جروبي.. مقهى يشكّل قطعة من تاريخ مصر
منوعات
20 يونيو 2014 , 12:00ص
القاهرة - عبدالغني عبدالرازق
جروبي مقهى عريق وقديم بميدان طلعت حرب بالقاهرة، أسسه جاكومو جروبي، وهو رجل سويسري جاء إلى مصر بسبب الحالة الاقتصادية السيئة في أوروبا، فلم يكن أمامه في ذلك الوقت حل ليعثر على مستوى حياتي مريح سوى أن يترك مدينته ليجانو إحدى مدن سويسرا ليسافر إلى فرنسا بعد أن تعلم صناعة الشيكولاتة والحلوى على يد عمه، حيث استقر هناك لفترة قصيرة طور خلالها من مهارته في صنع الحلوى ليأتي بعدها إلى القاهرة عام 1889، وعمل في مجال تخصصه في الإسكندرية في أحد محلات الحلويات الشهيرة بشارع فرنسا، وفي عام 1907 قام بتأسيس مقهى جروبي.
هذا المقهى أكبر بكثير من مجرد مقهى شهير بالقاهرة، أو ماركة مسجلة في صناعة الحلوى والجلاس، حيث يقدم الشاي والجاتوه في أجواء كلاسيكية، وكأنه مشهد معاد من فيلم أبيض وأسود. الطريف أن المقهى شهد فعلا تصوير العديد من الأفلام العربية القديمة أشهرها (العتبة الخضراء) و (يوم من عمري)، وقد ورد اسم المقهى في العديد من الأفلام مثل إشاعة حب لعمر الشريف وسعاد حسني، وأين عمري لماجدة الصباحي، وحلاق السيدات لعبدالسلام النابلسي.
مقهى الباشاوات
لم يكن جروبي مجرد مطعم ومقهى على الطراز الفرنسي، وإنما جاء كمشروع ثقافي يرسي ذوقا وتقاليد جديدة، حيث اعتبر مركزا من مراكز الحداثة، فكان يقيم العديد من الحفلات الراقصة، ويستقدم الفرق الموسيقية، ويعرض في حديقته الخلفية عددا من الأفلام السينمائية. وقد أدخل جروبي إلى مصر للمرة الأولى أنواعا جديدة من العصائر والمربى والجبن والحلوى والكريم شانتيه، وأجود أنواع الشوكولاتة والمارون جلاسيه، لدرجة أن بنات الملك شارل ملك إنجلترا، أعجبن غاية الإعجاب بمذاق الشوكولاتة التي أكلنها في قصر الملك فاروق، فأرسل فاروق إليهن هدية بعد عودتهن إلى لندن، عبارة عن 100 كيلو شوكولاتة من صنع جروبي.
والمقهى كان له مدخل جانبي خاص لا يعرفه أحد، وكان مخصصا في الماضي لدخول الباشاوات والوزراء وكبار الشخصيات من المصريين والأجانب، الذين كانوا يترددون على جروبي في فترة الأربعينيات والخمسينيات، ويتناولون فيه غداءهم.
ومن هنا، كان جروبي أكثر من مقهى، لأنه كان أيضاً رمزاً عتيقاً على التأثير في الحياة السياسية والاقتصادية والحراك الاجتماعي والنهضة الفنية التي عرفت بها مصر خلال الثلاثينيات والأربعينيات، حتى استمرت المسيرة إلى الآن، بالإضافة إلى أنه كان يعكس الأرستقراطية الاجتماعية التي شهدتها تلك الفترة، فكل من يدخل جروبي كان وقوراً شديد الأناقة في منتهى اللباقة، تفوح رائحة العطر من الزبائن لتختلط بجماليات روائح الجاتو والكيك والمارون جلاسيه.
المحافظة على التراث القديم
تظهر من خارج المطعم العلامة التجارية «جروبي» بحروف عربية وأخرى لاتينية تجعل من يراها يدرك أنه أمام محل ذي طابع خاص، وليس كباقي المحال الحديثة، كما يظهر المعمار الأوروبي لنهاية القرن التاسع عشر للعمارة التي تعلو المحل، ومن الداخل لا يزال يحتفظ المحل ببعض الأثاث القديم الذي يرجع لبدايات القرن العشرين، ويعطي أيضاً الأثاث انطباعا بفترة السبعينيات من القرن الماضي. الطريف أن العاملين بالمحل محتفظون بملابسهم الكلاسيكية الأنيقة.
بيع المحل
قام شيزار وبيانكي آخر ورثة المحل عن جدهم ومؤسسه جروبي ببيع المحل إلى الشركة العربية للأغذية سنة 1981م. قامت الشركة العربية للأغذية بالمحافظة على طابع المحل التقليدي من حيث الشكل والمضمون.