النعمة: الخوف على الرزق سوء ظن بالله وقلة تدبير من الناس
محليات
20 فبراير 2016 , 02:22ص
الدوحة - العرب
أكد الشيخ عبدالله النعمة أن الرزق لا يقتصر على المال، وأنه يتسع ليشمل الإيمان والذرية الصالحة والصحة والعافية، والصحبة الصالحة، واعتبر كثرة الخوف الذي أصاب الأفراد والشعوب، وشمل دولا عربية إسلامية نتيجة الوضع الاقتصادي العالمي، مرده إلى سوء تدبير أثناء الرخاء وقلة ثقة وسوء ظن في الله حال الشدة.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب إن المال قوام الحياة وزينتها، والناس يستقبلون صباحهم في كل يوم وشؤون الرزق مستولية على أفئدتهم، مستحوذة على أفكارهم، المقلّ منهم يريد سعة، والموسع يريد مزيدا، فإما غني فيه طمع، أو فقير عنده قلق، وقليل من هم بين ذلك.
وأشار إلى أن للناس مع الرزق في هذه الحياة، مذاهب شتى ودروب متفاوتة، كل بحسب ما يحمله قلبه واعتقاده عن مفهوم الرزق ومفهوم طلبه واستيعاب الواجب تحقيقه من الوسائل المؤدية إليهما.
وأوضح أن من واسع فضل الله عز وجل وجميل كرمه أن كثيرا من الناس يحصرون الرزق في درهم ودينار، أي المال، ولم يعلموا أن الصاحب الوفي هو رزق من الله، وأن الصحة والعافية هي رزق من الله، وأن الذرية الصالحة والزوجة المؤمنة هما رزقا من الله، وأعظم الرزق وأجلّه وأكبره وأقدسه أن ينعم الله عليك بالإيمان وصلاح الأعمال {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}.
وأشار الشيخ عبدالله النعمة إلى أن بعض الناس قلق متوجس، لا يهنأ بنوم ولو أغمض عينيه، ويتجرع طعامه وشرابه على شرق ولا يكاد يسيغهما، لأن هاجس الرزق مستول عليه وجاثم بقلبه، فهو لا يثق بوعد، ولا يستحضر قدرا قدره الله، ولا يأمن سبيلا، يرى نفسه بين الحياة والموت إن لم يلهث وراء الرزق بلا شرط ولا قيد، بل تستوي عنده وسائل التحصيل حلالا كانت أم حراما ما دامت غايته تبرر الوسيلة. وذكر أن مثل هذا إذا رأى أول الرزق سال لعابه لآخره حتى يأكل ولا يشبع، ويشرب ولا يرتوي، ليصدق عليه قول المصطفى: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".
جشع وشَرَه
وقال إن من هذه حاله يستبد به الجشع والشراهة، فيجعلانه لا يكتفي بقليل، ولا يشبع من كثير، لا يكفيه ما عنده فيمتد إلى ما عند غيره، فيصيبه سعار الآكل الذي لا يشبع. وأوضح أن في الناس من هو عكس ذلك تماما، قد أخلدت نفسه إلى الراحة، وآثر الدعة، وجلس حلس بيته، لا يهش ولا ينش! ينتظر السماء أن تمطر ذهبا أو فضة، يرى أن القاعد كالساعي أو خير منه، بل يرى أن السعي لطلب الرزق جهد مهدر ونقص في التوكل والقناعة، لقد ظلم فئام من الناس القناعة فحسبوها الرضا بالدون، فعموا وصموا عن غير هذا المعنى، فضعفت الهمم عن طلب معالي الأمور، وعلت همة تمجيد الفقر والجوع. وهؤلاء وإن كانوا هم القلة في المجتمعات في سائر العصور إلا أنهم يرفعون عقيرتهم بهذا أحيانا كثيرة.
وروى النعمة أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى قوما قابعين في ركن المسجد بعد صلاة الجمعة، فسألهم: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون على الله، فعلاهم عمر رضي الله عنه بدرته ونهرهم وقال: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وإن الله يقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}.
وحكي عن سفيان الثوري رحمه الله أنه كان يمر ببعض الناس وهم جلوس بالمسجد الحرام، فيقول: ما يجلسكم؟ قالوا: فما نصنع؟! قال: اطلبوا من فضل الله، ولا تكونوا عيالا على المسلمين.
المسلم السعيد
وأكد النعمة أن المسلم السعيد هو الذي تعتدل أمامه مسالك الحياة في طلب الرزق، فيعمل ويتصبب منه عرقه ليتطهر من فضلات الكسل وجمود النفس، ويكسب الكسب الحلال الطيب، إذ المسلم ليس قابعا في معتكف أو راهبا في دير لا عمل له ولا كسب، لأن الإسلام لا يعرف المؤمن إلا كادحا عاملا في هذه الحياة، آخذا منها، معطيا لها.
واستشهد بما رواه البخاري عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".
وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم تعوذ من الفقر، وأمر بالتعوذ منه، لأن الإسلام يريد من أهله أن يكونوا أقوياء أغنياء، لا مهازيل ضعفاء، فالإسلام لا يريد الفقر المذل لأتباعه، كما أنه لا يريد الغنى المطغي بصاحبه، فلا هو مع الكسول المحتال باسم التكسب، ولا هو مع الذين يحبون المال حبا جما، يعميهم عن دينهم وأخلاقهم.
المال لا يدوم
ولفت إلى حقيقة مهمة هي أن المال غاد ورائح، ومقبل ومدبر، يغتني بحصوله أقوام، ويفتقر بعدمه آخرون، {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}.
ونصح العبد المؤمن بأن يبذل الأسباب، ويبتغي عند الله الرزق، فلا يدري أين خبأ الله له رزقه، فمصادر الرزق ليست سواء، والناس يتناوبون على معايش الحياة، يطلبونها على صورة تناوب لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
ونبه على أن الله جل وعلا قسم المعاش وقدر الأرزاق، مبينا أن الناس أجمعين لا يملكون لك عطاء ولا منعا، وإنما الناس وسائط، فما أعطوك فهو بقدر الله، وما منعوك فهو بقدر الله، وما كان لك فسوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك فلن تناله بقوتك.
واستدل بما رواه الإمام أحمد عن رجلين من الصحابة دخلا على النبي فأعاناه على شيء كان يصلحه، فقال لهما: "لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله عز وجل".
مسألة دقيقة
وأكد خطيب جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أن مسألة الرزق أدق من أن يفهم الناس أغوارها، وأعظم من أن يدركوا حكم الله فيها، لأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. ونصح بالنظر إلى شيء من مطالب الرزق على وجه التدبر واستحضار حكمة اللطيف الخبير فيها، لنجد أن من الناس من لم يكتب له رزقه إلا في أعماق البحار كالغواصين، أو في ثبج الهواء بين السماء والأرض كالطيارين والملاحين، أو تحت الأرض يجدون لقمة عيشهم في كسر صخر صلد كأصحاب المناجم.
وذكر أن من حكمة الله وعظمته تسخير عباده بعضهم لبعض، {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}.
ودعا بالرحمة لعبد كسب فتطهر، واقتصد فاعتدل، وذكر ربه ولم ينس نصيبه من الدنيا، ويا خيبة من طغى ماله ورزقه عليه، وأضاع دينه وكرامته، وكان من الذين قال الله فيهم {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}.
وقال إن المؤمن الحق هو الراضي بما قسم الله له من رزق، وهو الموقن بعدل الله فيما قسم من أرزاق لحكمة يعلمها سبحانه، {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}.
{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.