الصفحات المتخصصة
20 يونيو 2016 , 12:04ص
مختار محمد مختار احمد
كانت السماء بلا غيوم، لكن وجوه الناس مسكونة بحيرة وحزن، يمشون بلا قوة ولا حيوية، ينقصهم الكثير من الثقة، أصابهم الكثير من التوتر، أبو لهب المغتاظ القديم لا يزال حيا، يسير متقدا غضبا، مكة كلها تنظر إليه، تخلف عن بدر، وهزم القوم، وقتل كبارهم، وهو يسير على قدميه.
استوقف أبو لهب ابن أخيه أبا سفيان بن الحارث وهو ممن شهد بدرا، وهو قرب حجرة زمزم، وسأله عما حدث ببدر، وجلسا مقابل بعضهما، حكى الرجل ما جرى، وهو ببساطة يتلخص في أن قريشا لقيت خيلا بيضاء عليها رجال بيض بين السماء والأرض، وأن المتكبرين القادمين من مكة، وقفوا مبهوتين، واستسلموا لرجال المدينة، فقتلوهم وأسروهم كيفما أرادوا.
تحمس القبطي النحيل الجسم، وهتف: والله إنها للملائكة.
هل كان يجب أن تتحمس يا أبا رافع؟ مولاك العباس خرج مع القوم يداري إسلامه بهذا الخروج، وتركنا وراءه فعلام تحرج موقفنا؟
هكذا فكرت المرأة الجالسة على جانب في الغرفة، وبجوارها عمود من حجارة، عليها أن تستعد للقادم المتعب، وفعلا وقع ما توقعت، فقد قام أبو لهب بكل غيظه وحنقه، وأمسك بأبي رافع، وانهال عليه ضربا، فسارت أم الفضل، وصرخت به: أستضعفته أن غاب عنه مولاه؟
وضربته بكومة من حجارة، فقام، ومشى منكسرا، خذل بني هاشم مرارا، وهاهو اليوم يواصل خذلانهم، والمسلمون الذين عاش ضدهم، قد انتصروا في بدر، وقريش لم تتخذ قرارا بعد، وهو يكاد يحترق ألما.
نظر وهو خارج من الحجرة إلى العزى شاخصة في الخارج، تسفع تمثالها الشمس، ترى هل ستظل معبودة للأبد؟
عادت أم الفضل لموضعها من الحجرة، وداوت أبا رافع، وواصلت إدارة أمور منزلها، كاتمة إيمانها القديم منذ زمان دار الأرقم، ترعى بنيها، وتدير أمور البيت مخففة عن زوجها العباس بن عبدالمطلب هموم مواجهة سخافات قريش، التي لم تتوقف حتى اليوم.
أنجبت بنيها بالتتابع مصاحبة للبعثة النبوية، ابنها عبدالله أنجبته في قلب أزمة شعب أبي طالب، التي جاع الكل فيها، لكن الله تعالى لطف، ونما الغلام بشكل طبيعي، مصاحبا بدعوة نبوية مباركة، برزت ثمارها لاحقا. هكذا يولد الأمل من رحم الألم القاسي، والمأساة التي برزت جلية في عام الحزن لاحقا، بوفاة خديجة رضي الله عنه وأبي طالب.
مرت الأيام مرهقة على العباس وزوجه أم الفضل رضي الله عنهما، كان قدرها محفوظا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد غضب وحرض على كعب ابن الأشرف لما تعرض في بيت شعر له يهجو فيه المسلمين بأم الفضل، وبلغ السيل الزبى، فغضب جماعة من الأنصار، وانتدبوا لقتله، فقتلوه.
انتهزت فرصة عمرة الحديبية، وقدمت أختها ميمونة بنت الحارث، ليتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل صلى الله عليه وسلم، وتزوجها حلالا بعد أن أنهى عمرته، وحل من إحرامه.
فقد اضطروا لمواصلة الكتمان حتى اليوم الموعود، حملت ابنها عبدالله وبقية إخوته، ومضت رفقة زوجها وأبي رافع النحيل، وبقية الموالي، ووصلوا المدينة.
راقبت ابنها يكبر بلسان سؤول وقلب عقول، يلازم النبي صلى الله عليه وسلم ويروي عنه، وعن أصحابه، ويفسر القرآن لأمته، ويحضر مجالس عمر رضي الله عنه، مع كبار الصحابة.
تنهدت ذات يوم، وهي تسمعه يتلو سورة المرسلات، فقالت:
لقد ذكرتني بقراءة هذه السورة، وإنها لآخر ما سمعت رسول الله يقرأ بها في المغرب.
كانت تلك آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين.
مرت الأيام، ومضت لبارئها قبل زوجها العباس بقليل زمان عثمان رضي الله عنهم جميعا.
وتركت أحفادها يحكمون العالم بعد ذلك بمائة عام.