آثار وأهرامات حضارة السودان تتحدث عن نفسها
منوعات
21 فبراير 2015 , 01:17ص
عندما انعطف أحمد خريف بسيارته خارجاً من الطريق الممهد إلى طريق ترابي تترنح السيارة فوقه لوعورته، صاح قائلا: «إن كل الطرق أصبحت الآن تماثل هذا الطريق»، وأينما يمتد البصر في كل الاتجاهات لا تقع العين إلا على بضع شجيرات متناثرة، وجدار ترابي بني اللون.
وتبدو السيارة متهالكة لدرجة أنه لا يوجد مقبض لبابها، ويستخدم أحمد مفكا لفتح الباب، بينما اختفى زجاج نوافذها الجانبية.
قد يتساءل الزائر ما إذا كان سيقدر له العودة من هذه الرحلة التي يقطع خلالها الصحراء السودانية داخل مركبة متهالكة، ليتوجه إلى أحد أهم الكنوز الثقافية في السودان، في مدينة النقعة القديمة التي تقع على مسافة 37 كيلومتراً من نهر النيل، وهي بعيدة عن أية بلدة أخرى.
ويعتمد الزوار الذين يجوبون السودان ويريدون مشاهدة بعض المعالم على السكان المحليين في حالة عدم سفرهم مع مجموعة.
ويقيم أحمد خريف في شندي وهي مدينة صغيرة تطل على النيل وتبعد بمسافة 130 كيلومتراً عن شمالي العاصمة الخرطوم، ويوافق نظير بضعة جنيهات سودانية على اصطحاب السياح إلى مدينة النقعة، وشيد هذه المدينة حوالي عام 250 قبل الميلاد الحكام النوبيون لمملكة كوش الغابرة.
وكانت النقعة تعد بوابة المرور إلى الجنوب في العالم القديم، وفقا لما يقوله ديتريتش فيلدونج الذي يشرف على المشروع البحثي حول النقعة بمتحف الفن المصري بمدينة ميونيخ الألمانية.
ويقول فيلدونج: إنه «عندما كان التجار والقوافل يسافرون من شرقي إفريقيا إلى شمالها ويدخلون مدينة النقعة، كانوا يرون لأول مرة مدينة تمثل بالنسبة لهم عالماَ من الثقافة الرفيعة».
ولا يزال الزائر اليوم يستطيع مشاهدة معبد آمون، ومعبد الأسد، وأيضا معبد حاتحور وهو مبنى يضم عناصر معمارية من العصر الهيليني الذي يمزج بين الحضارة الإغريقية وحضارة جنوب البحر المتوسط، بينما يقع في الجوار ما يعرف باسم المعبد الروماني الذي شيد بطراز لاتيني.
ويضيف فيلدونج أنه بالنسبة للسكان الذين كانوا يعيشون في ذلك العصر القديم كانت صورة المكان عبارة عن خليط كوزموبوليتاني يجمع بين مختلف الأنماط المعمارية الرائعة للعالم الغربي وقتذاك.
وحتى بداية عمليات الحفريات الأثرية التي أجريت مؤخراً ظلت النقعة مدينة بكر منذ العصور القديمة، على الرغم من أن المستكشفين الأوروبيين زاروها في القرن التاسع عشر ووضعوا خططا للتنقيب عن آثارها.
وبفضل الحفاظ على حالتها التاريخية حيث يمكن تحديد تاريخ كل أثر فيها، تعد النقعة منجما أثريا ذهبيا، وهو ما أدركته دول الخليج الثرية، ويقوم حاليا المشروع القطري السوداني للتنقيب عن الآثار ويدار من الدوحة بتمويل 38 عملية للحفريات الأثرية.
كما خصصت قطر مبلغ 3.1 مليون دولار ( 2.8 مليون يورو) لبناء متحف.
غير أنه لا يبدو أن دول الخليج ستخصص أموالاً لتطوير الطريق المؤدي إلى مدينة النقعة، وبالتالي فمن المرجح أن يظل وعراً، لا تستطيع اجتيازه إلا العربات الرياضية الكبيرة الحجم التي تمتلكها بضعة مكاتب تجارية تنظم جولات سياحية إلى هذه المدينة، أو السفر عليها بنوعية السيارات المتهالكة مثل تلك التي يستأجرها أحمد خريف.
وبعد أن يصطحب أحمد ضيوفه في الرحلة إلى النقعة يعود بهم مرة أخرى إلى شندي سالمين، ويودعهم قائلاً «مع السلامة».
وتستمر الرحلة بحافلة محلية تتجه صوب الشمال على طريق مواز للنيل، وتبدو ومضات في الأفق من شدة الحر، ولا يمكن رؤية أي معلم على الطريق سوى الرمال والشجيرات الجافة وبضعة إطارات قديمة للسيارات ملقاة هنا وهناك، والمكان التالي الذي يستحق المشاهدة يقع على مسافة 50 كيلومتراً.
وهناك تقع أهرامات مروى، حيث تم دفن حكام مملكة كوش خلال الفترة بين 300 عام قبل الميلاد و300عام ميلادية.
وتأثر بناة هذه الأهرامات بشدة بعقيدة الموت عند قدماء المصريين، وتكسو المقابر الصغيرة العديدة المشيدة على هيئة أهرامات أطلال مدينة مروى الملكية بجو من الروحانية.
وتقع المقابر على مسافة قصية تقطع سيراً على الأقدام من الطريق، ويقع بالقرب من الأهرامات منزل صغير يشتري الزوار منه التذاكر.
ويعرض رجل يدعى عبده على الزوار نزهة على ظهر جمل إلى مخيم شيدته شركة سفر إيطالية عام 2000 وجعلته دائما.
ويحب الدبلوماسيون ورجال الأعمال بالخرطوم قضاء ليلة في هذا المخيم الفاخر، ومعهم مجموعة من السياح الأغنياء معظمهم من أوروبا والولايات المتحدة.
ويقدم فاضل مبارك المدير السوداني للمخيم نصيحة للسياح «من الأفضل أن تزوروا السودان الآن، قبل أن تدمرها السياحة الكثيفة».
ويستشهد مدير المخيم بما حدث في مصر عندما كان السكان المحليون يتعقبون السياح ويزعجونهم بطلب البقشيش حتى مقابل أية خدمة بسيطة.
ويعرب عن خشيته من أن يحدث نفس السلوك في السودان.
ويستمر الطريق إلى الهدف النهائي لأية رحلة داخل السودان شمالا عبر بلدة كريمة وصولا إلى جبل البركل المقدس الذي تقع تحت سفحه مدينة نبتة.
هذه هي رحلة في العمق إلى ماضي بلاد النوبة، ومنذ عام 750 قبل الميلاد كانت مدينة نبتة عاصمة مملكة كوش، ولكن هذه المدينة تأسست قبل ذلك بوقت طويل، حيث شيدها الفرعون المصري تحتمس الثالث حوالي عام 1450 قبل الميلاد، واليوم أدرجت منظمة اليونسكو المدينة والجبل في قائمتها للتراث العالمي.
ويفضل السير إلى جبل البركل في وقت العصر حينما تخف درجة الحرارة، ولأن المنطقة أسفل الجبل مسطحة مثل وادي النيل، فإن المنظر من فوق الهضبة الصخرية للجبل أكثر من رائع، حيث يشمل ضفاف النيل ومنارات بلدة كريمة والصحراء الشاسعة المحيطة بالمكان.