باب الريان
20 أغسطس 2011 , 12:00ص
هالة عطا
ابن عم رسول الله ?، وأخو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وأشبه الناس خلقا وخُلقا برسول الله ?، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ? قال لجعفر: "أشبهت خلقي وخُلقي" (البخاري وأحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه والبزار في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه).
وكان جعفر بن أبي طالب من أفصح الناس وأطيبهم حديثا، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله ? أن ننطلق إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشا، فبعثوا إلى عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدايا، فقدمنا وقدموا على النجاشي، فأتوه بهدية فقبلها، وسجدوا له، ثم قال عمرو بن العاص: إن قوما منا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. قال: فبعث (أي أرسل في طلبنا)، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه، وعمر بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون من الرهبان جلوس، فقال له عمرو: إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا إليه، زبرنا (أي أمرنا) من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك، فقال جعفر: لا نسجد إلا لله، فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث فينا رسوله وهو الرسول الذي بشر به عيسى، يأتي من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله، ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر، قال: فأعجب الناس قوله، فلما رأى ذلك عمرو قال له: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه الله هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء، لم يقربها بشر، قال: فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لهم بطعام وكسوة، وقال: ردوا على هذين هديتهم (المستدرك).
عاد جعفر من الحبشة إلى المدينة، ومن لحظة وصوله رضي الله عنه اتخذ موقعه بين صفوف المسلمين مصاحبا لرسول الله، وملازما له، ومجاهدا في سبيل الله، بعزم وقوة إيمان وصبر ويقين ومسارعة إلى الفوز بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، فضرب في ذلك المثل في الفداء والتضحية في سيبل الله، فعن عبدالله بن جعفر قال: بعث رسول الله ? جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: "فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبدالله بن رواحة"، فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وأتى خبرهم النبي ?، فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه"، ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابن أخي"، قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: ادعوا إلى الحلاق، فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا، ثم قال: أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبدالله فشبيه خلقي وخلقي، ثم أخذ بيدي فأشالها، فقال: "اللهم اخلف جعفر في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرات، قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له، فقال: "العيلة (الفقر والحاجة) تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟" (رواه أحمد والطبراني).
ورأى الرسول ? مؤتة رأي العين أمام الناس، وكان ? في المدينة ومؤتة على حدود الشام، قال: أخذ الراية اليوم.. واستمر ? قال: وقتل، وأخذها جعفر، ثم تقدم وقتل، وأخذها ابن رواحة فقتل، وقد عرضوا عليَّ الآن على أسرة من ذهب، وعوض الله جعفر بن أبي طالب بجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، لأنه قطعت يمينه، فأخذ الراية باليسرى، فقطعت اليسرى، فاحتضنها فدقت الرماح في صدره، أكرمه الله من بطل ومن مجاهد ومن فدائي.