القلق والجريمة (3)

alarab
منوعات 20 أكتوبر 2011 , 12:00ص
د. عبد الله عابدين •
من خلال المنظور الواسع الذي كرسناه في المقال السابق يتسنى لنا أن نقفز بفهمنا لهذه الموضوعة إلى مستواها المعقد، وإلى ولوج غمار واقعها الديناميكي النشط. مزودين بهذه الرؤية، نهبط الآن على أرض المدرسة الطب-عقلية في تفسير الجريمة. نجدنا أمام مدرسة عملية النزعة، وضعية المنهج، تحاول تكريس جسد معلوماتي ومعرفي من خلال البحث العلمي المنظم في علاقات الظواهر التي تقع ضمن اختصاصها. إن الطب العقلي، والذي تستند إليه هذه المدرسة كمرجعية معرفية يتوفر على منظومة تصنيفية للاضطرابات التي تقع في نطاق فضائه الابستمولوجي, لذلك فإن الاتجاه السائد لهذه المدرسة يستند على الملاحظات الإكلينيكية والبحثية في دراسة العلاقة بين الجريمة ومختلف الفئات المرضية النفسية والعقلية. هذه النزعة التراكمية للمعلومات والمعرفة قد وفرت حتى الآن جسماً معلوماتياً- معرفياً لا بأس به، وهو لا يزال مضطرد النمو نحو آفاق النضج الابستمولوجي (المعرفي) المنشود. بعد القيام بجولة مسحية في خارطة الأدبيات المتوفرة بصدد العلاقة المباشرة بين اضطراب القلق والسلوك الإجرامي، لا نكاد نعثر على شيء ذي شأن. ويبدو أن اضطراب القلق ليس من بين الاضطرابات التي تشكل أهمية كبيرة على هذا الصعيد. وعندما نتجول أكثر في الخارطة، ندرك أن هذا الوضع يشمل الاضطرابات العصابية بشكل عام. وفي الجانب الآخر من الخارطة نجد اضطرابات نفسية أخرى مثل اضطراب الشخصية السايكوباتية تسجل حضوراً أكبر في عالم الجريمة الواقعي وفي سجلاتها. وهذا الاضطراب يشكل سمات متجذرة في البنية النفسية للشخص مثل الميل نحو السلوك المضاد للمجتمع والخروج على القوانين والأعراف. وعلى صلة وثيقة بهذا الاضطراب، نجد الاعتماد على المؤثرات العقلية مثل المخدرات والكحوليات. أما الاضطرابات الذهانية، متمثلة في اضطراب الفصام فتحتل موقعاً على خارطة السلوك الإجرامي، على أهميته، فهو أقل حضوراً في دنيا الجريمة، مما يجافي المفهوم السائد عن المصابين بهذا الاضطراب وغيره من الاضطرابات الذهنية الأخرى. وتتموقع على الخارطة هنا وهناك اضطرابات مثل اضطراب الوجدان ثنائي القطبية، والذي يتمظهر إكلينيكياً بأعراض ما يعرف بالهوس مرة، وبعوارض اكتئابية مرة أخرى. هذا بالإضافة إلى مرض الصرع وبعض صعوبات التعلم وغيرها، نشير من بينها إلى العلاقة الوثيقة بين الاكتئاب والانتحار لأهميتها. ولكن دعونا نتوقف قليلاً عند اضطراب الفصام كاضطراب ذهاني رئيسي، حيث إن هذا الاضطراب يرتبط بالقلق والخوف بصورة متواترة، مما يجعله مناسبة معرفية ولحظة إكلينيكية معينة على تبيين العلاقة الغير المباشرة بين مشاعر القلق والسلوك الإجرامي. تصدق مقولة تداخل القلق مع اضطراب الفصام في حالات الفصام التي تتسم بوجود الأعراض الشكية-الدونية، أو سماع الأصوات الآمرة التي ربما يطيعها المريض أحياناً. بالإضافة إلى أن الشعور بقلق زائد ومبهم يكون مقدمة لاضطراب الفصام، أو نوعاً من رد الفعل من قبل المريض للتجربة الغريبة التي يستشعرها دون أن يعرف حقيقتها. ومن الشائع أيضاً أن القلق يمكن أن يتجلى كمظهر من مظاهر البنية الإكلينيكية لهذا الاضطراب العقلي الذي يسجل، كما ذكرنا، حضوراً ما في عالم الجريمة، خاصة العنيفة وذات الطابع الغريب والدراماتيكي منها. إليكم هذا السيناريو التخيلي الذي نحاول من خلاله التدليل على الصلة الوثيقة بين الفصام والقلق, وبالتالي احتمالية قيامه بدور الحالة الذهانية الوسيطة في حدوث السلوك الإجرامي في بعض الحالات. سجين في جريمة قتل ينتظر الحكم، وبالرجوع إلى تاريخه المرضي اتضح أن حالته بدأت بنوع من القلق المبهم والتوتر الزائد إلى الحد الذي أدى تشخيص حالته «بحالة ما- قبل ذهانية»، نسبة لأن أعراض وعلامات اضطراب الذهان لم تكن قد تجسدت بعد في تلك المرحلة المبكرة من ظهور المرض. ويتداعى السيناريو بمريضنا الافتراضي هذا إلى مسرح لم يخطر بباله من قبل، ألا وهو مسرح الجريمة, حيث ضبط وهو يحوم في حيرة حول ضحيته. بالطبع لا يمكن الجزم أيهما سبق الآخر، ارتكاب الجريمة أم أعراض الذهان الحاد التي كان يرسف تحت وطأتها، إلا أن القلق كان له حضور كثيف في هذا السيناريو المؤسف. يتبع...