الجالية المغربية.. رمضان فرصة لإحياء تقاليد الوطن
محليات
20 أغسطس 2011 , 12:00ص
الدوحة- محمد عيادي
يبدأ أبونزار وأسرته المقيمة بقطر الاستعداد لرمضان مع بداية دخول شهر شعبان. ورغم البعد عن الوطن الأم المغرب حيث لرمضان نكهة خاصة وسط الأهل والأحباب والأصدقاء، فإن ذلك لا يمنع من أن يعيشوا أجواء مغايرة عن الأيام والشهور الأخرى، فالزوجة تبدأ بإعداد مأكولات أساسية على المائدة الرمضانية المغربية، من قبيل حلوى «الشباكية» و «سلو» أو «السفوف».
وبدخول شهر رمضان يتغير نظام الأكل فيتركز في موعدين أساسيين الفطور والسحور وبينهما جلسة شيّ مصحوبة بالفواكه الجافة والحلويات.
لكن الفطور يقول أبونزار هو الوجبة التي تستهلك الوقت أكثر من حيث الإعداد إذ يتم الحرص على شربة الحريرة باعتبارها بطلة المائدة محاطة بالتمور وحلوى الشباكية والبيض المسلوق وأنواع من الطبيخ من «رغايف» إلى «ملوي» أو «المسمن» وحليب وعصير فواكه ومأكولات خفيفة أخرى تتنوع من يوم لآخر، فيما تنتظر القهوة والشاي على كرسي الاحتياط.
أسرة أبوسعيد من جهتها لا تختلف مواصفات فطورها كثيرا عن فطور أبونزار، فيختلف الأخير من حيث نظام الأكل في الشهر الفضيل بين فطور وعشاء بعد منتصف الليل، وأكلة خفيفة جدا في السحور قد تكون حليبا وتمرا أو ما شابه.
وتتفق أسرة أبونزار وأبوسعيد على اجتهادهما في خلق أجواء قريبة من تلك المغربية داخل أسرتهما.
يقول أبونزار: نعم إننا في غربة عن البلد الأصلي والأهل لكننا نقيم والحمد لله في بلد مسلم، ولسنا كمن يقيم في بلاد الغرب، نحن في بلد والحمد لله مساجده مفتوحة، يرتل فيها القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وبها مجالس ذكر وعلم وقرآن للكبار وللصغار، للنساء وللرجال.
ويضيف أبونزار: صلاة التراويح في مساجد يحج إليها المصلون من جنسيات مختلفة عربية وإفريقية وآسيوية وأوروبية، فيها بعد روحي وإنساني جميل يترجم قول الله تعالى «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، فكأنك تراها بالعين. ويفضل كثير من المغاربة تسمية شهر الصيام بـ «سيدنا رمضان» نظرا للمكانة الكبيرة والمميزة دينيا واجتماعيا التي يحتلها في نفوسهم وقلوبهم، عجزت كل مظاهر الحداثة والعصرنة التي عرفها المغرب أن تؤثر على هذه المكانة أو أن تزعزعها شكلا ومضمونا، من حيث استمرار التقاليد الرمضانية -إذا صح التعبير- التي حافظ عليها المغاربة منذ قرون سواء من خلال طبيعة الموائد أو طبيعة اللباس أو العادات الاجتماعية، خصوصا جانبها الإنساني والتضامني.
الحريرة سلطانة المائدة المغربية
لا معنى للمائدة الرمضانية في المغرب من دون شربة «الحريرة»، فهي خليط من خضار وتوابل وقطاني (عدس وحمص) تقدم في أوانٍ تقليدية يطلق عليها «الزلايف».
وتتنوع تركيبة «الحريرة» تبعا للتنوع الثقافي والاجتماعي، فهناك «حريرة» شمالية نسبة لشمال المغرب وأخرى رباطية نسبة لأهل العاصمة الرباط وأخرى «حريرة» فاسية نسبة لأهل فاس عاصمة المغرب الثقافية، وهناك حريرة شرقية نسبة لمدة الشرق كوجدة وما جاورها، فيما يغلب عند أهل الجنوب بالصحراء ما يسمونه بالحساء. ويصاحب «الحريرة» ثمور وحليب وبيض وحلوى مشهورة تتنوع مكوناتها وتعدد أسماؤها بتنوع مناطق المغرب وثقافاتها: «الشباكية» أو «المخرقة» أو «الزلابية» أو «الحلو» و «البريوات» وكذلك «سلو» أو «السفوف» وغيرها من أنواع الحلوى العديدة، بالإضافة إلى أنواع من الطبيخ «الملوي» و «المسمن» و «الرزيزة» أو «رزة القاضي» و «بغرير» وغيرها.
وتصر بعض المدن على حضور «الطجين» على مائدة الإفطار سواء كان بالسمك أو اللحم، كما الحال في مدينة مراكش، فيما تتزين موائد المدن الساحلية أكثر من غيرها بأطباق السمك. ورغم التنوع والاختلاف فإن للمائدة المغربية قواسم مشتركة عديدة على رأسها «الحريرة» و «الشباكية» بأنواعها المتعددة كما سلفت الإشارة.
تضامن اجتماعي وتسهيلات للموظفين
ينشط العمل الخيري بالمغرب في شهر رمضان سواء من طرف الأفراد أو الجمعيات الخيرية أو المؤسسات الاجتماعية الرسمية التي توزع المواد الغذائية الأساسية على المعسرين. وينشط المحسنون والجمعيات الخيرية أكثر في إقامة إفطارات جماعية، وتوفير المساعدات لبعض المحتاجين خاصة في الأحياء المهمشة.
من جهة أخرى، تتعامل الإدارات ومؤسسات العمل المختلفة الخاصة والعامة بمرونة كبيرة مع العاملين والموظفين في الشهر الفضيل لأداء واجباتهم الدينية، فضلا عن اعتماد توقيت خاص قبل أن يتم اعتماد التوقيت المستمر بشكل دائم، مع تخفيض ساعات العمل ساعة واحدة عن التوقيت المعهود في غير رمضان.
مساجد مزدحمة ودروس دينية
بالقصر الملكي
تمتلئ المساجد في المغرب بالمصلين في رمضان، خاصة صلاة العشاء والتراويح، ومن مختلف الفئات العمرية، وبالأخص في المساجد التي بها إمام ذو صوت جميل وجذاب، كما الحال بالنسبة لإمام أكبر مسجد بالمغرب وشمال إفريقيا كلها مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، حيث يحج له مصلون من مدن مجاورة للصلاة وراء الإمام عمر القزابري، الذي بات نجما رمضانيا بامتياز لدى المغاربة بعد بث صلاة التراويح مباشرة على القناة السادسة للقرآن الكريم.
وتعرف المساجد في هذا الشهر الفضيل نشاطا دعويا كبيرا من حيث المحاضرات والدروس الدينية خاصة بعد صلاة العصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء في أبرز المساجد بكل المدن المغربية كامتداد لتقليد مغربي. وفي هذا السياق سن الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله في الثمانينيات سنة «الدروس الحسنية الرمضانية» خلال شهر رمضان وبات هذا تقليدا مغربيا مميزا، يستضيف فيه الملك علماء وفقهاء من جميع أرجاء العالم العربي والإسلامي، وتلقي نخبة منهم دروسا بالقصر الملكي بحضور كبار مسؤولي الدولة والحكومة في كل القطاعات وسفراء الدول الإسلامية المعتمدة في المغرب، وتنقل مباشرة على أمواج الإذاعة التلفزيون وتغطيها الصحف وتفتح نقاشات حولها.
وحافظ العاهل المغربي الملك محمد السادس على هذه السنة بنفس الزخم، بحيث شكلت ولا تزال تشكل وجها مشرقا من أوجه الاحتفاء بالعلم والعلماء في هذا الشهر الكريم.
ليلة القدر والاحتفاء بالأطفال
لليلة القدر في المغرب طقوس خاصة، عبادة في المساجد حتى صلاة الفجر، ولا يأخذون إلا فترتين للراحة: الأولى للاحتفاء بالأولاد والبنات الذين صاموا لأول مرة، واحتفاء ثان بعد الاحتفاء الخاص بالإفطار في جو عائلي حميمي، وذلك باصطحابهم في ملابس جميلة تضاهي تلك التي يختارها الكبار لأخذ صور تذكارية في أجواء خاصة من الفرح، والفترة الثانية للعشاء ثم العودة للمساجد للصلاة إلى أن تبدأ دقات «الطبال» أو أصوات «النفار»، أو المسحراتي كما يسمه الإخوان المشارقة إيذانا بوقت تناول السحور. ولم تستطع الساعات والمنبهات بأحدث أنواعها أن تقضي وتزاحم هذا التقليد الذي يتعامل مع الناس باحترام وتقدير، ولا يرون فيه مطلقا أنه إزعاج، باستثناء قلة قليلة لا تكاد تمثل نفسها. ويعتقد كثيرون أن رمضان من دون عدد من المظاهر التقليدية ومنها الدقات وأصوات النفار الداعية للسحور والموقظة من النوم يفقد الكثير من خصوصياته، ويدعون للحفاظ على تلك الخصوصيات بكل قوة أمام زحف مظاهر الحداثة، خاصة تلك التي تفقد الأشياء جوهرها وعبقها التاريخي والحضاري. وتحرص العائلات المغربية في ليلة القدر على التزاور والتراحم والتسامح لاعتقادهم ببركة هذه الليلة لأنها خير من ألف شهر.
وللثقافة والموسيقى نصيب
الأجواء الروحانية في شهر رمضان تمتد للمجال الثقافي، حيث يكثر الإقبال على الكتب الدينية والتاريخية. وتنشط الجمعيات الثقافية في إقامة محاضرات وندوات في الشأن الديني، فيما تختار بعض الأحزاب السياسية أيضا هذا الشهر لإقامة ندوات فكرية وسياسية وإن كانت قليلة بالنظر للمحاضرات الدينية والتربوية ومسابقات حفظ القرآن وتجويده.
وللموسيقى الروحية أو الدينية والأناشيد والابتهالات نصيب، إذ تنظم جمعيات معنية سهرات سواء في قاعات عمومية يهيمن عليها ذكر الله من قبيل حفلات السماع الصوفي والمديح. ويلعب الإعلام، خاصة المكتوب منه، دورا في هذه الحركة الثقافية الرمضانية من خلال ملاحق خاصة.
عيد الفطر والجلابية المغربية
الجلابية المغربية سواء الخاصة بالرجال أو النساء، هي اللباس المفضل في شهر الصيام، تقبل عليها كل الفئات الاجتماعية، وباتت بابا من أبواب التباري بين الصناع التقليديين في إبداع تصاميم جديدة لكل المستويات الاجتماعية. ويستعيد القفطان هيبته في البيت، فيتحول اللباس المفضل للنساء، فيما يختار الرجال ما يعرف بـ «الفوقية» أو «الجبادور» وهو صالح للاستعمال داخل البيت وخارجه.
وتتنوع أشكال اللباس التقليدي المغربي بتنوع مناطقه وجهاته ومكوناته الاجتماعية والثقافية. ومع اقتراب عيد الفطر تتجه العائلات لمحلات بيع اللباس التقليدي والعصري لشراء كسوة العيد خاصة للصغار. لكن الإقبال يكون أكبر على التقليدي وهي فرصة لإنعاش صناعة اللباس التقليدي المغربي والحفاظ على بقائه والمساهمة في دعم استمراره وتجديده بشكل لا يفقد روحه.