تفطير الصائمين التاركين للصلاة
باب الريان
20 يوليو 2012 , 12:00ص
أجاب عن هذه الأسئلة مركز الفتوى بالشبكة الإسلامية
*هل يجوز أن أفطر جيراني المسلمين الصائمين؟ مع العلم أنهم تاركون للصلاة كلها؟
- تفطير الصائمين فيه ثواب جزيل وهو من القربات العظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: "من فطر صائما كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء". رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه أيضا النسائي وابن ماجه.
فأنت مأجور -إن شاء الله- على تفطير جيرانك الصائمين -وإن كانوا من أهل المعاصي كتاركي الصلاة- ولكننا ننصحك أن تجعل تفطيرك لهم فرصة لدعوتهم إلى الله عز وجل، وأن تبين لهم خطورة ترك الصلاة، وأن تارك الصلاة شر من الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وقاتل النفس بإجماع المسلمين، كما نقله ابن القيم في أول كتاب الصلاة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن تارك الصلاة كسلا كافر خارج من الملة -والعياذ بالله- وعليك أن تذكر لهم أن ترك الصلاة من أعظم ما يحبط أجر الصيام ويضيع ثوابه، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
وأي زور أعظم من ترك الصلاة؟ فإذا فعلت هذا كنت محصلا لأجر تفطير الصائم وأجر الدعوة إلى الله عز وجل والذي هو من أعظم الأجور.
قال تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ". {فصلت: 33}.
مشاهدة الأفلام الإباحية والصيام
*ما حكم مشاهدة الأفلام الإباحية في ليل رمضان؟ وهل يؤثر ذلك على الصيام؟.
- شرع الله صيام رمضان لتتهذب النفوس وتتقي الله عز وجل، كما قال سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" {البقرة:183}.
ومشاهدة مثل هذه القذارات مما يتنافى مع الحكمة التي شرع الله من أجلها الصوم، وهي التقوى، ولا ريب بأن مشاهدة هذه الأفلام الإباحية من أشد المحرمات في رمضان وفي غيره، ليلا أو نهارا، ولكنها في رمضان أشد حرمة، لأن صاحبها ينتهك حرمة هذا الشهر الكريم، ويضاد الله عز وجل في مقصوده من شرعية الصيام، ولا يستجيب للنداء الكريم الذي وكل الله من ينادي به على العباد وأوحى لرسوله -صلى الله عليه وسلم- ليخبرنا به ففعل صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا كَانَ أوَّلُ لَيْلَة مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَة الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِي الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِي الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَة. رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة، ثم الألباني.
ولا شك أن من يشاهد هذه الأفلام يتأثر صومه وإن كان يشاهدها ليلا، وإن كان مقصودك بتأثر الصوم بطلانه فنقول: لا، لا يبطل الصوم بمشاهدة هذه الأفلام.
وأما إن كان سؤالك: هل تؤثر هذه الأفلام في الصيام بنقص أجره، فنقول لك: ليس المقصود من الصيام هو الجوع والعطش ثم يأتي الليل فيسرح ويمرح الصائم كيفما شاء دون رقيب، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". رواه البخاري.
قال ابن حجر في فتح الباري: قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْ شَرْعِيَّة الصَّوْمِ نَفْس الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ كَسْرِ الشَّهَوَات، وَتَطْوِيعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَة لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّة، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَا يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِ نَظَر الْقَبُولِ.
وهذه الأفلام الإباحية -حتى وإن لم تؤثر تأثيرا مباشرا في الصوم- فإن فيها من الذنوب الكبيرة ما سيأتي في ميزان العبد فيحبط في مقابلها الكثير من الحسنات، إن لم يتب صاحبها منها، وكذلك فالغالب على من يشاهد هذه الأفلام قلة التقوى مما يجعله يطلق النظر للنساء في نهار رمضان، وقد تشتد شهوته فيقع في بعض المحرمات كالاستمناء وهو مما يبطل الصوم في قول جماهير العلماء، بل قد يجامع زوجته نهارا فيرتكب إثما عظيما مع وجوب الكفارة عليه، وعليها إن كانت مطاوعة له، وهكذا فمن شؤم المعصية أنها تجر إلى معصية أخرى.
كما قال ابن القيم في كتابه الداء والدواء في بيان عقوبات المعاصي: ومنها: أن المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ولا يزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله إليه الشياطين فتأزه إليها أزا. انتهى.
فيجب على من يشاهد هذه الأفلام أن يمتنع عن ذلك في رمضان وغيره، وأن يتوب إلى الله ويستغفره، وهو سبحانه يقبل توبة العبد مهما أسرف على نفسه، بل ويبدل سيئاته حسنات، كما قال سبحانه: "إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً* وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا" {الفرقان:70-71}.
وقال تعالى: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" {الزمر: 53}.
وجدير بمن ينصح لنفسه ويخاف عليها أن يترك هذه المحرمات في رمضان وغيره، وأن يكون عنده تعظيم لشعائر الله وتوقير لله عز وجل، وحياء من نظره إليه، وهو على هذه المعاصي الكبيرة في الليالي الفاضلة والمساجد عامرة بمن يركع ويسجد ويتضرع ويبكي ليكون من عتقاء الله من النار ومن أصحاب الجنة، ثم هو ماذا يفعل؟ يتغذى بنعم الله ويبصر بما وهبه الله من عينين مُنعهما الكثيرون، ويتقلب في نعم الله الظاهرة والباطنة، وبدلا من طاعة ربه يبارزه بالمعاصي في الأيام الفاضلة.
ألا فليشفق هذا المغرور على نفسه من قبل أن يأتيه الموت بغتة، ويحال بينه وبين التوبة، ثم يلاقي جزاء عمله السيئ بعد ذلك.
وليحذر من يرتكب هذه الموبقات من دعاء دعا به جبريل وأمن عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن دعا عليه هؤلاء فقد خاب وخسر، فعَنْ جَابِر قَالَ: صَعِدَ النَّبِي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمِنْبَرَ فَقَالَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ. الحديث رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ـ8/139ـ رواه الطبراني بأسانيد وأحدها حسن، وصححه الألباني.
زينة الزوجة لزوجها خلال الصوم
*هل يحل للزوجة إظهار الشعر واليدين والساقين لزوجها نهار رمضان؟.
-يجوز للزوجة إظهار الأشياء التي ذكرت للزوج في رمضان وغيره إلا إذا حصل يقين أو غلبة ظن بكون إظهار تلك الأعضاء سيترتب عليه ما يبطل صيام زوجها أو صيامها هي من إنزال أو غلبة شهوة تؤدي إلى المعاشرة ونحوها فيحرم ذلك سدًّا للذريعة، فمن القواعد المعروفة أن الوسائل لها حكم المقاصد، فوسيلة الحرام حرام، قال القرافي في الفروق: الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل، وربما عبر عن الوسائل بالذرائع وهو اصطلاح أصحابنا وهذا اللفظ المشهور في مذهبنا، ولذلك يقولون سد الذرائع ومعناه حسم مادة وسائل الفساد دفعا لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور، وليس سد الذرائع من خواص مذهب مالك كما يتوهمه كثير من المالكية. انتهى.
وفي اختصار المقاصد لعبد العزيز بن عبد السلام السلمي: وللوسائل أحكام المقاصد من الندب والإيجاب والتحريم والكراهة والإباحة. انتهى.
أفطروا ظنا أن الشمس قد غربت
*صمنا أياما من شهر شعبان وكنت مع عائلتي جالسين على مائدة الإفطار ننتظر أذان المغرب، وعند دخول الوقت سمعنا جميعنا الأذان من بعيد، فبدأنا بالأكل والشرب، وإذا بالصوت يقترب أكثر ويكون عبارة عن صوت سيارة جوالة تنادي لبيع جرار الغاز، وبعدها بثواني يبدأ الأذان الفعلي، فهل علينا هنا قضاء هذا اليوم أم ماذا؟.
مع العلم أن جميع إخوتي وأمي وزوجة أخي قد سمعوا الأذان الوهمي، وقد أكلت أنا وثلاثة من إخوتي فقط.
-إذا كان وقت المغرب قد دخل بالفعل وإنما تأخر الأذان شيئا ما فلا حرج عليكم في الفطر ولا يلزمكم قضاء، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم". متفق عليه.
وأما إذا كان المؤذن يؤذن مع أول الوقت فيجب على من أفطر قبل الوقت ولو بزمن يسير القضاء في قول الجمهور الذين ذهبوا إلى وجوب القضاء على من أفطر لغلبة ظنه أن الشمس قد غربت ثم بان أنها لم تغرب، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية عدم لزوم القضاء في هذه الحال، وهو قول طائفة من السلف، وأطال ابن القيم في تقريره والانتصار له في تهذيب السنن بما تحسن مراجعته، وعن عمر -رضي الله عنه- روايتان، إحداهما: بلزوم القضاء، والأخرى بعدم لزومه، والقول بعدم لزوم القضاء وإن كان وجيها إلا أننا نقول: كما روي عن عمر -رضي الله عنه- في الرواية التي أمر فيها بالقضاء: الأمر يسير.
ومن ثم فالذي ننصح به من أكل ثم بان له أن الشمس لم تغرب أن يقضي ذلك اليوم خروجا من الخلاف، ومتابعة للجمهور، واحتياطا للدين.
لعب القمار في نهار رمضان
*لعب القمار في رمضان وأنت صائم، هل يؤثر على الصيام؟.
-لا شك في أن لعب القمار من الزور الذي يجب على المسلم اجتنابه في كل وقت، وفي وقت الصوم يكون اجتنابه آكد والبعد عنه أولى، قال الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" {المائدة:90-91}.
فكيف تسول لمسلم نفسه أن يقدم على هذا الذنب العظيم والمنكر الجسيم في نهار الصوم، لا شك في أن من فعل هذا قد عرض نفسه لسخط الله ومقته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وذهب بعض أهل العلم إلى ما دل عليه ظاهر هذا الحديث فقالوا بفساد صوم كل من تعمد المعصية في نهار الصوم، وهو قول ابن حزم -رحمه الله- قال في المحلى ما عبارته: وَيُبْطِلُ الصَّوْمَ أَيْضًا تَعَمُّدُ كُلِّ مَعْصِيَة أَي مَعْصِيَة كَانَتْ، لاَ نُحَاشِ شَيْئًا إذَا فَعَلَهَا عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ. انتهى. وقال الجمهور إن الصوم لا يبطل بتعمد المعصية، وإن كان ثواب الصوم ينقص، ويكون الصائم الذي أقدم على هذه المعصية قد عرض صومه لعدم القبول،قال ابن المنير في الحاشية: بل هو كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه فلم يقم به لا حاجة لي بكذا، فالمراد رد الصوم المتلبس بالزور وقبول السالم منه.
وقال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه.
وقال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول. انتهى بتصرف يسير.
ومن ثم فالواجب على من فعل هذا الفعل في نهار الصوم أن يجتهد في التوبة إلى الله تعالى، وأن يندم على ما فرط منه أشد الندم، وأما صومه فصحيح مسقط للفرض في قول جماهير أهل العلم كما قدمنا.