

«النجوم الثلاث» على قميصي لا تعني أنني الأفضل
المطبخ الإسباني رائع جداً وشديد التنوع
أحب الطاهي الياباني «نوبو» الذي يغلف الطعام بثقافة بلاده
برز مصطلح القوة الناعمة الذي صاغه جوزيف ناي مطلع تسعينيات القرن الماضي، والذي يعني أن تستغل مجالات حقوق الإنسان والثقافة والفنون وغيرها للتأثير في الآخرين بطريق غير مباشر أو كما يقول «أفضل الدعاية ليس دعاية».
التقينا مع الطاهي الإسباني العالمي داني غارسيا أحد نماذج هذه القوة الناعمة في حديث عن بداياته وآماله وبمن تأثر وما الذي يعجبه، وغير ذلك الكثير من الجوانب المختلفة في حياته، وكيف أن الدوحة مثلت انطلاقته للعالمية خارج إسبانيا وكان هذا الحديث التالي:
أولا تهانينا بالتقدير الذي حصلت عليه مطاعمك في الدوحة مؤخراً، وصف لنا احساسك وكيف تقارنه بما شعرت به عند حصولك على ثلاث نجمات ميشلان؟
- بكل تأكيد الاعتماد الذي حصلت عليه يمثل نقطة مهمة في حياتي المهنية، ولكن كوني طاهيا أو كنت أحلم بأن أكون طاهياً فإن نجوم ميشلان هي أقصى طموحي وقمة ما أصل إليه كطاه. وأكثر ما يسعدني هو أن تشعر بالسعادة عند تناول الطعام الذي أقوم بطهيه، هذا أهم شيء عندي. صحيح أنني حلمت كثيراً بنجوم ميشلان وسررت بها ولكن عندما حصلت عليها أحسست أنني ما زال لدي الكثير لأقدمه وإيصال ثقافتي وإرثي والطعام الإسباني إلى شتى بقاع الأرض، ولكن حلمي الذي أسعى إليه هو أن أؤسس مطاعم تقدم المطبخ الإسباني بأسعار في متناول البسطاء.
كيف تصف المطبخ الإسباني والأندلسي على وجه الخصوص، وما أهم ما يتميز به؟
- المطبخ الإسباني رائع جداً وشديد التنوع، فالذي تأكله في شمال المملكة يختلف عن الجنوب وهكذا، الأندلس بها ٨ مدن كبيرة وهناك تنوع مذهل، فالطعام الذي تتناوله في قادش مثلاً يختلف عما تجده في ماربيا، على شواطئ البحر المتوسط هناك قائمة طعام تختلف عن التي تقدم على بعد ساعة في مدينة جبلية، عموماً المطبخ الإسباني ثري للغاية وأنا أعتبره إلى جانب المطبخ الياباني من أهم وأقوى المطابخ على مستوى العالم وخاصة فيما يتعلق بالمأكولات البحرية.
كما علمنا أنك درست في مدرسة خاصة بالمطاعم، هل هذا كان حلمك منذ البداية؟
- عندما أخبرت أهلي بأني أريد أن أصبح طاهيا، تعجبوا في بداية الأمر وقالوا لي هل فكرت جيداً في الموضوع ألا تريد أن تصبح محامياً أو مهندساً، كان كل ما في مخيلتهم عن الطاهي أنه يعيش في ركن داكن بملابس ممتلئة ببقايا الطعام ويأكل طوال الوقت، ولكن مع مرور الوقت بدأوا يشعرون بمدى أهمية ما أقوم به حتى أصبحت ما أنا عليه ولدى العديد من الأصدقاء المحامين والمهندسين والأطباء ولكن ليسوا في شهرتي، وحياتي بالتأكيد أكثر متعة وإثارة الآن.
هناك من يتحدث عن عبقرية المكان، فعلى سبيل المثال إقليم توسكانا في إيطاليا أنجب كثيرا من الفنانين والموسيقيين، كيف أثرت ماربيا في الجانب الإبداعي لدى داني غارسيا؟
- أنا محظوظ للغاية كوني ولدت في ماربيا، لو كنت ولدت في لندن مثلاً لتأثرت بالثقافة والطعام وإيقاع الحياة السريع لا يترك لك مجالاً للإبداع، أنا مدين لماربيا بكثير من نجاحي فالثقافة التي ورثتها من أبي وأجدادي هي التي شكلت وجداني، وأمي وجدتي أثرتا في حبي للمطبخ فنحن نطبخ كثيراً في منزلنا هما ليستا محترفتسن بالطبع ولكن لديهما لمسة خاصة وحياتنا في أندلوسيا تتمحور حول المطبخ وطاولة الطعام، نتجاذب أطراف الحديث بينما نأكل، وكل شيء حولنا من مكونات الطعام على مرمى حجر فعندما نشتري زيت الزيتون لا نذهب للمتجر بل إلى صاحب الحقل الذي يصنع الزيت بنفسه، كذلك الحال بطبق شهير من سمك الأنقليس الصغير، نستقل سيارة لثلاث ساعات ونشتري السمك من الصياد مباشرة وهكذا.
قبل أن تصبح داني غارسيا الطاهي الشهير من كان مثلك الأعلى؟
-قضيت أول ١٨ عاما من مهنتي وأنا أتابع أعمال طهاة إسبان على مستوى عال مثل فيران أدريا ومارتين بيراساتيخي وهما من كبار الطهاة الحاصلين على نجوم ميشلان، هؤلاء كانوا مثلي الأعلى ومصدر إلهامي ولكن عندما بدأت في السفر خارج إسبانيا كنت أصطحب معي كتابا عن الطاهي الياباني العالمي نوبو ماتسوهيسا، اقتنيت هذا الكتاب منذ ١٥ عاماً تقريباً وأخذت أبحث عن مطاعم هذا الطاهي، ونويت عندما أذهب إلى نيويورك سأزور مطعم هذا الرجل، وبدأت في تجربة وصفاته، وعندما أتت الفرصة وذهبت إلى نيويورك أول ما فعلت هو الذهاب إلى نوبو مباشرة ولم أكن أملك الكثير من المال في ذلك الوقت وصرفت كل ما أملك للذهاب إليه، وعندما بدأت في تذوق الطعام كان مثلما تخيلته بالضبط وكما هو موصوف في الكتاب.
ومنذ ذلك الحين بدأت أفهم فلسفته في الطهي وبدأت أيضاً كلما ذهبت لمدينة يوجد بها مطعم لنوبو أذهب إليه مباشرة حتى الآن.
هناك مطاعم كثيرة تقدم الأكل الياباني ولكن نوبو هو الذي استطاع أن يغلف الطعام الذي يقدمه بالثقافة اليابانية، إنه شخص عظيم حقاً، وهذا ما أفعله بالضبط فأنا أجعل الثقافة الإسبانية في كل طبق أقدمه.
ومؤخراً بدأت في متابعة ووشون، وكلا الرجلين بالنسبة لي مصدر إلهام كبير.
ذكرت أن أحد أحلامك هو تقديم الطعام لعامة الناس حتى يستمتعوا بالأطباق التي تقدمها ولكن بأسعار معقولة ليست كالطعام الفاخر، ماذا لديك في هذا الشأن؟
- إن كل فرد يستطيع تحمل تكاليف الطعام الفاخر يقابله مليون شخص يودون أن يستمتعوا بنفس التجربة ولكن بتكلفة أقل، فأنا أريد أن أقرب للناس البسطاء الأغلبية التي عشت معها ونشأت، وأعمل على ذلك حالياً.
ذكرت من قبل أنك لم تكن تخطط لكل هذا النجاح والأعمال فما خطتك الأصلية؟
- خطتي الأصلية وحتى الآن هو أن أكون سعيداً وأن يشعر كل من يأكل طعامي بالسعادة، وكنت قانعا بما أقدمه في مطعمي الأصلي في ماربيا حتى ست سنوات مضت بدأت في فكرة تصدير الثقافة الإسبانية خارج البلاد، فشركتنا حالياً ٨٠٪ من الطعام الذي تقدمه هو إسباني، ونركز حالياً على التوسع أكثر عالمياً.
من مصدر إلهامك والذي يقدم لك التشجيع دوماً، حتى من خارج المهنة؟
- سيظل نوبو هو مصدر إلهامي الأول، ذكرت لك أول مرة ذهبت إلى مطعمه في نيويورك ولكن لم أحكي لك عن أول مرة قابلت الرجل وعرفته والآن نحن أصدقاء، هو إنسان رائع بكل معنى الكلمة وغاية في التواضع. ولكن خارج المهنة ستظل عائلتي الكبيرة هي أول داعم لي.
هل تذكر زملاءك في مدرسة المطاعم؟
- بالتأكيد لقد كنا فقط ٢٠ طالباً في الصف، وأنا لم أكن أفضلهم وهناك الكثير منهم أفضل مني، أحدهم لديهم نجمة ميشلان واحدة، ومنهم من يعمل في المجال ومنهم من ترك، ولدي تواصل مع البعض منهم حتى الآن.
كثيرون في المهنة يقومون بالطهي ولكن في نهاية المطاف ليسوا جميعاً طهاة محترفين، فهل السر في العمل الجاد الدؤوب أم في الشغف؟
- التحديات في هذه المهنة كثيرة ولابد من العمل الشاق وأن تأخذ كل شيء على محمل الجد، يجب أن تكون لديك الرغبة في أن تصبح شيئاً كبيراً يلي ذلك الكثير من العمل، ثم لابد أن تكون موهوباً ولديك بعض الحظ، كل ذلك يصنع نجاحاً بالتأكيد.
من برأيك سيفوز بكأس العالم قطر ٢٠٢٢؟
- قلبي يحدثني بأننا سنفوز بها كما فعلنا في ٢٠١٠ لكن في الواقع المنافسة صعبة ولكن سأكون هنا وسأشجع الفريق حتى النهاية.
كيف ترى قطر؟
- قطر لديها مكانة خاصة وكبيرة في قلبي وهي بالنسبة للمجموعة تمثل الانطلاقة الأولى نحو العالمية، فهم أول من آمن بي وقالوا نريدك أن تكون هنا في الدوحة وأول مطعم افتتحته خارج إسبانيا كان مطعم Bibo في سانت ريجيس الدوحة، ولدى في قطر مطعم آخر هو Lobito de Mar في كيمبينسكي مرسى ملاز.
وستظل الدوحة دائماً لها وضع خاص بالنسبة لي، وأشعر بسعادة كبيرة لوجودي هنا، وآمل في المزيد.
ما خططك المستقبلية للمجموعة؟
- لدينا مطاعم في نيويورك ولندن وبالطبع هنا في الدوحة وقريباً سنكون في دبي وباريس وبودابست وأمستردام.
سؤالي الأخير لك هو ما المطابخ المتوسطية التي تحبها بعد المطبخ الإسباني؟
بالتأكيد الإيطالي، فأنا أحب طعام المتوسط، إيطاليا، اليونان، تركيا، لبنان، المغرب فهم جيراننا. ولكن تبقى البيتزا والمكرونة الإيطالية صاحبة شهرة واسعة بالتأكيد أكثر من السوشي، لكن غرامي سيظل المطبخ الياباني فهم يبذلون جهداً كبيراً ليضعون قطعة من السمك مع الأرز لكنك عندما تأكل الطعام الياباني تشعر بأكثر من ذلك. هم يحترمون عملهم جداً، لديهم نظام في كيفية تحضير الطعام وكيفية الحركة في المطبخ وأنا أقدرهم كثيراً وأحترمهم.