منع الدروس الخصوصية بالمغرب.. خطوة توقف الابتزاز

alarab
منوعات 21 فبراير 2015 , 01:17ص
في منتصف شهر ديسمبر الماضي، اتخذت وزارة التربية الوطنية بالمملكة المغربية، باعتبارها الوصية على قطاع التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، قرارا يقضي بمنع المدرسين من إعطاء دروس خصوصية لتلاميذهم، وهو الأمر الذي نزل كالصاعقة على المعلمين والأساتذة الذين يتخذون من الدروس الخصوصية مصدرا آخرا للرزق إلى جانب رواتبهم الشهرية التي يتقاضونها من خزينة الدولة.
فعندما أصدرت وزارة التربية والتعليم مذكرة رسمية في الموضوع، ووضعت سدا منيعا في وجه الأساتذة بعدم فتح باب الدروس الخصوصية للتلاميذ الذين يدرسون في فصولهم، كانت تهدف من هذه الخطوة وقف نزيف دام لسنوات طوال داخل المجتمع المغربي الذي تفشت فيه ظاهرة الدروس الخصوصية المنظمة من قبل أساتذة يجبرون تلاميذهم وأحيانا «يكرهونهم» على قبول ذلك، مقابل منحهم نقطا تؤهلهم للانتقال من قسم إلى آخر.
فالدروس الخصوصية، أو ما يعرف اختصارا عند المغاربة بـ «المراجعة»، ظاهرة التصقت بمعلمي التعليم العمومي وبقيت لمدة من الزمن من المحظورات التي تكتم بشأنها مسؤولو التربية والتعليم وكذا العائلات التي باتت ترهقها ماديا تخصيص مبالغ إضافية تقدم لأساتذة ومعلمين عند نهاية كل شهر. وحكايات»الأسر المتمردة» عن قبول استفادة فلذات أكبادها من الدروس الخصوصية المنظمة من قبل الأساتذة عجيبة بل أحيانا تصل إلى حد الغرابة.
بيد أن هناك معلمين وأساتذة يفرضون على تلامذتهم الاستفادة من دروسهم الخصوصية في بداية السنة، «كما لو أن الأمر ضروري بل ويدخل ضمن لائحة الأدوات التي نتوصل بها عند بداية السنة»، توضح نعيمة، أم طفلة تتابع دراستها في المستوى الرابع من الابتدائي في أحد الأحياء الشعبية بمدينة سلا، المجاورة للعاصمة الرباط. المعلمون، حسب المتحدثة، يلزمون كافة التلاميذ بالالتحاق بالدروس الخصوصية سواء كان مستواهم الدراسي يتطلب ذلك أم لا، المهم أن يضمن المعلم «أجرا إضافيا» يفوق أحيانا الراتب الذي يتقاضاه من خزينة الدولة، علما أن الثمن المفروض على العائلات يفوق في كثير من الحالات مئة درهم في الشهر، ما يعني أن المعلم يمكنه أن يحصد مبلغا ماليا يفوق 5000 درهم في الشهر بالنسبة إلى قسم واحد فقط.
وزارة التربية الوطنية فطنت إلى خطورة هذا الأمر، علما أن من يرفض الاستسلام لهذه الدروس، غالبا ما يتعرض إلى «عقوبات» من نوع خاص، بيد أنه يدخل في «زمرة المتمردين»، ويكون جزاؤه الإقصاء والتهميش داخل الفصل الدراسي، ولا يأخذ مكانة اعتبارية لدى مدرسه، إلا إذا رضخ للدروس الخصوصية وانخرط فيها وانضم إلى أفواج التلاميذ الذين يلتحقون إما بشقق معلميهم حيث تقام هذه «المراجعات»، أو إلى شقق يستأجرها هؤلاء المدرسون لاستقبال المستفيدين من الدعم المدرسي. ولقد تنفست عدد من العائلات الصعداء بعلمها بقرار الوزارة التي منعت الدروس الخصوصية، مقابل حث هيئة التدريس على الاجتهاد خلال الحصص الدراسية الرسمية وتفادي «المراجعة»، وتصريف الجهود المخصصة خارج أوقات الدراسة لتكثيف الجهود ودعم قدرات التلاميذ وفتح أمامهم إمكانية الاستفادة من دروس الدعم والتقوية التي تقرها الوزارة رسميا وداخل المؤسسات التعليمية العمومية، هذا الأمر الذي لا يستفيد منه التلاميذ، بل هناك من لا علم له بهذه الإمكانية المتاحة والمفتوحة في وجه من لديهم تعثرات تعليمية ومعوقات تحول دون تحقيق التحصيل الدراسي.
فالإرغام على الدروس الخصوصية لا يأتي بنتيجة، يوضح عبد الحفيظ، أستاذ العلوم الفيزيائية بالسلك الثانوي الذي بعد أن نوه بقرار وزارة التربية الوطنية، كشف أن هناك أساتذة في المقابل، يقدمون دروسا لكن لفائدة تلاميذ غير تلاميذهم، «وهو أمر في تقديري مسموح به على اعتبار أن هناك أساتذة لديهم كفاءات عالية يمكن للتلاميذ الاستفادة منها، دون أن تكون لهذه الصيغة أي انعكاسات أخلاقية أو مهنية»، يقصد أن الأساتذة الذين ينخرطون في إعطاء دروس الدعم لغير تلاميذهم لا يخالفون لا القانون ولا كونهم يدخلون في زمرة من يبتزون تلاميذهم ويكرهونهم على الدروس الخصوصية.
واعترف عبدالحفيظ كون هذه الصيغة بدورها تدر على الأساتذة، خصوصا المتخصصين في المواد العلمية مثل الرياضيات والفيزياء أو المتخصصين في اللغات الحية، مبالغ مالية كبيرة بالنظر إلى أهمية هذه المواد ومكانتها في النظام التعليمي المغربي، فالحصة الواحدة يمكن أن تتجاوز300 درهم للساعة، وكلما اقترب موعد الامتحانات، كلما ارتفعت هذه الأسعار إلى مستويات صاروخية، علما أنه توجد إلى جانب كل ما ذكر سالفا معاهد خاصة بدأت تتخصص في تقديم دروس الدعم لفائدة التلاميذ من مختلف المستويات وبأثمنة مناسبة. وارتباطا بقرار وزارة التربية الوطنية لمنع المدرسين من الدروس الخصوصية لفائدة تلاميذهم بغية ضمان مردودية أكبر داخل أقسام الدراسة، فقد أعلنت الوزارة كذلك وبشكل صريح وواضح منع الترخيص للعاملين في قطاع التعليم العمومي من التدريس في القطاع الخصوصي، ومنحت مهلة إلى غاية بداية السنة الدراسية المقبلة، حتى يتسنى لأرباب مدارس التعليم الخصوصي والقائمين عليها تدبير أمورهم بعد الاستغناء عن أساتذة التعليم العمومي وكذا المفتشين الذين يلتحقون لإعطاء ساعات إضافية بها، وهو الأمر الذي كان مسموحا به لسنوات، غير أن وزير التربية الوطنية الحالي رشيد بلمختار شدد في أكثر من مناسبة على أنه لن يتسامح مع من سيخرق هذا القرار، الذي سيضمن في العمق جودة العطاء داخل الأقسام العمومية وكذا سيفتح الباب أمام العاطلين لإيجاد شغل في مؤسسات التعليم الخصوصي.
وقد برز في الواجهة نقاش محتدم بين مؤيد ومعارض لقرارات وزارة التربية الوطنية التي تسعى عقلنة القطاع وضمان حقوق التلاميذ. المؤيدون ينطلقون من كون هذه المبادرات تدخل في سياق الإصلاح الشامل للمنظومة التعليمة ومحاولة ترميم عيوب التعليم الذي عانى منذ استقلال المغرب من عدة ثغرات وصعوبات، ويعلقون آمالا كبيرة على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين تلاميذ القطاعين العمومي والخصوصي والسعي إلى تجويد منتوج المدارس العمومية التي مازالت تستحوذ على حصة الأسد. في ما يذهب تيار الرافضين إلى دعوة الوزارة إلى تحسين ظروف العمل في المدارس العمومية التي تشكو من عدة مشاكل أبرزها الاكتظاظ وغياب الظروف المواتية للعطاء العلمي، فكم من معلم ومعلمة يشتغلون في مناطق نائية لا يتوفر فيها الحد الأدنى للعيش الكريم، وكم من هؤلاء يضطرون لقطع مسافات طويلة فوق ظهور البغال أو مشيا على الأقدام في مناطق وعرة للوصول إلى فصول دراسة منعزلة وتضم تلاميذ من مستويات تعليمية مختلفة.