلباً على حياتنا الزوجية وعلى علاقته مع أولاده، وبالتالي انعدم الحوار بيننا، إلى أن وصلت علاقتنا إلى الطلاق العاطفي».
انعدام الحوار
وتؤكد الاختصاصية النفسية الدكتورة موزة المالكي أن الطلاق الحقيقي أفضل من الطلاق الصامت بين الزوجين، لأن بعد الانفصال من الحياة الزوجية بينهما، يعلم أي من الزوجين ما له وما عليه، لكن الطلاق الصامت يدمر العلاقة ويشيع الهواجس والظنون.
موضحة أن أسباب الطلاق العاطفي هو عدم الاهتمام بالشكل وإغفال خفة الروح والتقليل من أهمية الطرف الآخر، وانعدام الحوار بين الزوجين، وإخلاء المشاعر، وانعدم العاطفة والود وهذه المشاعر تنعكس سلباً على جميع أفراد الأسرة.
الحل
وبينت المالكي أن الحل يكون من خلال الوقاية قبل الزواج، مثلاً على الرجل الذي ينوي الزواج أن يرى الفتاة التي يريد الارتباط بها قبل الوقوع في مطب الطلاق العاطفي، ويتحدث معها ويرى إن كانت تناسبه أم لا، ومدى تقبل البعض للآخر، لكن هذا الكلام مرفوض في مجتمعنا، وبهذا الخصوص تقول المالكي: «العادات والتقاليد تمنع الشاب رؤية الفتاة التي ارتبط بها، إلا في ليلة الزفاف، وهذا خطأ».
وتضيف المالكي: في حال وقع الطلاق العاطفي فالحل يكون بيد الزوجين من خلال تجديد حياتهما، عن طريق السفر لبلد آخر لإعادة التوازن لحياتيهما أو الحجز في الفندق الذي قضيا به شهر العسل. وتسرد الدكتورة المالكي عن فكرة هامة قامت بها جواهر القاسمي وتمت دعوة المالكي لها، وهي عبارة عن رحلة عمل لـ10 أزواج إماراتيين تمت دعوتهم للإقامة في إحدى الفنادق ومن خلال الإقامة كانت هناك جلسات سرية بين الأزواج مع معالج نفسي للحديث عن المشاكل التي أدت إلى الطلاق العاطفي، وتبين المالكي أنه وبنهاية رحلة العمل حصلنا على نتائج إيجابية جداً فكانت فكرة مذهلة.
وخلال سؤالنا للدكتورة المالكي لماذا لا يتم تطبيق هذه الفكرة في قطر، تجيب: «الرجال في قطر لا يقبلون بمثل هذه الأفكار، وأتمنى أن تتغير هذه النظرة لديهم».
وجود شكلي
وتعرف المالكي الطلاق الصامت على أنه علامة من الزوج لزوجته بأنها قامت بفعل جعله يقطع علاقته بها بطريقة يظن أنها لا تؤذيها أو تؤذي أطفالها، وفيها يعيشان معاً، ولكن لا حديث بينهما، ولا يدور بينهما أي أمر، مجرد وجود شكلي له، بينما يخلق هذا التصرف من قبل الزوج حاجزاً نفسياً بين الزوجين، وكثيراً ما تلجأ بعض النساء إلى الصمت والحزن تجاه هذه الشكوك، بينما تلجأ أخريات إلى المصارحة والاحتجاج أحياناً، مما يؤدي إلى خلق فجوة أكبر، وقد تستمر الحالة طويلاً بينهما، لتصل الحال إلى الانفصال المعلن وفي أغلب الأحوال فإن الطلاق الصامت يحدث خشية أن يتسبب الطلاق التام في تشرد الأولاد، وخوفاً من كلام الناس، كما يعتقد الزوجان، وقد لا تطلب المرأة الطلاق لعدم وجود عائل لها ولأولادها غير زوجها، لذلك تفضل الطلاق الصامت، وتفضل الإهانة النفسية وتحمل الذل وبقاءها مع زوجها شكلاً أمام الناس وأهلها وأبنائها.
عدم تحمل المسؤولية
وتشير الدكتورة المالكي إلى أن من أصعب حالات الطلاق التي تحدث بين الزوجين هي الطلاق العاطفي أي حدوث الانفصال بين الزوجين عاطفياً وهم يعيشون في منزل واحد، مضيفة أنه حالة شائعة تقتل الحب وتشوه النفس من الداخل، وتدمر العلاقة بين الزوجين. لأن الزوجين يعيشان منفردين عن بعضهما البعض، رغم وجودهما في منزل واحد ولكنهما يعيشان في عزلة عاطفية، ولكل منهما عالمه الخاص البعيد عن الطرف الآخر ولا يشتركان في أي أنشطة، اللهم إلا الأكل والشرب أمام الأولاد أحياناً.
إدارة الحياة الزوجية
الداعية الدكتور أحمد الفرجابي المستشار الشرعي لدى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قال : إن الأزواج والزوجات يمكن أن يدخلوا الجنة في إحسانهم إلى بعضهم، ونوه في حديث لـ «العرب» إلى أن إصلاح البيت يقود إلى إصلاح المجتمع.
وبيَّن الدكتور الفرجابي أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول مما ورد في صحيح مسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) فصلاح الرجل يقود البيت إلى الخير، فما أعظم أن يجعل الجميع رجالاً ونساءً نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم قدوتهم ورائدهم فيستنون بسنته ويهتدون بهديه ويسيرون على طريقه في حياتهم كي يصل بهم في النهاية إلى النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج الكبيرة والصغيرة والأرملة والبكر، وتزوج من الأقارب ومن الأعداء، وتزوج ممن عاشوا في بيئة يهودية أو نصرانية، وتزوج ممن لديها أبناء.. كل ذلك ليكون قدوة، ويضع نبراسا لكل من أراد أن يجد مثالا سابقا في حياته يتأسى به؛ فتنوعت زوجاته ضمن بيئات وأوضاع مختلفة، لكنه أسعد الجميع، وأقام في بيوته العدل والحق، ورسم الطريق والقدوة للجميع.
وأشار الفرجابي إلى قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}، فالله تعالى قال {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} ولم يقل لتسكنوا معها، وللأسف كثير من الأزواج يسكن مع أهله لكنه لا يسكن إليهم، فالسكن هو المحبة والرحمة والسعادة والطمأنينة وراحة البال، والله يقول: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} ولم يقل محبة؛ لأن كلمة الحب على قدرها وعظمتها إلا أن كثيرا من الناس دنس هذه الكلمة واستخدمت في غير مواضعها ولم يقدرها الناس قدرها، فقال الله تعالى {مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}، وهي أصل العلاقة بين الرجل وامرأته، فالعلماء حاولوا أن يفسروا المودة والرحمة، فقالوا هي المودة والرحمة المتجددة الدائمة، وهذا الود لا يتحقق إلا لمن حافظ عليها من الأذى.
والرحمة أن يطعمها وهو جائع ويعطيها وهو محتاج، والله تعالى يقول: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} فإذا كان اللباس جمال فالحياة الزوجية جمال وإذا كان اللباس ستر فالعلاقة الزوجية ستر، وإذا كان اللباس أقرب شيء للإنسان فالعلاقة الزوجية أقرب ما يكون من الزوجين بعلاقة كلها مودة ورحمة قائمة على هدي وسنة محمد صلى الله عليه وسلم.
مواقف النبي في إدارة الأسرة
وأوضح الفرجابي أن الحياة الزوجية عند المسلمين أكبر مما يتصور الكثيرون، الحياة الزوجية تخفف عن الإنسان، تمسح الدمعة وتبث الخير والطمأنينة والهداية، وكثير من الرجال سيدخلون الجنة بإحسانهم لزوجاتهم، وكثير من النساء سيدخلن الجنة برضا أزواجهن عنهن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة)، هذا هو ديننا الذي ندين به لربنا سبحانه وتعالى، الذي أمرنا بالصلاة والصيام، وهو الذي قال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، والمعروف لا يكون إلا ببذل الندى وكف الأذى والصبر على الجفا.
وكان هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبذل الندى وكف الأذى -وحاشاه أن يكون له أذى- وصبر على الجفا صلى الله عليه وسلم، بل حول كثيرا من مواقف الحرج إلى طرفة ومواقف خير وبر يسطرها عنه التاريخ في تعامله مع المرأة.
وعرض الدكتور الفرجابي كثيرا من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته في لفتة قرب ومعايشة لبيوت النبي الزوج والأب الحنون؛ فهذه عائشة رضي الله عنها تغار وتكسر صحن أم سلمة -أو حفصة- بحضور الصحابة ضيوف النبي صلى الله عليه وسلم، فما زاد عن قوله: (كلوا غارت أمكم.. كلوا غارت أمكم)، حتى شعرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالذنب، فقالت: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: (يا عائشة طعام بطعام، وإناء بإناء)، بكل محبة ورفق وتعقل، فما عنف وما غضب وما عاقب.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع زوجته كزوج وليس كنبي، فلما اختصم هو وعائشة وأرادت حكما فخيرها بين عمر وأبي عبيدة وأبي بكر فاختارت أبا بكر، فلما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأخلاق ونبي الرحمة تتكلمي أو أتكلم يعني تبدئي أنت أم أبدأ أنا؟ فقالت: تكلم ولا تقل غير الحق، فلطمها الصديق على وجهها، فاحتمت بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال للصديق: ما لهذا دعوناك ولا بهذا أمرناك، واسترضاها صلى الله عليه وسلم فسمع أبو بكر ضحكاتهما؛ فقال: أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما. قال عليه السلام: قد فعلنا.
استوصوا بالنساء
وبيَّن الفرجابي أن الشريعة الإسلامية دائما ما تتوجه بالنداء والخطاب إلى الرجل مثل: (استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم)، والوصية لا تكون إلا من الكبير للصغير أو من القوي للضعيف، لكن نحن مشكلتنا أننا رغم أن شريعتنا الغراء كرمت المرأة وأعطتها من الحقوق والرعاية ما لم تعطه في أي بيئة أخرى، فإن بعض الناس ما زال يعامل المرأة على ما وجد عليه قومه، حتى إن خالف ذلك هدي نبيه وشريعة ربه فالأفارقة دخلوا الإسلام لكن ما زال الكثير يعامل المرأة بنفس طريقة المجتمع الذي نشأ فيه وكذلك الفرس، وكثير من العرب لا يعرف شيئا عن المرأة غير أنه يأمر وينهى وكأنه مدير في عمله ومكتبه، ويتعامل مع زوجته وأبنائه كأنهم موظفون عنده وهذا ليس من هدي محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يتشاور مع نسائه ويتكلم معهن ويسمع منهن وينزل في بعض الأمور على رأيهن، ويبين لهن ما قد يحيك في صدورهن؛ لأن المرأة في طبيعتها عاطفية تفكر بعاطفتها وقد تذهب بها عاطفتها إلى تخيل وتوقع أشياء لم تحدث ولا تكون من الرجل، فهذه عائشة رضي الله عنها تقوم بالليل فلا تجد النبي صلى الله عليه وسلم بجوارها فتتحسسه في الظلام فتجده ساجدا قد صف قدمه يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، فقالت أنت في شغل وأنا في شغل تقصد أنها ظنت أنه ذهب لبعض أزواجه وإنما هو في طاعته لربه يناجيه. ولما خرج ليلا إلى البقيع وتتبعته فلما رجع وقد رجعت مسرعة أمامه وتظاهرت بالنوم فقال ما لك يا عائشة؟ قالت لا شيء قال لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير فأخبرته أنها ظنت أنه ذهب لبعض نسائه.
يقول الشيخ: فهنا وضح لها النبي صلى الله عليه وسلم ما كان من الأمر لئلا يذهب الشيطان بها كل مذهب وتظن بزوجها الظنون، قال فضربها على صدرها، وقال أخفت أن يحيف الله عليك ورسوله وأخبرها أن جبريل أتاه فدعاه أن يخرج للبقيع ويستغفر لأهله، لكنه خرج في هدوء لكي لا يوقظها ويزعجها.. وهكذا ينبغي أن يفعل كل رجل يوضح لزوجته ويبين لها، فبعض الأزواج يجد من الكبائر أن تسأله زوجته أين كنت أو إلى أين أنت ذاهب ويستعظم هذا في نفسه رغم أن خير الناس وسيد الخلق لم يجد في نفسه حرجا من ذلك، فالخير كل الخير في فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفي سنته وهديه، فمن أراد صلاح بيته وزوجته وفلاح أبنائه فليلزم هدي نبيه صلى الله عليه وسلم وليمض على طريقه ويتأسى به في أفعاله؛ فلنا فيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا.
حسن العِشرة
فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن حسن المريخي دعا الأزواج إلى حسن التعامل والعشرة بالمعروف مع الزوجات وبذل الخير واتباع سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وقال إن الرجل قد يكون صواماً قواما لكنه لا يحسن التعامل مع زوجته، وهناك زوجات متعلمات ويكدرن الحياة الزوجية، وكذلك بعض الناس يجهل قدر الزوج أو قدر الزوجة، فكثير من الزوجات كان لهن دور في حماية أزواجهن من المخدرات، ومن طريق الهلاك والبعد عن صحبة السوء، وكم من الأزواج أعانوا زوجاتهم على طاعة الله والقرب منه وحسن الرعاية والعشرة بالمعروف.
وعلى الزوج احترام الزوجة وإكرامها فهي سيدة بيته وأم أولاده وموضع سره ونجواه وهي سَكنه الذي يَسكن إليه ومحل راحته وراحتها. وقد أنعمَ الله تعالى على الرجال بأنّ جعلَ لهم المرأة رفيقة حياتهم والوالدة لأولادهم، فلا استعباد ولا استبداد ولا قهر ولا قمع بل محبة وودادٌ وتفاهم واحترام متبادل، فهل رأيتم أو سمعتم توجيهاً أجملَ من توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخوفُ الرجال أن يتساهلوا في الحق الذي عليهم لأزواجهم وعيالهم بقوله عليه الصلاة والسلام: (كفىَ بالمرءِ إثماً أن يُضيعَ نفقة من يقوت) رواه أبو داود، فما أعظمه من توجيه نبوي كريم من الآداب النبوية يدفع إلى حفظ الأسر والمجتمعات من الضياع والفوضى، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام أوصىَ بمداراة المرأة وتحمل ما يقع منها والإغضاء عن بعض التقصير الذي قد يحصل من كثير من النساء؛ فعلمّنا عليه الصلاة والسلام آداب العشرة الزوجية من ملاطفةٍ ومزاح واستشارة في بعض الأمور والأحيان، وضربَ لنا مثلاً بنفسه؛ حيث قال عليه الصلاة والسلام: (خَيرُكم خيرُكم لأهلهِ وأنا خَيرُكم لأهلي) رواه ابن حبان.
ومن حقوق الزوج على زوجته أن تطيعه فيما أمر الله، ووردَ في حث المرأة على طاعة زوجها وإرضائه فيما لا معصية فيه، وقد قال عليه السلام: (أيما امرأة ماتت وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة)، فالمرأة إذا صبرت على زوجها وأحسنت إليه بما يحب كان لها عند الله ثواب عظيم، وطاعة المرأة لزوجها ليست طاعة إذلال بل طاعة مودةٍ وحنان، فكما أنَّ للرجل آداباً في حُسنِ معاشرة زوجته كذلك على المرأة آداب في حسن معاشرتها لزوجها الذي له الفضلُ الكثير، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لو كُنتُ آمراً أحداً أن يَسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تَسجُدَ لزوجِها)، معناه سجودَ تحية واحترام وليس عبادة، ولكن حتى هذا السجود الذي للاحترام حرمه رسول الله على أمته، ولو كانَّ حلالا لكانَ أولىَ الناس بفعلهِ المرأةُ لزوجها.
عدم الاستقرار
والطلاق العاطفي غير ظاهرٍ للعيان، إلى جانب إمكان وقوعه من دون انفصال الزوجين فعلياً. والمحزن في الأمر أنه يحرم الأطفال من البيت المستقر الآمن الطبيعي المترع بالدفء والحب والحنان، ويجعلهم يعيشون في جو بارد محبط مؤلم، قد يمزق شخصياتهم ويصيبهم ببعض الأمراض النفسية الخطيرة كمرض الانفصام. وحالات الطلاق العاطفي في مجتمعنا أصبحت كثيرة، وأن النتيجة المنطقية للطلاق العاطفي بين الأزواج هي أن ينتهي بالطلاق الفعلي ليستريح كل من الزوجين ويبحث له عن شريك آخر مناسب يبادله العواطف وجمال الحياة.
وتضيف: للأسف فإن الكثير من الأزواج يهملون الحياة العاطفية بعد مجيء الأولاد ومضي سنوات على الزواج وتصبح العلاقة بينهم أمراً مفروضاً أو مفروغاً منه وينتهون في أغلب الأحيان إلى إهمال العاطفة بشكل دائم ليحل محلها الملل والاعتياد والروتين. مبينة أن الحفاظ على الحب بعد الزواج مسؤولية تقع على عاتق الزوجين، وعلى عاتق الأسرة، والمجتمع بأسره، وتحتاج إلى تكاتف كل الجهود.