الحذيفي يحذر المسلمين من الاختلاف المفرق للصفوف

alarab
قطر اليوم 20 أبريل 2013 , 12:00ص
الدوحة - محمد عيادي
أكد الشيخ الدكتور أحمد بن علي الحذيفي أن الخلاف أمر طبيعي وسنة الله في خلقه ما لم يفرق صفا أو يثر فتنة، قائلا: إن سنة الله الكونية جرت في خلقه ونفذ ناموسه القدري في عباده أن خلقهم مختلفي الألسن والألوان والمدارك لقول الله عز وجل «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ». وأضاف أحد الأئمة بالمملكة العربية السعودية في خطبة الجمعة بمسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب أمس، أن هذا الاختلاف والتمايز والتباين بين العباد يقتضي الاختلاف في الأمور الدينية والدنيوية، وأن الاختلاف بذاته لا يثير فتنة ولا يولد تنافرا وأن الخلاف العلمي لا يثير كوامن النفوس ونزعات الصدور إلا عندما قل فقهه في دين الله وضعفت تربيته وساء قصده ونيته، موضحا أن العلماء الراسخين والدعاة الصادقين المخلصين لا يقعون في ذلك لأنهم يعلمون أن سنة الله جرت على الاختلاف لقول الله تعالى « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ». وزاد الداعية السعودي أن العلماء والفقهاء والمصلحين في كل زمان ومكان ليسوا بدعا من البشر ولا خارجين عن هذه السنة الكونية، مؤكداً أن الشرع المطهر جعل الاختلاف بين أهل العلم دائرا بين الأجر الواحد لمن أخطأ والأجرين لمن أصاب، وأنه إذا صحت النية وكانت الوسيلة صائبة وكان المجتهد من أهل النظر فلا ينبغي أن يكون ذلك مدعاة للنزاع والخلاف. واستشهد المحاضر بقسم التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية بالمدينة بمثال من الخلاف الراقي من الرعيل الأول بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حج عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 29 للهجرة فصلى بمنى وعرفة أربعا، وكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم القصر، فتكلم الناس في ذلك، وعاب عليه جمع من الصحابة ذلك، وقال له علي رضي الله عنه لقد أحدثت أمرا وما يزال العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا، فأجابه هذا رأي رأيته، وبين عما بلغه أن جمعا من الناس قالوا إن صلاة المقيم ركعتان، وإني اتخذت أهلا بمكة، وبيّن حجته وما ذهب إليه، ,وقال له علي رضي الله عنه ليس لك عذر فيما ذهبت إليه من شيء، إلا أنه (بن عوف) لقي في طريقه بعد ذلك عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فقال له يا أبا محمد لقد غير ما نعلم، فقال بن مسعود فما أصنع، فقال اعمل بما ترى وتعلم، فقال بن مسعود كلمته التي ينبغي أن يجعلها المسلم نبراسا ومنهاجا يسلكه كلمة سطرها التاريخ وترددها الأجيال جيلا بعد جيل: «الخلاف شر كله وقد صليت بأصحابي أربعة»، فقال عبدالرحمن بن عوف «وأنا صليت بأصحابي ركعتين وأما الآن فسأصلي بهم أربعة». وقال الخطيب إنه لا ينبغي للمسلم أن يخطر بباله أن عثمان رضي الله عنه قد انطوى على هوى في نفسه أو كان يريد عصيانا أو تنكرا للسنة أبداً ولكنه ذهب لرأي رجحه ورآه صوابا، وفي المقابل كان موقف مخالفيه أن تركوا ما رأوه راجحا صوابا رغبة في توحيد صف الأمة وجمع كلمتها. وأوضح الشيخ الحذيفي أن الخلاف والاختلاف أمر وارد وسنة كونية، لكن الأمر بات في غاية السوء اليوم في ظل الظروف التي تمر منها الأمة الإسلامية والعواصف التي تموج بها، حيث إن أعداء الإسلام لم يجدوا مدخلا أعظم من اختلاف المسلمين وأيسر عليهم تحقيقا لمآربهم الناظر في واقع الاختلاف بين المسلمين الذي يكاد يطال تفاصيل حياتهم ليجزم أن أغراضا وأهواء كامنة وراء هذا الاختلاف، بل يجزم أن هناك أصابع خفية تحرك هذا الخلاف حتى تحقق مآرب أعداء الإسلام ولا عجب، فقد فشا سوق النفاق وكثر الدخلاء. وقال الداعية السعودي، إني أرى أن الأهواء النفسية والأغراض الدنيوية تحيل الاختلاف المحتوم بمقتضى سنة الله عز وجل إلى خنجر يطعن في خاصرة الأمة وسهم يصيب مقاتلها وحجر يقف في طريقها، مضيفا أن الهوى ما خالط شيئا إلا أفسده وما صاحب شيئا إلا غيره، وأن الإنسان يغير الحقائق بدافع الهوى ولا تعجب بعد أن ترى العالم يخرج من السنة إلى البدعة وأن ترى الزاهد يرغب في الدنيا ويوقعه الهوى في الرياء وأن ترى الحاكم أو غيره يقلب الحقائق فيحيد عن الحق. وبين الخطيب أن ما سبق يبرز دور قادة الأمة حكاما وعلماء ومصلحين في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ المسلمين، وأنهم مطالبون بأن يديروا أزمة الاختلاف ويقودوا الأمة لبر الائتلاف، فبهم يصلح حالها في غالب ويفسد بفسادهم، مؤكداً أنه إذا أصيب الإسلام في قادة الأمة حكاما وعلماء ومصلحين فإن أمل الإصلاح ضعيف والله المستعان. ونوه الشيخ الحذيفي للكاتب المغرض والمستمع المتجني والقارئ المسيء ومتتبعي العثرات وهفوات للمسلمين، إذا وجدوا سيئة نشروها بين الناس وإذا وجدوا حسنة دفنوها، وإذا لم يجدوا سيئا من الكلام لووا أعناق النصوص ليا حرفوا الكلام عن مواضعه ودسوا أنوفهم في المقاصد والنيات. وتساءل، ماذا يريد هؤلاء من المسلمين، ألا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم، وأن الله يحصي عليهم أقوالهم وأفعالهم ويجازيهم في يوم لا ينفع فيه إلا العمل الصالح والصدق مع الله عز وجل، داعيا المسلمين للاعتصام بالحق والتقوى لقول الله تعالى «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن هذه الأمة عظيمة أمة واحدة لا ينبغي أن يتخلل الخلاف والنزاع صفوفها ولا يفرق الشقاق والشحناء تماسكها، وضرورة التزام التآخي والتراحم والصفح عن عثرات العاثرين. وفي الخطبة الثانية أوضح الشيخ أحمد الحذيفي أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة تؤكد على أهمية الاتفاق والائتلاف وتدعو لترك النزاع والاختلاف، مشيراً إلى أن النبي كان أحرص ما يكون على اجتماع كلمة الأمة وعلى ألا يتخلل النزاع صفوف المسلمين حتى في الأمور التي لا تنعكس على أمور الدين، حيث إنه رأى في بعض أسفاره أصحابه قد تفرقوا في الشعاب والأودية، وقال إن تفرقكم في الشعاب والأودية من الشيطان، فكانوا بعد ذلك إذا نزلوا منزلا بقوا مجتمعين، وقيل لو أن أحدهم بسط رداءه لعمهم. وأضاف الخطيب أن الله عزل وجل وعظ المسلمين بعد أن أفاء عليهم بالنصر والظهور يوم بدر فقال «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ»، وكأنه سبحانه يشير لما سيقع بعد ذلك في غزوة أحد من أمر التنازع مما مكن أعداء المسلمين، حيث قال عز وجل: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ». ودعا الشيخ الحذيفي المسلمين للتمسك بالصلاح والحرص على تقوى الله تعالى لأنها تاج الفضائل وزينة وخير زاد يقدم به العبد يوم المعاد لقوله تعالى «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى»، لأن التقوى تضبط النفس وتحول دون زيغها واتباع أهوائها.