المريخي: الخطر المبين هو تضييع المسلم لدينه والعربي للغته
قطر اليوم
20 أغسطس 2012 , 12:00ص
الدوحة - ياسين بن لمنور
شهد أمس عشرات الآلاف صلاة العيد بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، إذ اكتظ الجامع لأول مرة، ولم يعد هناك مكان بالداخل، فالقاعة الداخلية لوحدها استوعبت 10 آلاف مصل، ورغم أن وحدة الجامع أكدت في وقت سابق أن صلاة العيد ستكون بالداخل فقط، لكن أمام تلك الجيوش التي جاءت من كل حدب وصوب قاصدة جامع الإمام الذي شهد أول صلاة عيد في تاريخه، فلم يكن بد من إقامة الصلاة بالخارج أيضاً.
ومنذ الساعات الأولى التي تلت صلاة الفجر كان واضحاً أن جامع الإمام سيشهد سيولاً بشرية من خلال حركة المرور، ففي حدود الرابعة والنصف فجراً كانت الطرق المؤدية للجامع مكتظة، مما اضطر بدوريات المرور للخروج، وتنظم حركة السير، لتسهيل عميلة الوصول إلى الجامع، وأضحى الحصول على موقف «باركينج» أغلى أمنية في هذا اليوم السعيد.
وأدى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور غيث بن مبارك الكواري صلاة العيد بجامع الإمام، كما حضر السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وفضيلة الشيخ محمد كريم راجح شيخ المقرئين في الشام وعدد من الأئمة.
وتعالت أصوات التكبير والتسبيح إذ تداول المؤذنون بالجامع على الميكروفون، وسُمعت من تلك التكبيرات من كورنيش الدوحة عبر صومعة الجامع الشاهقة.
وتلقى وزير الأوقاف والسيد مشعل وفضيلة الشيخ راجح التهاني التبريكات من جموع المصلين عند نهاية الخطبة، واصطف المئات راغبين في مصافحة مشعل والشيخ راجح.
خطبة العيد
واستهل الدكتور محمد حسن المريخي خطيب صلاة العيد خطبته بالإشارة إلى الآثار التي تركها شهر الصيام في نفوس المسلمين قائلا: «أيها المسلمون لقد من الله علينا فأصلح النفوس وأقام القلوب وأنار البصائر، وشرح الصدور بما تفضل به من الإيمانيات، والروحانيات في الشهر الكريم فاعتدلت الأحوال واستقامت الأوضاع، وتهذبت الأخلاق، وطابت النفوس، ثم تكرم سبحانه على عبيده فأكمل لهم العدة وبلغهم العيد السعيد، عيد الفطر المبارك، عيد الصائمين القائمين الفرحة الأولى من الفرحتين».
وأضاف: «لقد أراكم الله سبحانه لذة الحياة، وطعم العيش الهنيء الرغد عندما يسود الشرع الناس ويحكم الدين وتعلو رايات الشريعة، ويدير الدين دفة الحياة»، مشيراً إلى أن ذلك هو الدين الحنيف، وهو الحياة لو كانوا يعلمون، وهو السعادة والكرامة والصلاح والاستقامة، وتلا قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».
الابتعاد عن الدين
ونبه الدكتور المرخي إلى خطورة الابتعاد عن الدين قائلاً: «الإعراض عن دين الله سفاهة وخفة ومتاهة ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه»، وتلا قوله عزَّ وجل: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ»، مشيراً إلى أن التوجه إلى دين الله واعتناقه فوزاً وفلاحاً ورفعة وعلواً، مستشهداً بسيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام وسيدنا يعقوب عليه السلام اللذين نصحا أبناءهما بالاعتصام بالدين، وألا يموتوا إلا وهم عليه قائمون، لافتاً إلى أنها الوصية الكبرى منهما لأبنائهما، وتلا قوله تعالى: «وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ».
وعرض الدكتور المريخي أهمية السلامة والعافية، مشيراً إلى أنهما مطلبان في هذه الحياة، وفي هذه الأزمان أكثر من ذي قبل، وأكد أن الدول والشعوب تتطلع إليهما وتشرئب إليهما الأعناق، كما يطلبها المؤمن والفاجر.
وأضاف: «نصحنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بسؤال الله تعالى إياهما فقال (سلوا الله العفو والعافية)، بل سألهما صلى الله عليه وسلم ربه في كل أموره فقال: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها)، وقال (اللهم إني أسالك العافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي)، وقال (لن تؤتوا شيئاً بعد كلمة الإخلاص مثل العافية فسلوا الله العافية)، وجاءه عمه العباس رضي الله عنه فقال له: (يا عم رسول الله، سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة)».
العافية
وانتقل الدكتور المريخي إلى تعريف العافية، مشيراً إلى أنها السلامة من جميع المكروهات، ومن الأسقام والبلايا والانحرافات، ولفت إلى أن من تذوقها أو أصابها وحصل عليها أو نزلت بساحته فقد أفلح ونجح، مستشهداً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من عوفي فليحمد الله».
وقال المريخي: «من غادرت العافية بدنه أو بيته أو أرضه فلا تسل عن حاله وسوء منقلبه»، مبرزاً أنه لهذا استعاذ رسول الله من زوال النعم وتحول العافية فقال: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك»، وأشار إلى أن العافية في الأبدان هي أن تسلم من الأمراض والأسقام، وفي القلوب أن تصفو وتخلو من الزيغ والبدعة، وفي البلدان أن تسلم من الأحزاب والفرق والأفكار المعوجة وجاحدي النعم ومنكري الفضل والإحسان، وفي العقول أن تسلم من الفكر الهدام والتأويل الباطل والنظرة الدونية للدين والمتدينين، وفي الدين أن يسلم له دينه بمعتقد صحيح، وفي التعليم أن يتعلم العلم النافع الذي يستمر ثوابه إلى الآخرة، وفي اللسان أن يقول خيراً وينصح لله ورسوله وأن يسلم من عجمةٍ ولكنةٍ وعجمية بغيضة، وفي الديار بأن تنعم بالأمن والآمان وتيسر الأرزاق ورغد العيش.
وشدد الدكتور المريخي على أن العافية لا تُشترى بالأثمان ولا توزن بالأوزان ولا تستجلب بقوة الجيوش والعتاد والسلاح، ولكنها توهب لمن يستحقها أو يتأهل لها، مشيراً إلى أن المولى عز وجل هو رب العافية لذلك وجهنا رسول الله أن نسأل ربنا العافية فقال: «سلوا الله العافية ولم يوجهنا بسؤال غيره».
ولفت المريخي إلى أن الله لا يهب العافية إلا لمن يشاء من عباده ممن آمن وعمل صالحاً وممن رضي به رباً وبدينة ونبيه محمد رسولاً، مستشهداً بقول الله تعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ»، وأشار إلى أن الذين لم يؤمنوا لا عافية لهم، بل لهم العذاب والنكال، حيث قال عز وجل «وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا»، وقال «وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّه إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ».
عواقب تبديل الدين
وحذر المريخي مَن بدل وغير أو نحَّى دين الله جانباً، مؤكداً أن عليه ألا ينتظر العافية، وأشار إلى أن دين الإسلام هو مصدر العافية، وأن من أقام الدين وعظم شعائره وأعلى أمره فله الحسنى والعافية والسلامة، وأن من أعطى ظهره للدين الحنيف فليودع العوافي كلها، ونوه إلى أنه إذا ذهب دين الله من أرض فسوف تذهب معه العوافي كلها، في الأعمار، والأبدان، والأوقات، والأموال، والبنين، والبنات، والزوجات.
ونصح المريخي من ينشدون العافية قائلاً: «إني لكم ناصحٌ أمين، إذا أردتم العافية فالزموا دين الإسلام على نهج رسول الله خير الأنام، واحذروا الجرأة على الله بهمز أو لمز بالدين أو الرسول أو القرآن أو المسلمين، أو الطاعة والإيمان الذي يملأ قلوبكم بالله ورسوله».
وأضاف: «إذا أردتم أن تعرفوا نعمة الله عليكم بالدين ونعمة امتلاء المساجد بكم فانظروا إلى ديار وبلدان من هجروا المساجد وطردوا الدين والسنة وتنكروا لإسلامهم كيف كان حالهم، وتبدلت أوضاعهم، وانتكست أمورهم: «وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ».
رجاء العوافي
ونوه المريخي إلى أن من أكبر العوافي التي نرجوها من خالقنا ورازقنا بعد عافية الدين والإيمان، هي العافية في الأبناء والذرية والتربية التي تحيطهم بسياج من الرعاية والحفظ.
وقال: إن الزمان الذي يعيشون فيه هو زمان اشتدت فيه الفتن وانفتح فيه العالم وكشف العدو الحاقد السوءات والعورات وأرسل الفواحش والزنا والبغاء عبر شبكاته ومكائده وقنواته ليفسد أبناء المسلمين، ويوهن وينال منها.
وأكد أن الحمل ثقيل بالنسبة لتربية الأبناء داعياً إلى ضرورة تضافر الجهود، وأن تتحرك الأسر والبيوت، وأن يتعاون المربون المخلصون في المدارس والمعاهد وكذلك الدعاة والناصحون.
الفضائيات والإعلام
وشدد على أنه على الوالدين أن يوجهوا أبناءهم وبناتهم إلى ما فيه صلاحهم وحفظهم بتعلم القرآن الكريم واللغة العربية وأداء الصلاة في المساجد وسماع الخطب والمواعظ والمحافظة على الهوية الإسلامية، مشيراً إلى أن الأمم تداعت على أمة المسلمين، مستشهداً بما تبثه الفضائيات وشبكات المعلومات وأجهزة الهاتف ووسائل الإعلام.
ونبه إلى أن أكثر المسلمين اغتروا حين وجهوا أبناءهم إلى تعليم علوم الغرب ولسانهم، وأن الكمال كله والفلاح في تعلم اللكنة الغربية، في الوقت الذي أهملوا فيه العربية فاستعجم القرآن على كثير من أبناء المسلمين وتلعثم أناس في كتاب ربهم، وتردد آخرون في قراءة جملة عربية.
تضييع اللغة
وقال: «إنه من الخطر المبين أن يُضيع المسلم دينه والعربي لغته، مشيراً إلى أن المولى عز وجل سوف يسأل الآباء عن هجر أبنائهم لكتابه الكريم وشريعته الغراء متسائلاً: كيف يعرف المسلم ربه إذا لم يحسن اللغة العربية والتي لا يُقرأ القرآن إلا بها».
التطوير والإصلاح
وانتقل المريخي للحديث عن التطوير والحداثة قائلاً: «التطوير والتجديد أمر يحبذه الشرع ويأمر به، ولكن بشرط ألا يكون على حساب الدين واللغة والهوية والانتماء والقرآن والسنة المشرفة».
وتطرق للحديث عن الإصلاح فقال: «الإصلاح منشود وينشده كل عاقل، مشيراً إلى أن الإصلاح اليوم ينادي به كثيرون ويدعيه أدعياء زعموا أنهم مصلحون ما أدى إلى اختلاط الأوراق وتشعب السبل، وشدد على أن الإصلاح لا يكون إلا على نهج هذا الدين ووفق حدوده ومفاهيمه، مؤكداً أن الشريعة هي التي تحدد المُصلِح من المُصلَح.