حرب السفن والموانئ في البحر الأسود تضع غذاء العالم على خط المواجهة

alarab
تقارير 20 أغسطس 2026 , 01:11م
قنا

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية والهجمات المتبادلة بين الدولتين مرحلة جديدة، قد تطال آثارها ونتائجها أسواق الغذاء العالمية وسلة الغذاء لملايين البشر، في عشرات الدول التي تبعد عن ساحات القتال آلاف الكيلومترات، وخلال الأسابيع الأخيرة كثفت روسيا هجماتها على الموانئ الأوكرانية في منطقة أوديسا وعلى نهر الدانوب، بينما وسعت أوكرانيا هجماتها ضد منشآت وسفن روسية، ووصل التصعيد إلى ميناء نوفوروسيسك، أكبر ميناء بحري وأهم شريان لتصدير النفط والحبوب في روسيا.


ومع انتقال المواجهة من استهداف البنية العسكرية والطاقة إلى الممرات والمنشآت التي تعتمد عليها تجارة الغذاء العالمية بات الخطر يتجاوز حدود الدولتين ليمتد إلى أسعار الخبز وتكاليف الاستيراد والشحن في دول بعيدة عن ساحات القتال.


ووفق تقارير اقتصادية، تضع اضطرابات البحر الأسود، أحد أهم شرايين تجارة القمح والذرة والزيوت النباتية في العالم تحت ضغط عسكري مباشر، خاصة أن روسيا وأوكرانيا تستحوذان على نحو 27% من صادرات القمح العالمية، وينقل جزء كبير منها عبر البحر الأسود، وهو ما يعني أن تعطيل صادرات البلدين لا يمثل مشكلة روسية أو أوكرانية فقط، وإنما يشكل تهديدا لسوق الغذاء العالمي.


وفي انعكاس فوري لهذه المستجدات في الحرب الأوكرانية الروسية، أشارت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة /الفاو/ إلى أن أسعار القمح العالمية ارتفعت في يوليو الماضي بنسبة 5.8 في المئة خلال شهر واحد، وأصبحت أعلى بنحو 9.9 في المئة عن مستواها قبل عام، وعزت ذلك، ضمن عوامل أخرى، إلى المخاوف المتزايدة بشأن اضطرابات صادرات البحر الأسود والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للتصدير، إلى جانب تأثير موجات الحر في محاصيل عدد من الدول المنتجة، كما أن هناك توقعات بارتفاع أسعار الغذاء العالمية بنحو 11.8% خلال العام الحالي إذا استمرت الضغوط الحالية، بينما خفضت تقارير وزارة الزراعة الأمريكية الصادرة في أغسطس الحالي توقعاتها لصادرات القمح الروسية والأوكرانية في موسم العامين الحالي والمقبل، وعزت ذلك إلى اضطرابات البحر الأسود.


ووفق محللين، فإن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجم التخفيض وحده، بل في مكان حدوثه، فروسيا وأوكرانيا من كبار موردي الحبوب إلى الأسواق الدولية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل في البحر الأسود لا يعني فقط نقص الكميات المتاحة للتصدير، وإنما يضيف علاوة مخاطر إلى أسعار الحبوب والشحن والتأمين، ويجبر المستوردين على البحث عن مصادر إمدادات بديلة من مسافات أبعد، بينما تستنزف واردات الغذاء في الدول الفقيرة احتياطياتها من النقد الأجنبي، ويهدد منظومة الغذاء في المجتمعات التي يعتمد الملايين من سكانها على المساعدات الإنسانية.


يأتي ذلك بينما يظل الجوع مشكلة عالمية هائلة، فقد قدر تقرير /حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026/، الذي أصدرته خمس وكالات متخصصة تابعة للأمم المتحدة في يوليو الماضي، أن حوالي ثمانية بالمائة من سكان العالم عانوا الجوع خلال عام 2025، وعلى الرغم من تحسن المؤشر للعام الثالث على التوالي، فقد حذرت الوكالات الأممية من أن التقدم لا يزال هشا وغير متكافئ، كما أن هناك توقعات أممية بأن نحو 50 مليون شخص إضافي قد ينزلقون إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد هذا العام بسبب العوامل المناخية وحدها.


وذكر برنامج الأغذية العالمي إن أوكرانيا كانت، قبل الحرب، تصدر ما يكفي من الغذاء لإطعام نحو 400 مليون شخص سنويا، كما أن صادراتها من الحبوب والمنتجات الزراعية ظلت مصدرا حيويا للغذاء الميسور التكلفة في أنحاء واسعة من العالم.


وتحاول أوكرانيا إيجاد طرق بديلة لصادراتها من الحبوب والزيوت النباتية، باستخدام السكك الحديدية وموانئ نهر الدانوب والطرق البرية، لكن لهذه البدائل حدودا واضحة وقدرات محدودة؛ كونها لا تستطيع الوصول إلى أرقام التصدير المطلوبة بشكل فوري، بينما تزيد مستويات المياه المنخفضة في الدانوب ومشكلات البنية التحتية من صعوبة المهمة.


ويقول المحللون إن التطورات في البحر الأسود لا تعني أن العالم أمام نقص شامل وفوري في الحبوب؛ وذلك لأن السوق الدولية تملك موردين آخرين، كما يمكن لارتفاع الإنتاج في دول مصدرة أن يعوض جزءا من النقص، لكن الخطر يكمن في تزامن اضطرابات البحر الأسود مع ضغوط أخرى على منظومة الغذاء العالمية، بدءا من النزاعات وتكاليف الطاقة والأسمدة إلى الظواهر المناخية المتطرفة، بحيث تصبح الدول الفقيرة والمستوردة الصافية للغذاء الأقل قدرة على تحمل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.


وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة تجربة /مبادرة حبوب البحر الأسود/، التي توسطت فيها الأمم المتحدة وتركيا في يوليو 2022، قبل انسحاب روسيا منها في يوليو 2023، بعد أن اتهمت أوكرانيا والغرب بعدم الوفاء بالتزاماتهما، لكن تلك التجربة أثبتت أن فتح الممرات البحرية لا يؤثر في حجم الصادرات فقط، وإنما يمكن أن يساعد في تهدئة توقعات السوق، وقد شهدت أسواق الحبوب استقرارا واضحا عقب توقيع تلك المبادرة، التي أتاحت نقل ملايين الأطنان من الحبوب والمواد الغذائية عبر البحر الأسود، بالرغم من استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.


وكانت كييف قد اقترحت في وقت سابق من الشهر الجاري عن طريق طرف ثالث، وقفا متبادلا للهجمات على الأهداف المدنية في البحر الأسود، لكن موسكو رفضت الاقتراح، قائلة إنها لا ترى مبررا لما أسمته "أنصاف حلول ستمنح فقط الطرف ‌الآخر متنفسا مؤقتا"، وأضافت أنها لم تتلق مقترحا رسميا بهذا الشأن، وأن من غير الممكن العودة إلى مبادرة حبوب البحر الأسود.


ويرى المراقبون أنه في غياب تفاهم يحمي الملاحة والمنشآت المدنية من لهيب الصراع الروسي الأوكراني، تبقى الحبوب في مرمى الصواريخ، ويبقى المستهلك في الدول الأكثر اعتمادا على الاستيراد، هو الطرف الأبعد جغرافيا عن الحرب والأكثر عرضة لدفع جانب من تكلفتها الباهظة.