أحد اليهود أسلم بسبب حفظ القرآن من التَّغيير والزيادة والنقص

alarab
باب الريان 20 أغسطس 2011 , 12:00ص
تفســــــــــــــــير القرضــــــــــاوي
في رحاب سورة الحِجْر (3) إسلام أحد اليهود بسبب حفظ القرآن من التَّغيير والزيادة والنقص: ذكر الإمام القرطبي: (كان للمأمون -وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة. قال: فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟ قال نعم. قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع. ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلماً، قال: فتكلم على الفقه فأحسن الكلام. فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون، وقال: ألستَ صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببتُ أن أمتحن هذه الأديان، وأنت تراني حسن الخط، فعمدتُ إلى التوراة فكتبتُ ثلاث نسخ، فزدتُ فيها ونقصتُ، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدتُ إلى الإنجيل فكتبت نسخ فزدتُ فيها ونقصتُ، وأدخلتُها البيعة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملتُ ثلاث نسخ وزدتُ فيها ونقصتُ، وأدخلتها الوراقين فتصفَّحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها؛ فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي. قال يحيى بن أكثم: فحججتُ تلك السنة، فلقيتُ سفيان بن عيينة فذكرتُ له الخبر، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله عزَّ وجلَّ. قال قلتُ: في أي موضع؟ قال: في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل: {مَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: 44]، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال عزَّ وجلَّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، فحفظه الله -عزَّ وجلَّ- علينا، فلم يضع. يعني طُلب منهم أن يحفظوا كتاب الله، فوكَّل الله حفظ التوراة إلى الأحبار والرهبان، فلم يقوموا بحقِّ الحفظ، وأضاعوا كتابه فغُيِّر وبُدِّل، أمَّا القرآن فلم يَكِلْه الله إلى أحدٍ، ولم يستحفظه أحداً، ولكن تولَّى حفظه بنفسه، ولذلك لا يستطيع أحدٌ أن يُغيِّر فيه أو يُبَدِّل. ولذلك لو أنَّ شيخاً كبيراً مهيباً من كبار العلماء أو كبار القرَّاء غيَّر أو بَدَّل أمام صِبيان الكُتَّاب لهاج عليه الصبيان. كما لاحظت في صباي أنَّ أحد الصبيان قرأ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} قرأها: {وَمَا مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- إِلَّا رَسُولٌ}، كلُّ الصبيان هاجوا عليه، لا يوجد صلى الله عليه وسلم، القرآن، لا يوجد إلا محمد، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران:144]. الربط بين طلب المشركين نزول الملائكة ونزول الكتاب على الرسول: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ} كان المشركون يطلبون من النبيِّ صلى الله عليه وسلم على سبيل التَّحدِّي: أن تُنزَّل الملائكة من السماء لتُصدِّقه فيما جاء به، وَرَدّ الله عليهم بأن الملائكة لا تنزل أكثر ما تنزل إلا بالعذاب، واللهُ تعالى لا يريد أن يَسْتأصلهم كما اسْتَأْصَل الذين من قبلهم، عادٍ وثمود. {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ} [الحجر:8]، يقول الله تعالى: نحن نزَّلنا عليكم ما ينفعكم ويهديكم، ويأخذ بأيديكم إلى السعادة في الدنيا والآخرة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، بدل تَنزيل الملائكة بالعذاب نزَّلْنا عليكم القرآن، الذي يأتيكم بالهدى والنُّور. التَّسرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ} يخاطب الله سبحانه النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، يُعِّزيه ويُسلِّيه عمَّا أصابه من كبراء مشركي قومه، من الاستهزاء والسخرية، حين قالوا: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}، إذ كبُر في نفوسهم أن يكون كتابه الذي يتلوه عليهم ذكراً للعالمين، وأن يكون رسولاً للعالمين. أراد الله أن يُسَرِّي عن رسوله، بأنه ليس وحده الذي ابْتُليَ باستهزاء المشركين والمُكذِّبين، كلُّ الرسل في أقوامهم أصابهم ما أصابه، إذا كان هو عليه الصلاة والسلام قد قيل له: مجنون، وساحر، وكاهن، ومُفْتَر. وقيل له: أساطير الأوَّلين اكْتَتَبْتها.. إلى آخره. وقد حكى القرآن استهزاءهم بالنبي فقال: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء:36]، {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} [الفرقان:41]، {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، لماذا لم ينزل على أحدِ العظماء من قريش مثل: الوليد بن المغيرة، أو من عظماء الطائف، مثل: عروة بن مسعود الثقفي، لِمَ ينزل على هذا الفقير اليتيم؟ {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]. استهزاء الأمم المُكذِّبة برسل الله: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} لَسْتَ يا محمد وحدك الذي استهزأ به قومه قال تعالى: {ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [النحل: 36]، {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24]. هؤلاء الرسل وهؤلاء النُّذُر لقوا من قومهم من الاستهزاء والسخرية الكثير، حتى حَاقَ بهم ما حاق من عذاب الله عزَّ وجلَّ. قال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام:10]، استهزؤوا برسلهم من أجل ما عندهم من مال، أو من أجل ما عندهم من جاه، أو من أجل ما عندهم من علم، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر:83]، استهزؤوا برسلهم فقالوا: {أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} [القمر:24]. وقالوا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: 27]. وقالوا {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُون} [الشعراء: 111]، أي: الفقراء والمساكين، لم يتَّبعك الملأ الأشراف والكبراء، لأنَّ الكبراء دائماً يجدون أنَّ الرسالات ضدَّ مصالحهم، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123]، {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34]. المُتْرفون الذين يعيشون في الترف وبُحْبُوحة في النعيم، ويأكلون الأموال بالباطل، ويجمعون الأموال، ويبنون القصور، الذين يعيشون لهذه الدنيا هم دائماً أعداءُ كلِّ رسالة، وخصومُ كلِّ دعوة إلى الإصلاح، فهؤلاء كانوا دائماً ضدَّ الأنبياء عليهم السلام، كما قال فرعون: {يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أم أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف:50- 53]. وهكذا كان المكذِّبون دائماً في الأمم: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [11]. كما قال الله عزَّ وجل: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس:30]. انظروا إلى هذا التَّعبير: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، والرسولُ لم يأتِ إلا لخيرهم، إلا لمصلحتهم، إلا لهدايتهم، إلا للأخذ بأيديهم إلى سعادة الآخرة والأولى، ومع هذا كانوا به يستهزؤون: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، وكلمة {كَانُوا} تدلُّ على شأنهم، كأنَّ هذا سجيَّة وطبيعة لهم، فلم يستهزئوا به مرةً أو مرَّتين، {كَانُوا}، ممَّا يدلُّ على أنَّ الاستهزاء طبعهم، وكلمة {يَسْتَهْزِئُونَ}، فعل المضارع يدلُّ على التكرار والتَّجدُّد، فهم دائمو الاستهزاء بكلِّ رسول يأتيهم من عند الله. {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} مرجع الضمير في قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ}: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} الضمير عائد إلى أيِّ كلمة؟ هل هو عائد إلى {الذِّكْرُ}، يعني كذلك نَسْلك القرآن في قلوب المجرمين، يسمعون ألفاظَهُ وحروفه، ولكنه لا يدخل في قلوبهم. وكلمة (سلك) أي: أدخل شيئا في شيء آخر، كان هؤلاء يسمعون القرآن، ولكن لا يسمعون بعقولهم وقلوبهم، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26]. بعض المُفسِّرين قالوا: كذلك نَسْلُكُه، أي: نَسْلُك الاستهزاءَ والتَّكذيبَ والكفرَ في قلوب المجرمين؛ ليُسجِّل عليهم صفةَ الإجرام، {الْمُجْرِمِينَ}، أي: الذين يعرفون الحقَّ، ولا يؤمنون به، ويجحدونه، يقترفون جريمة كبرى. سُنَّة الله في الأَّولين: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} {سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ}، أي: هم على شاكلة مَنْ كان قبلهم من الأمم، الذين أُرسلت إليهم الرسل فكذَّبوهم، كذَّبت عادٌ وثمود وأقوام نوح ولوط وشُعيب، إلى آخر الأنبياء، هؤلاء المكذِّبون هذه سُنَّتهم، {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ}؛ لأنهم إذا وقفوا هذا الموقف الذي يُعاند الحقَّ، ويستهزئ به، فيكفر به، ويصدُّ عنه، فإنَّ الله يُنزل بهم عقوبته. هذه سُنَّةٌ من سُنَنَ الله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137]، كيف دمَّر الله عليهم؟ هكذا رأينا تدمير الله لهؤلاء الأقوام، أَخَذَهُمْ أَخْذَ عزيز مُقْتَدِرْ، ونجَّى الرسل ومَن معَهم من المؤمنين، كما نَجَّى سيدنا نوحاً عليه السلام وهوداً وصالحاً وشعيباً وَلُوطاً والمؤمنين معه. عِنَاد كفَّار قريش وإصرارهم على الكفر وإنكارهم كلَّ آية: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالوا إنمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} حدَّثنا القرآن عن عِناد هؤلاء القوم من كفَّار قريش، عن مُكابرتهم الغليظة، اللهُ تعالى يقول: إنِّهم أرادوا نزول الملائكة لكي يؤمنوا، فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام:111]. {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ}، أي: هيَّأنا لهم سبيلاً، ومكنَّاهم من الصُّعود فيه، {فَظَلُّوا} استمرُّوا في زمنٍ مديد، {فِيهِ يَعْرُجُونَ} أي: يصعدون، والعروج: الارتفاع والصُّعود، ومنه المعراج النبوي، والمراد أنهم: يعرجون في هذا الباب المفتوح إلى السماء. وكلمة {فَظَلُّوا}، أي: بالنَّهار، أي: بوضوح النهار، {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ}، أي: يصعدون في ملكوت السماء والفضاء يَرَوْنَ ما فيه من العجائب، تحقيقاً لصدق الرسالة: {لَقالوا إنمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}، أي: رغم هذه الآية الواضحة، لو فتحنا عليهم باباً من السماء عَرَجُوا فيه، حتى وصلوا إلى السماء، لقالوا: إنما {سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}، أي: غُطَّت أبصارنا أو مُنِعَت. وكلُّ هذه معاني متقاربة. {لَقالوا إنمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}، أي: نحن لم نَرَ الأشياء رؤيةً حقيقية، {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}، أي: أنَّ محمداً سَحَرنا، وجعلنا نَظُنُّ أننا عَرَجنا إلى السماء وما عرجنا، قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الأنعام:7]، أي: لو نَزَل علينا كتاب من السماء نقرؤه، {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}، وما قال: رأوه بأعينهم، {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}، فالعَنَاء هو العَنَاء، والمكابرة هي المكابرة، فليس عندهم علة ولا عذر سوى الباطل، فالحقُّ واضح مثل فلق النهار، ولكن لا يؤمنون. {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ *وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ* وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الحجر:16-25]. الآيات الكونيَّة في السموات والأرض: ذكر الله سبحانه في هذه الآيات الدلائل الكونيَّة على الحقائق التي جاء بها محمد، وهم يَجْحدونها وينكرونها عِناداً، جاء محمَّدٌ بالتوحيد، وبترك عبادة الأصنام، التي لا تُغْني عنهم شيئاً، لا تبصر ولا تسمع، ولا تضرُّ ولا تنفع، ولا تُعطي ولا تمنع، فجاء بالتوحيد الذي بُعث به الأنبياء جميعاً: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وجاء بالبعث بعد الموت، وأنَّ هذه الدنيا ليست هي الدار الوحيدة، إنَّما هي دَارُ مَمَرّ، ولكن هناك دار مَقَرٍّ، هنا الزرع وهناك الحصاد، هنا العمل وهناك الحساب، هذه الدار محدودة نعيش فيها أياماً ثم نفارقها بالموتُ، وليس الموت نهايةَ المطاف، والموتُ رحلةٌ من دار إلى دار، قال الشاعر: وما الموتُ إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إنمَّا خُلقتم للأبد، وإنما تنقلون بالموت من دار إلى دار. جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بهذين الأمرين: التوحيد، والجزاء في دار الخلود، الجنَّة أو النار، وهم يُكذِّبون بهذا وذاك. والقرآن كان دائماً يقيم دلائل كونيَّة، الآيات التي بثَّها الله في الكون، في الآفاق؛ ليشهدوا عَظَمَةَ الله وقُدرتَه، وهنا ذكر القرآن في هذه السورة عدداً من هذه الآيات الكونيَّة العظيمة، التي تَدُّل على عَظَمَةِ صاحبها، وعلى رَوْعَةِ خدمتها، وعلى إبداع هذا الكون. عالم السماوات: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً} هذا العالم عالمُ السماوات عالم عظيم لا يعلمه إلا الله، أظهر لنا علم الفلك الحديث شيئاً من سَعَةِ هذا الكون، الأرض التي نحن عليها هي شيء صغير في المجموعة الشمسيَّة، يعني مساحة الأرض بالنسبة للشمس ضئيلة جداً، والمجموعة الشمسيَّة بالنسبة للمجرَّة ضئيلةٌ جداً. البروج في السماء: والبروج: هل هي الكواكب؟! أو هي المنازل التي تسير فيها الكواكب والشمس؟ والبروج تدلُّ على عَظَمة هذه السماء، والأصل في البرج هو البناء الكبير العالي كما قال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78]. والبروج في السماء بناءٌ عظيم، كما قال الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:48]، وقد سُمِّيت بروجاً، كما قال الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} [البروج:1]، {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً} [الفرقان: 61]. إبراز عنصر الجمال في الكون: {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} زيَّن الله السماء وجمَّلها، فحين تنظر إلى السماء وزرقتها الهادئة، وسُحُبها الموزَّعة، ونجومها البديعة، تستمتع بهذا النظر، وهذا يدُّلنا على اهتمام القرآن بإبراز عنصر الجمال في الكون، وإبراز الجمال في السماء، وإبراز الجمال في الأرض، وإبراز الجمال في الحيوانات، قال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل:5-6]، الإبل والأبقار والأغنام حين يذهب بها الراعي ويعود بها. انظر إلى هذه اللوحة ما أجملها. وقال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88]، كلُّ شيء في هذا الكون مُتْقَن، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:7]. ويلفت النظر إلى عنصر الجمال في النبات: {فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل:60]، أي: ذات جمال وَرَوْعَهٍ. {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق:6]، أي: لا يوجد فيها شقوق ولا عيوب، {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} [الملك: 3]. فالقرآن يهتم بعنصر الجمال والزينة: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:8]. ويقول سبحانه عن البحر: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل:14]. عناصر الجمال في الكون يهتمُّ القرآن بها، الجمال في الإنسان والحيوان والنبات والسماء والأرض، لهذا اهتمَّ القرآن بعنصر الزينة، كما قال الله تعالى في سورة الملك: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك:5]. قال قتادة: قال قتادة خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به. {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} حِفْظُ السماء من كلِّ شيطان رجيم: أي: حَمَيْنا السماء من الشيطان الرجيم، ومنعناه من دخولها، فلا يستطيع الشيطان أن يسمع الملائكة وهي تنزل بوحي الله من السماء: {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ}، حَفِظَ الله السماء من كلِّ شيطان مرجوم ملعون مطرود من رحمة الله. والشيطان مخلوق من النار، وهو ملك الجنُّ، والجنُّ مُكلَّفون كما كُلِّف الإنس: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، منهم الصَّالح والطالح، ومِن هؤلاء الطالحين، الشياطين الذين سلَّطهم الله على بني آدم، يوسوسون لهم، كما ذكر الله تعالى في سورة إبراهيم: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم:22]، أما عباد الله الصالحون فليس له عليهم أيُّ سلطان، {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42]، يُغْويهم بالوسواس. {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}، لا يستطيع الشيطانُ أن يسمع الملائكة وهي تنزل بوحي اللهِ من السماء. {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} استراقُ الشياطين السَّمع قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم: كان كهان العرب في الجاهلية قبل الإسلام يستطيعون أن يخبروا ببعض الغيوب، عن طريق الشياطين الذين يسترقون السَّمْعَ، ويسمعون بعضَ الكلام في السماوات، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سأل أناسٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكُهَّان؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليسوا بشيءٍ. قالوا: يا رسول الله، فإنَّهم يُحدِّثون أحياناً الشيء يكون حقاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الجنِّ، يخطفها الجنيُّ، فيقرُّها في أُذن وليِّه قرَّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة. فالكَهَنَة هم الكَذَبة، كما أخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، أنهم ليسوا بشيء. نزول الشُّهب الحارقة على مُسْتَرقي السمع بعد بعثة الرسول: {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ}، لحقه بسرعة وقوة {شِهَابٌ مُبِينٌ}، أي: شُعلة من النار، تنزل عليه فتحرقه، خصوصا بعد بعثة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى على لسان الجنِّ: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُبًا} [الجن:8]، أي: إنَّ السماء محروسة ومُحصَّنة: {وَأَنَّا كُنَّا نَ