دعاة وتربويون يحضون الشباب على مواصلة العلم واحترام المدرسين
تحقيقات
20 أبريل 2013 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
يميل معظم طلبة المدارس إلى متابعة المباريات الرياضية وممارسة الألعاب الإلكترونية، ويبتعدون عن طلب العلم ومتابعة التعليم إلا من رحم الله، ويبدي كثير من الطلبة رغبة في الحصول على العمل دون متابعة التعليم لما يجدون فيه من المكسب السريع المريح، ويطرح كثير من المعلمين والتربويين وخبراء التعليم وعلم الاجتماع قضية ضعف التعليم عموماً، خصوصاً المراحل المدرسية كأهم ما تواجهه المجتمعات العربية، وغالباً ما تبرز قضية تراجع أهمية المعلم وقلة احترامه وتدني هيبته بين الطلبة وفي المجتمع مما انعكس على مستوى التعليم، وأضعف من تأثيره في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية.
فما الذي أصاب التعليم؟ ولماذا تراجعت هيبة المعلم وأهميته؟
ومن المسؤول عن تراجع اهتمام الطلبة بمواصلة الدراسة وطلب العلم؟
أسامة أبوزيد (منسق قسم التربية الإسلامية بمدرسة مستقلة) قال لـ «العرب»: إن الكثير من الطلبة يبدون عدم اهتمام بمواصلة الدراسة وبذل المجهود في طلب العلم، منوهاً إلى أن مجهودات كبيرة وميزانيات ضخمة تبذل في الإنفاق على التعليم إلا أن المعلمين في الميدان والمدارس عموماً يلحظون أن الطلبة يتلقون دروسهم دون رغبة في التعلم، وتجد أنهم يجلسون على مقاعد الدراسة وعيونهم على المباريات الرياضية والألعاب الإلكترونية.. وغيرها.
وأكد أبوزيد أن مسألة تراجع هيبة المعلم واحترامه قد تكون نقطة رئيسية في مسلسل الإهمال في مؤسسات التعليم عموماً في الوطن العربي كله، فتجد أن المعلمين من جميع أنحاء العالم العربي يشتكون من نفس المشكلات؛ طلبة مجبرون على الجلوس على مقاعد الدراسة وهم غير راغبين بها، فيقومون بابتكار كل الوسائل والأساليب لإزعاج المعلم والتطاول عليه والتأثير على سير العملية التعليمة، فهم غير راغبين بالتعلم ولا يريدون لغيرهم أن يتعلم، والقوانين التربوية بشكل عام تقيد المعلم وتحد من قدرته على اتخاذ الإجراءات السريعة اللازمة لضبط الطلبة، ويُشغل المعلمون بأعمال مكتبية وورقية كثيرة لها أول وليس لها آخر، ويضيع الهدف الأصلي من التعليم ويصبح همّ المعلم في كثير من الأحيان الانتهاء من الأعمال الأخرى المصاحبة للتعليم وليس التربية والتعليم التي يعمل عليها المعلم أصلا.
العلم مفتاح الخير
الداعية القطري الشيخ جاسم بن محمد الجابر أكد أهمية فضل العلم والعلماء، وقال إن العلم مفتاح الخير والعلم سبيل النجاة والخشية من الله تعالى، وصدق الله إذ يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، وقال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، والله تعالى في كتابه أثنى على العلماء وفضلهم، فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، والنبي علمه ربه وأمره بالثناء على أهل العلم وتفضيلهم، ووعد طالب العلم بالخير والثواب الجزيل؛ فقال في الحديث: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»، وبيّن لنا في حديثه النبوي أن: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، كذلك صح عنه أنه قال: «إن الله تعالى وملائكته وأهل السماء وأهل الأرض حتى النملة في جحرها والحوت في البحر ليستغفرون لمعلم الناس الخير».
وبيّن الجابر أهمية طلب العلم والنفع الذي يعود به العلم على الفرد والمجتمع، وقال: لذا نجد أن المجتمع المثقف المتعلم متقدم متحضر، يعلي القيم النبيلة والخصال الحميدة، ويحارب الجهل ويترك الصفات الذميمة؛ لأنه اكتسى بكساء العلم، وهو كساء الخشية والمهابة، ورجاحة العقل وحفظ الدين.
دور أولياء الأمور
وأوضح الجابر أن دور أولياء الأمور في هذا الأمر كبير، خاصة الأمهات؛ فعليهن مسؤولية عظيمة من منطلق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» وفيه: «والمرأة راعية في بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم» وأعظم شيء تقدمه الأم أو يقدمه مسؤول لرعيته هو العلم، وهل ورث الأنبياء للأمة من بعدهم غير العلم.. فلم يرث الناس من الحكماء والأنبياء والعلماء ديناراً ولا درهماً؛ إنما ورثوا العلم، وهو الذي به تسعد البشرية في دينها ودنياها ومعاشها وآخرتها، فهذا هو ميراث الأنبياء والعلماء الحقيقي.
وأشار الجابر إلى قصة واحد من أئمة أهل السنة وهو الإمام أحمد بن حنبل –رحمه الله- الذي ربته أمه صغيراً على طلب العلم، ومثله في ذلك الإمام الشافعي رحمهما الله تعالى؛ فقد كانت أمه توقظه من نومه مبكراً قبل الفجر، وتجهزه وتذهب به للجامع الكبير، وتجلسه بين أيدي الحفاظ والعلماء، وتكفيه الطعام والشراب ليطلب العلم ويشتغل به، حتى صار إمام أهل السنة، موضحاً أهمية توقير أهل العلم ومحبتهم والجلوس بين أيديهم وملازمتهم؛ لأن في ذلك كله شرف الإنسان وعزه ورفعته في الدنيا والآخرة.
أمانة التعليم
مأمون عبدالسلام درويش (معلم متقاعد) قال: إن الأمانة في التعليم أمانة عظيمة، ومسؤولية كبيرة لمن عقلها، وأدى حقها، وأخلص لله فيها، فقام بها خير قيام، والمعلم والمعلمة من ذوي الصلاح والتُقى يحرص كل منهما على غرس الفضائل في قلوب الأبناء والبنات، وغرس العقيدة السليمة، والأخلاق الكريمة، والسلوك الحسن والسيرة النبيلة، ولو قيل لك إن العالم الفلاني يدعو لك في ظهر الغيب لسرك ذلك.. ودعاك إلى مضاعفة العمل وبذل الجهد، فما ظنك إذن بمن يدعو له ملايين الخلق؛ فعن أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأراضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير»، والصلاة من المخلوق هي الدعاء، (رواه الترمذي والدرامي)، وأي منزلة عالية تلك التي يبلغها المعلم! أن يصلي عليه الله سبحانه وتعالى وملائكته الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، بل وسائر أهل السماء والأرض.
وأكد درويش أن كل واحد منا يبذل جهده من أجل أن ينجح ابنه ويفرح به متعلماً مجتهداً، وعالماً مرموقاً، ويناله الكمد والحزن إن لم يسعفه القدر ولفظته مقاعد الدرس، وهذا أمر طبيعي، وتصرف راشد، لكن كان ينبغي أن نبدأ من البداية، حتى نوفر بإذن الله للنهاية السعيدة أسبابها المعقولة، وأول ما ينبغي تعويد التلاميذ والأبناء عليه احترام معلمهم، وتوقيره والقيام بحقه، لاسيَّما إذا كان هذا المعلم صالحاً فاضلاً، هذا السلوك مبدأ إسلامي ثابت أكده نص الشرع وثبته، وقد جاء في الحديث الشريف الذي رواه الطبراني: «تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه»؛ فالتكبر على المعلم خلق لئيم لا يمكن للمتعلم معه أن ينجح أو يفلح، والاستخفاف بالمعلم والاستهزاء به واحتقاره من خصال المنافقين والعياذ بالله، جاء في الحديث الذي رواه الطبراني كذلك: «ثلاث لا يَستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط».
ونوه درويش إلى أن التواضع للمعلم باب من أبواب الفلاح وسبب من أسباب التحصيل، هكذا يربينا الإسلام وهكذا يرشدنا، وهو حق من حقوق المعلم على المتعلم، وتأمل معي تواضع سيدنا موسى -وهو نبي من أولي العزم عليهم السلام- مع معلمه الخضر -عليه السلام- كما قص القرآن الكريم علينا في سورة (الكهف 69): {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}، وهذا هو سمت المتعلم؛ أن يعلَم أن ذُلّه لمعلمه هو عزّ له، وأن خضوعه فخر، وأن تواضعه رفعة، قال أبوحامد الغزالي رحمه الله: «لا يُنال العلم إلا بالتواضع».
آداب المتعلم
وبيّن درويش أن العلماء قد أرسوا آداباً للمتعلم، منها ألا ينادي معلماً إلا نداء مقروناً، بما يشعر بالاحترام والإجلال: كنداء سيدي، أو يا معلمي، أو يا شيخي، أو يا أستاذي، ورحم الله شوقي حين قال: أعلمتَ أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفســاً وعقولا، وقديماً قال الشاعر: إن المعلم والطبيـب كلاهـما لا ينصحـان إذا هما لم يُكرما، فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه واصبر لجهلك إن جوفت معلما، ومما قاله الإمام علي -رضي الله عنه وكرم وجهه- في تبيان حق العالم على المتعلم، في وصية جامعة مانعة: «ومن حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيديك، ولا تغمز بعينيك غيره، ولا تقولن قال فلانٌ خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، عليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سَبَقت القوم إلى خدمته، ولا تسارر أحداً في مجلسه، ولا تأخذه بثوبه، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة ينتظر أن يسقط عليك منها شيء».
لماذا فقد المعلم احترامه؟
محمد المسلم قال نسمع آباءنا يقولون إن المعلم عندما كان يدخل الفصل الدراسي كنت تكاد تسمع دبة النملة، وكان الطلبة يقفون له إجلالا وتقديراً واحتراماً، كانوا يهابونه ويحترمونه ويقدرونه حق تقديره، وكانت سلطاته واسعة على التلاميذ يحاسبهم ويعاقبهم كما يشاء، ولم يكن أحد يجرؤ على حسابه أو معاتبته أو حتى مراجعته سواء من الطلبة أو من أهاليهم، أما اليوم فقد انعكست الصورة تماماً، فقد أصبح المدرس يخاف أن يستثير غضب أحد طلابه حتى لا يكون نصيبه منه «علقة ساخنة» عقاباً على تطاوله على التلميذ، وصار كثير من المعلمين يشترون ود الطلاب سعياً وراء استقطاب أكبر عدد منهم للدروس الخصوصية، فيتقرب إليهم ويطلب ودهم ورضاهم، ولكن هل هذه الصورة الممسوخة للعلاقة بين المعلم وتلميذه جديرة بإخراج جيل ناجح مثقف؟ وهل يمكن للطالب أن يحقق تقدماً وتفوقاً مع وجود مثل هذه العلاقة التي تفتقر إلى احترام المعلم، والذي يفترض أن يكون مثلا أعلى وقدوة للتلاميذ والمجتمع.
وتساءل المسلم من المذنب في هذا التردي الشديد؟ المدرس الذي تراجعت مكانته وأهميته في المجتمع وتراجع دخله حتى صار يسعى بالليل والنهار لتأمين الحياة الكريمة لأهل بيته، أم أولياء الأمور الذين شجع بعضهم أبناءه على التطاول دون ردع أو توجيه؟ أم هو ضعف التربية وتراجع التعليم كأحد أهم أولويات المجتمع؟ أم هي المناهج التعليمية؟ أم كل ما سبق ذكره مجتمعا؟
تحية للمعلم المخلص
نورة جمال (مواطنة تعمل بمؤسسة حكومية) قالت: إن الحرص على التعلم يعطي الإنسان فرصة لتحقيق أحلامه وبلوغ أهدافه ويتحقق ذلك باحترام المعلم الذي يعد سبباً رئيسياً في نجاحنا وتفوقنا، ولا يسعني هنا إلا أن أوجه تحية سمعتها من بعض الأصدقاء إلى من ينفق من مشاعره وأحاسيسه قبل أن ينفق من أوقاته، وينفق من دمه ونفسه أضعاف ما ينفق من تعليمه وتـوجيهاته، تحية إلى من يحاول أن يرد المعوج إلى طريقه والمنحرف إلى سبيله، والعاق إلى بره، والمفـرط إلى صوابه، تحية إلى من جعل من أبناء المسلمين أبناءه، فغدا عليهم شفيقاً، وبهم رفيقاً، يسعى لزيادتهم كمّا وكيفاً، ويجتهد في تعليمهم.. تحية إلى من حبس حاجته في صدره ولم يبح إلا بحاجة واحدة هي أن يتفيأ الجيل المسلم ظلال القرآن، ويستنشق عبير الإيمان، ويفيء إلى طاعة الرحمن، ولأجل هذا يضحي بالغالي والرخيص، ويجود بالبسيط والنفيس.
تحية إلى من لم يشغل نفسه بالسؤال: ماذا أخذتُ؟ ولكنه يسأل دائماً: كم أعطيت؟ كـم وجهت؟ كم علمت؟ كم أفدت ونصحت؟ ماذا أثرت؟ سؤالَ اللائم نفسَه.. وقبل أن يتهم طلابه يتهم نفسه.. يقول: لعلي لم أجرد نيتي، لعلي لم أحسن طريقتي، لعلي زدت في قسوتي، لعلي أفرطت في تجاوزي ومسامحتي، تحية إلى المعلمين وهم خير الأمة، كما شهد بذلك نبي الأمة، حين قال كما روى البخاري عن فضـل المقـرئ والقارئ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، فحاز الخيرية من طرفيها؛ تعلم وعلـم، وقـرأ وأقرأ، وصلح وأصلح، ورشد وأرشد، تحية إلى من سكن القرى والهجران والأماكن البعيدة واصطحب معه النور الذي لا يخبو يبدد به الظلام، ويوقظ النيام، ويبارك به الأيام.
ظاهرة بين الطالبات
وبيّنت فاطمة أحمد (طالبة في السنة الأولى من الجامعة) أن ملاحظات كثيرة من المدارس في الآونة أصبحت تشير إلى ظاهرة منتشرة بين أوساط الطالبات ألا وهي قلة احترام المعلمات، وكانت هذه الظاهرة متفشية في مدارس البنين بشكل كبير وما زالت إلى اليوم، وقد آلمني كثيراً تفشي هذه الظاهرة بين الطالبات. وقد حاولت مع بعض الطالبات والمعلمات والمهتمات البحث عن أسباب هذه الظاهرة وسبل علاجها، وذلك للوقوف على أهم الأسباب التي أدت إليها.. وأتمنى أن يوضع لها حد في المستقبل القريب إن شاء الله، ومن وجهة نظري وقد كنت طالبة بالمدرسة قبل فترة قريبة.. فإن عدم احترام المعلم ظاهرة منتشرة في كل الوطن العربي.. وكلنا يعرف ذلك، لدرجة أن المعلمة في هذه الأيام تشرح الدرس وتجد واحدة من البنات تلوك العلكة وليس أمام المعلمة إلا الصمت.. لأن ذلك هو الحل الوحيد لديها.
وهنا تقول فاطمة أقول إن طريقة تعامل بعض الإدارات المدرسية مع المعلمات والطالبات فيها مشكلة، فيطلب من المعلمة إرسال الطالبة المشاغبة إلى الإدارة.. فترى المعلمة أن إرسال طالبة للإدارة كما جاء على لسان أحدى المعلمات في حديث معي إهانة للمعلمة، لأن الموضوع هنا وكأننا نقول للطالبة «أنا ليس لدي سلطة عليكي، أنا لا أستطيع ضبطكي.. فاذهبي إلى من هو أكبر مني كي يوبخك»، لذلك أصبحت الطالبة لا ترى قيمة للمعلمة، نست أنها مربية أجيال.. تغاضت عن كبر سنها.. قللت من احترامها..
وهنا يرجع السبب إلى تفرعات عدة منها غياب التربية الصالحة، مرورا بالصحبة السيئة، انتهاء بفرض الشخصية أو إظهار نفسها أمام الطالبات أنها صاحبة سلطة وموقف حتى على المعلم».