جمال: دعوة المظلوم مستجابة وفي شهر الصيام تفتح أبواب السماء
تحقيقات
20 أغسطس 2011 , 12:00ص
الدوحة – هدى منير العمر
يعتبر شهر رمضان من أكثر الأوقات التي يستجاب فيها دعوة العبد لربه، لذا هو فرصة لا تعوض لمن يرجو رحمة الله ومغفرته، ويطمع بكرمه وفضله، ويستخيره بعلمه وغيبه، ويدعوه بأسمائه الحسنى طالباً ستره وإنصافه، وما من حكم أو قضاءٍ أعدل من قضاء الله، هذا القضاء الذي لا مفر منه إلا بأمل الدعاء وقوته، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرد القضاء إلا الدعاء»، وتفصيلاً في هذا الصدد ذكر موقع إسلام ويب: «إذن الدعاء يرد القضاء قطعا، لأن هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي أخبرنا -عليه الصلاة والسلام– أن الدعاء والقضاء يعتلجان ما بين الأرض والسماء، أي تحدث بينهما نوع من المواجهة، فإذا كان الدعاء أقوى رفع القضاء (رفع الأمر)، وإذا كان القضاء أقوى والدعاء أقل أو أضعف نزل هذا القضاء ولكن بصورة أخف، وإذا لم يدعُ العبد أصابه قدر الله تبارك وتعالى جل جلاله، لأن هذه الصور الثلاث إما أن يكون الدعاء أقوى فيغلب وإما أن يكون القضاء أقوى فيغلب، ولكن ينزل مخففا، وإما أن العبد لا يدعو بالمرة فيصيبه ما قدره الله تبارك وتعالى».
من خلال ما سلف لا شك أن الدعاء المخلص لله «سلاح» المؤمن الذي لا يقوى عليه جبروت أو ظلم تجرأ به عبد على غيره من الناس، وهنا سؤال يطرح نفسه: كيف لو كانت هذه الدعوات الصادقة في رمضان تخرج من فم مظلوم، وتدمع لأجلها عيون تألمت مما رأته! رأت من جرح الزمن وغدر البشر وقسوتهم وخيانتهم وذلهم وظلمهم ما نال من بشاشة تلك العيون! لم تترك رحمة الله عز وجل هذا التساؤل مفتوحا، بل جاء الجواب صريحاً وواضحاً ومبشراً حول «دعوة المظلوم»، فيا بني البشر «اتقوا دعوة المظلوم» لأنها لا ترد، فكيف وإن كانت في شهر رمضان!
الله حرم الظلم على نفسه وعلى عباده
في هذا الصدد يقول إمام وخطيب جامع آل سعد بالدوحة الدكتور علي بن حسن جمال: «بداية يعرف العلماء الظلم بأنه مجاوزة الحد، وهو وضع الشيء في غير مكانه، ومعناه في الشرع: وضع الشيء في غير موضعه الشرعي، فكل من تجاوز حده المرسوم له يعتبر ظالماً، والظلم من أقبح الذنوب وأسوأ الجرائم، ولذلك حرمه الله تعالى على نفسه وحرمه على عباده، ففي الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا».
وقال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». رواه مسلم.
ويلفت الشيخ جمال النظر إلى أن الظلم درجات وأنواع يختلف باختلاف أثره ونتائجه، «فقد يظلم المدير من تحته من الموظفين أو رب العمل عماله، وقد يظلم الأب ابنه، وقد يظلم الأخ أخته، وقد يظلم الزوج زوجته، وقد يظلم الإنسان نفسه بأن يوردها المعاصي، وبالعموم فالظلم محرم بكل أشكاله وأنواعه لما يفضي إليه من آثار سيئة ونتائج وخيمة».
«وبالنسبة للمظلوم فالشريعة الإسلامية أعطته حق رفع الظلم عنه والانتقام ممن ظلمه، وأرشدته إلى منزلة أسمى من هذه المنزلة وهي أن يتصدق بمظلمته في الآخرة ويحظى بالأجر الجزيل عند الله تعالى بأن يعفو ويصفح، فقال تعالى: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين»، ومن هنا فالنصيحة لكل من تعرض لظلم لا يستطيع رفعه عن نفسه أن يستشعر ما ادخره الله تعالى له في الآخرة، وأن يستحضر أنه سيسترجع مظلمته ممن ظلمه، ولكن يوم ألا يكون القصاص دينارا ولا درهما، وإنما هي حسنات وأعمال، فيأخذ من حسنات الظالم ويثقل بها ميزانه كما نعلم من حديث المفلس الذي يأتي يوم القيامة».
اتق دعوة المظلوم
وبالنسبة لدعوة المظلوم على من ظلمه يتابع: «فدعوة المظلوم مستجابة حتى ولو كان المظلوم كافراً، وقد جاءت أحاديث كثيرة ببيان أن دعوة المظلوم مستجابة، فمن ذلك الحديث الذي أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه الألباني في صحيح الجامع، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة». وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينهما وبين الله حجاب». وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول لدعوة المظلوم: «وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين». والله تعالى يستجيب دعوة المظلوم على من ظلمه، ولكن هذه الاستجابة قد تكون في الدنيا وقد تكون مصلحة العبد أن تدخر له في الآخرة لحكمة يعلمها الله تعالى».
وفيما يتعلق بعقوبة الظالم يوضح إمام وخطيب جامع آل سعد: «الله تعالى توعد الظالمين بعقوبات أليمة وشديدة، أحياناً قد تكون في الدنيا، وأحياناً أخرى قد تكون في الآخرة، فقال تعالى: «ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: «وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد»، ففي الدنيا قد يصاب بأية عقوبة دنيوية من الله تعالى، وفي الآخرة عذاب أليم ونكال شديد ومحق للحسنات، ولا حول ولا قوة إلا بالله».
ويختم الشيخ جمال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته من قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار». رواه مسلم.