العتبة أقدم ميادين القاهرة على أعتابه يقف التاريخ
منوعات
20 سبتمبر 2014 , 07:34ص
القاهرة - داليا عاصم
إحساس بالبهجة يولد مع مرارة الزحام وأنت تقف في ميدان العتبة في قلب القاهرة، حينما يحضرك المشهد الذي يقوم فيه إسماعيل ياسين بقياس الميدان أمام مبنى المطافئ الأثري في فيلم «العتبة الخضراء» للمخرج فطين عبدالوهاب، حينما أقنع أحمد مظهر «سمعه» الصعيدي بشراء العتبة الخضراء، بما فيها حتى الترام!
ميدان العتبة يحمل تاريخا عريقا، فمنذ أن خطط المعماري الفرنسي هوسمان الميدان في عهد الخديوي إسماعيل فقد منحه ميزة تميزه عن كافة ميادين القاهرة، بل مصر كلها، وهي أنه أصبح مركز القاهرة الجغرافي، فمنه تقاس المسافات من وإلى القاهرة، لأنه يضم مبنى البوسطة (البريد) الرئيسي بمصر، الذي كان يعرف في الماضي باسم مبنى البوسطة الخديوية، وهو أقدم مبنى بريد ما زال موجوداً في مصر وقد بدأ العمل فيه عام 1888.
ولطالما عرفت العتبة بكونها مركزاً تجارياً حيوياً منذ عهد الخديوي إسماعيل، فكان زائر العتبة في بدايات القرن العشرين يشاهد كرنفالا آخر، فهو يرى أجانب من جميع الجنسيات يتسوقون وهم يرتدون أبهى الملابس.
ورغم أهميته التاريخية في مصر، فإن ميدان العتبة لا يزال أسيراً لميليشيات الباعة الجائلين الذين يسيطرون على منافذه بشتى أنواع البضائع من الإبرة للصاروخ، كل ما يخطر ببالك وبأسعار زهيدة جداً، سواء لعب أطفال أو زهور الزينة أو ملابس مستوردة ومحلية أو ساعات يدوية وساعات حائط، حتى مستلزمات العناية بالبشرة والشعر.
يمكن الوصول لميدان العتبة عن طريق المترو، حيث توجد محطة مسماه باسمه، لكن ما إن تخرج من المحطة ستجد نفسك مدفوعا بقوة الطوفان البشري إلى عالم سريالي همجي تزيد ضوضاءه أبواق السيارات المكبلة وسط الزحام تحاول المرور عبر الميدان.
وحول مسمى ميدان العتبة الخضراء، يذكر الكاتب الصحافي عباس الطرابيلي في كتابه أحياء القاهرة المحروسة أنها قبل أن تكون خضراء كانت زرقاء! حيث كان يوجد بيت يطلق عليه العامة «الثلاثة ولية» وكانت هناك سرايا العتبة لصاحبها الحاج محمد الدارة الشرايبي شاه بالأزبكية، ثم تملكها بعده الأمير رضوان كتخدا الجلفي، فجددها وبالغ في زخرفتها بعد عام 1160 هـ، وأقام على مجالسها العالية قبابا عجيبة الصنع منقوشة بالذهب واللازود والزجاج الملون. ثم اشتراها الأمير محمد بك أبو الدهب، الذي كان اليد اليمنى للمملوك علي بك الكبير الذي استقل بمصر عن السلطنة العثمانية، ثم انتقلت ملكية سرايا العتبة هذه إلى الأمير طاهر باشا الكبير، الذي كان ينافس محمد علي بك الكبير على السلطة، ثم تملك السرايا قريبه الأمير طاهر باشا الذي ولاه محمد علي نظارة الجمارك، واستمرت السرايا بيد ورثته إلى أن اشتراها عباس باشا ثالث ولاة أسرة محمد علي، فهدمها ووسعها وبناها من جديد على أن تخصص لأرملة الأمير طوسون، واستمرت كذلك إلى زمن الخديوي إسماعيل.
ووفقاً للطرابيلي فإن من أشهر المقاهي التي كانت في محيط الميدان مقهى متاتيا الذي كان برلماناً للثوار الذين مهدوا للثورة العرابية، حيث يلتفون حول الثائر جمال الدين الأفغاني. وكان في الميدان وعلى حوافه المحال الكبرى التي أقيمت على غرار محال باريس ومنها: عمر أفندي وأوروزدي بك، وسليم وسمعان صيدناوي والبيت المصري وداوود عدس.
ويضيف: اختفى الآن اسم «الخضراء»، ربما بسبب اختفاء الخضرة التي كانت موجودة بوسط الميدان. ومن هذا الميدان تم فتح شوارع: محمد علي وعبد العزيز والأزهر وفاروق «شارع الجيش الآن» وكلوت بك وغيرها.
ومن أشهر معالم الميدان مبنى تيرينج بقبته المعمارية الرائعة الجمال وهو المبنى المصمم على طراز النيو باروك، ووفقا لمركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي cultnat فإن محلات تيرينج الشهيرة قام بتشييدها النمساوي فيكتور تيرينج الذي قام بتصميم المبنى المعماري النمساوي أوسكار هوروفيتس في عام 1912. وقد بدأ الأشقاء الثلاثة فيكتور وجوستاف وكونراد بافتتاح أول فرع لهم بمدينة فيينا في عام 1882 ثم قاموا بافتتاح أفرع أخرى بأنحاء متفرقة داخل الإمبراطورية النمساوية-المجرية إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى لتؤثر على توسعاتهم. وفي عام 1910 جاؤوا إلى مصر، وتم افتتاح أول فرع لهم بميدان العتبة الخضراء. وفي عام 1915 تحت إدارة اليهودي كارلو منشة تم تصنيف المحل كتابع لأملاك عدو أجنبي، ثم تم وضع المحل تحت الحراسة.
استمر تيرينج في استكمال نشاطه تحت إدارة السلطة البريطانية، وعلى أن يتعامل فقط مع شركات إنجليزية. وفي عام 1920 تم تصفية المحل نظراً لعدم وجود سيولة لتوفير البضائع بسبب الحرب العالمية الأولى التي كانت قد انتهت لتوها. والمبنى تغيرت معالمه من الداخل حيث أصبح يتكون من الداخل من مجموعة من الورش والمحلات الشعبية الصغيرة، لكنه ترك للعتبة شهرتها كمركز لتصليح الساعات.
وكانت المحلات تنافس في أناقتها وجودة بضاعتها محلات لندن وباريس، ومنها محلات هورنستينز، وفيتيل، وليبتون، بالإضافة إلى البازارات ومحلات المانيفاتورة والرهونات التي كان يملكها اليهود.
وتضاف لقيمة ميدان العتبة أنه شهد أول انطلاق لترام القاهرة في أغسطس 1896 وظلت العتبة مركزا رئيسياً للترام ثم الترولي باص الذي اختفي في السبعينيات من القرن الماضي.
ولم يعد الميدان يخلو من الزحام ليل نهار، فهو ممتلئ بالناس 24 ساعة، وتغيرت نوعية البضائع التي تُباع بميدان العتبة، فمن أجود أنواع الأقمشة والمنتجات المستوردة من أوروبا إلى البضائع رخيصة الثمن القادمة من الصين ودول جنوب شرق آسيا، وبات الميدان قبلة لمتوسطي الحال لشراء ما يلزمهم.