د. علي عفيفي علي غازي يكتب لـ «العرب»: مكتبة علي بن عبدالله الفياض.. إشعاع ثقافي ينطلق من الشمال

alarab
ثقافة وفنون 20 ديسمبر 2021 , 12:50ص
الدوحة - العرب

تؤكد المصادر التاريخية أن الأندلس في ظل الحكم الإسلامي، قد شهدت بزوغ عدد كبير من المكتبات الخاصة، ما لا يمكن إحصاؤه، إذ قدرته بعض الدراسات بالآلاف، فتشير إلى أن كل الميسورين كانوا حريصين على أن يقتنوا الكتب، وكانوا يكلفون الخطاطين بنسخها من مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وكان بعضهم يقدر الكتب بوزنها ذهبًا.
وتشهد دولة قطر مؤخرًا صحوة ثقافية، تعود جذورها إلى عصر المؤسس، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، إذ اهتم شيوخ آل ثاني، وكبار رجالات القبائل، والميسورون، باقتناء الكتب، وخاصة النوادر منها، وترميمها وحفظها، وإتاحة بعضها للقراء من خلال تأسيس مكتبات ومتاحف خاصة، تجمع بين جدرانها ما جمعوه في رحلة عمرهم، فكل كتاب فيها تكون له قصة في سبيل اقتنائه تمثل جزءًا من الكتاب. 
وقد حرص علي بن عبدالله الفياض، على مدار أكثر من 45 عامًا على السفر والبحث والتنقيب في سبيل اقتناء نوادر الكتب، سواء أكانت مطبوعة أو مخطوطة، بالإضافة للدوريات وبعض المقتنيات التراثية، وخلال رحلة حياته هذه استطاع أن يجمع أكثر من عشرين ألف عنوان، من الممكن تصنيف جزء كبير منها في إطار نوادر المطبوعات والمخطوطات والدوريات، بالإضافة إلى آلاف المجلات والصحف القديمة، وغيرها من المقتنيات التراثية، التي تؤرخ لجوانب من تاريخ قطر وتراثها، الذي تغير مع الحداثة والتطوير بعد تدفقات النفط.
يؤكد الباحثون في علم المكتبات، أن المكتبة تزداد قيمة إذا ما عُرفت قصة مقتنيها، ورحلة بحثه وسنوات عمره التي قضاها في سبيل جمعها؛ باحثًا عن كل كتاب فيها، وأمواله التي أنفقها في سبيل الحصول على كل نادر وثمين، بغض النظر عن ثمنه، فشغف جامع الكتب، وعاشق الثقافة، باقتناء الكتاب، لا يجعله يتوانى عن أن يدفع قوته في سبيل الكتاب، وهو ما يُضيف للكتاب قيمة أخرى لقيمته.
ومؤخرًا تم توثيق مكتبة علي بن عبدالله الفياض من خلال المؤسسات الثقافية، كما أجرت معه القنوات التليفزيونية أكثر من لقاء حول المكتبة، حيث عرف بمحتوياتها، وبتاريخه ورحلة كفاحه في سبيل جمع مقتنياتها، وبالتالي أضحت المكتبة جزءًا من التراث الثقافي القطري.
بدأت القصة في عام 1976، حين اهتم بجمع الكتب من مكتبات الدوحة، ومن المكتبات في القاهرة والكويت والسعودية وغيرها. ولم يترك مكانًا يعرض كتبًا في قطر، إلا وذهب إليه باحثًا عن نوادر الكتب، التي تخص قطر والخليج العربي، تاريخيًا، جغرافيًا، اجتماعيًا، آداب وفنون، أو لهجات وغيرها، فالمكتبة متخصصة، وتهتم بالدرجة الأولى بالمنطقة، ومن ثم فإنها لم تنشأ بين عشية وضحاها؛ بل كانت رحلة زمنية متصلة من الجمع والترتيب والتحقيق، تبدأ يوميًا من الشفق، وتنتهي في الغسق، فهي ليست خزانة للكتب؛ بل روح خليجية ثقافية، خرجت من مدينة الشمال لتُصبح مركز إشعاع ثقافي في كل أرجاء قطر، فللمكتبة الفضل في تزويد الكثير من الكتاب القطريين والعرب بالكتب والدراسات، التي يمكن اعتبارها مندثرة لندرتها.
وقد تم تدشين الموقع الجديد للمكتبة بمدينة الشمال في عام 2016، وتم إيداع كل ذخيرة الماضي، ورحلة البحث والاقتناء والجمع، التي امتدت قرابة 45 عامًا؛ لتكون مركز إشعاع ثقافي مضيئا من دولة قطر. وقد حظيت المكتبة منذ افتتاحها بمكانة كبيرة عند أهل قطر، وسجل الزوار شاهد على ذلك؛ فالمكتبة مقصد يومي للمثقفين القطريين.
تحتوي أرفف المكتبة على قسم دولة قطر، وهذا هو مرتكز المكتبة، وعنوانها القوي، البارز، ويضم كل ما يتعلق بقطر؛ تاريخ، جغرافيا، اقتصاد، فنون، آداب، اجتماع، سياسة، فلسفة، علوم وثقافة، تعليم، وبعض الصور والوثائق، وكتب نادرة، وطبعات قديمة. أما قسم الخليج العربي فيحتوي على إصدارات متنوعة، تمثل مجموعة مميزة من الكتب، التي تغطي معظم دول المنطقة: العراق، السعودية، الكويت، البحرين، الإمارات، سلطنة عمان، واليمن، وغير ذلك.
وبالمكتبة قسم للكتب الدينية (القديمة والنادرة)، به إصدارات قديمة جدًا، من بواكير الطباعة في العالم، وبعض الكتب التي طبعت على نفقة شيوخ دولة قطر؛ وكتب أخرى أشرف على طباعتها بعض علماء قطر والخليج، كالشيخ عبد الله الأنصاري، والشيخ إبراهيم الأنصاري، والشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، بالإضافة لأمهات كتب كبار العلماء العرب والمسلمين القدامى والمحدثين، وغير ذلك الكثير.
وأما قسم كتب الآدب واللغة والتاريخ والجغرافيا؛ فإنه يجمع كتبا متنوعة في الآداب واللغة والتاريخ الإنساني والجغرافيا، وبه مجموعات كاملة من المعاجم والقواميس وأمهات الكتب اللغوية والنحوية؛ لكبار المؤلفين المسلمين، معظمها طبعات قديمة نفدت، وبعضها طبع في دور نشر أغلقت أبوابها.
ويعتبر قسم المجلات والدوريات من أكثر أقسام المكتبة زخمًا وكثرة، فهو جامع لكل الإصدارات العربية منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم، وتتنوع محتوياته ما بين مجلات علمية محكمة، ومجلات ثقافية عامة، ومجلات متخصصة أسبوعية وشهرية، وصحف وجرائد يومية، بالإضافة لبعض الأعداد من الصحف القطرية القديمة والحديثة (الشرق، العرب، الراية، الوطن)، تؤرخ لتاريخ قطر في جوانبه المتعددة منذ عام 1990 تقريبًا. ويحتوي قسم الموسوعات على عدد كبير من الموسوعات والمنوعات الثقافية، التي تغطي جوانب كثيرة في العلوم الإنسانية. 
ولم يكتف الفياض بجمع واقتناء الكتب؛ فالمكتبة تعرض كذلك مقتنيات تراثية إسلامية وقطرية وخليجية وعربية، تتنوع ما بين لوحات الخط العربي، والصور والآلات القديمة، وأدوات الغوص، وأدوات القلاف، وغير ذلك، كما تحتوي المكتبة على عدد من المخطوطات التراثية القطرية المتنوعة ما بين العلوم الإسلامية، والشعر النبطي، وفي اللغة، وغير ذلك، وبها قسم للصور القديمة للعديد من الأماكن الجغرافية والتراثية والعمرانية القطرية، ترجع إلى الأربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وأخيرًا بالمكتبة صورة من بعض محتويات أرشيف وزارة المعارف القطرية، وخاصة ملفات الموظفين من الخمسينيات إلى السبعينيات من القرن العشرين، ولهذا فقد استعان كثير من المؤلفين بأرشيف المكتبة في مصادرهم، ولا تزال المكتبة تمثل مصدر إشعاع ثقافي قطري.