أبوتريكة وعمر جابر.. عملة ممنوعة في مصر!

alarab
منوعات 20 فبراير 2015 , 05:48ص
شريف عبد الغني
«أنا مش هعمل أبوتريكة جديد عندي».
جملة عابرة نطقها مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك «المصري سابقا- الماسري حاليا»، تعليقا على اللاعب عمر جابر الذي رفض اللعب على جثث شهداء النادي، من زهور الشباب وزغب الصبية الذين رأفت بحالهم «ماسر الجديدة» وأرسلت أكثر من 30 منهم دفعة واحدة، إلى الدار الآخرة، لتريحهم من هموم الدنيا ومشاكلها. ولأن مرتضى هو أحد كبار المتحدثين باسم السلطة، وعنوان لجمهورية البلطجة والتفاهة والتسول وقلة الأدب، جابها من الآخر صريحة: «أنا مش هعمل أبوتريكة جديد عندي».

(1)
أبوتريكة وكل أبوتريكة ليس له مكان في «ماسر»، مصر لا تستقيم مع أمثاله، هو ملك الموهوبين، أمير القلوب، كبير المحترمين، صاحب موقف مع المسار الديمقراطي، يكره الظلم، يحب العدل، بينما «ماسر 3 يوليو» قذرة، سافلة، منحطة، تلفظ الرجل، ترحب بالمخنثين، أمها المثالية فيفي عبده، أبوها مجهول، أسيادها لقطاء، عبيدها مغيبون، نساؤها حبلى بنجم «علي بابا ومعه الأربعين حرامي».
أبوتريكة، الذي تجاهد «ماسر الجديدة» على عدم جعل عمر جابر نسخة منه، ليس مجرد لاعب كرة، أبوتريكة حالة، نموذج، أمل لمصر التي نتمناها ونحلم بها.
أبوتريكة يملأ الدنيا بحضوره ويشعلها بغيابه، قادم من زمن آخر، رجل بين أشباه رجال، صاحب موقف وسط محترفي «الميوعة» وانتظار معرفة اتجاه الريح، لعب الكرة بثقافة الهواة داخل عالم من الصفقات و «البزنس» والفساد. قدوة لأولادك وأنت مرتاح البال مغمض العينين، الأسطورة البرتغالي مانويل جوزيه صاحب الأرقام القياسية في السنوات الأخيرة مع الأهلي، يقول عن أبوتريكة: «إنه صديقي، إنسان استثنائي، تعلمت وأتعلم منه الكثير»!!
جوزيه بعد هذا الكلام لن يدخل «ماسر» مرة أخرى، كيف يدخل وقد كشف عن «إخوانيته»، أنه «خلية نايمة» مثل عمر جابر، «إرهابي» مثل عمر جابر، «عضو بجماعة مسلحة هي الوايت نايتس»، وكلها أوصاف أطلقها «الوطني الشريف العفيف غير الإرهابي» مرتضى منصور على عمر جابر، الذي هو مشروع جديد من «الإرهابي الأكبر» أبوتريكة.

(2)
من أصعب الأمور أن ينتقل إنسان من حياة الريف والبساطة إلى دنيا الثراء وصخب المدينة ويبقى محتفظا باتزانه النفسي، محمد محمد محمد أبوتريكة أو «القديس» -كما يسميه محبوه- فعلها، بل كلما ازداد نجومية ازداد تواضعا وتقربا إلى الله.
سر أبوتريكة الحقيقي ليس في موهبته الفذة، بل في كونه رمزا لكل المعاني الجميلة إلى يفتقدها الناس في «النجوم»، النجم الذي يقف مع الناس الذين خرج منهم ويسخر نفسه لهم، «لن أتحدث عن تبرعاته للغلابة، لأنه لا يحب أن يتكلم عنه أحد في هذا الجانب».
أبوتريكة هو أهم لاعب كرة في تاريخ مصر، من كافة النواحي، في بطولة الأمم الإفريقية «غانا 2008» جلب «القديس» كعادته الكأس لمصر، لكنه خطف أنظار العالم كله لما أثبت أن عالم الرياضة ليس فقط للمتعة بل للتعبير عن آلام وقضايا البشرية، وأن كرة القدم ليست مجرد واجهة لعرض مواهب اللاعبين كما يعرضون الأسود المروضة في السيرك، لكنها تحمل جانبا إنسانيا، بعد إحرازه هدفا جميلا لم يحتفل مثل باقي اللاعبين ورفع قميصه لتظهر لافتة «تعاطفا مع غزة». نسى تعليمات «الفيفا» بعدم خلط الرياضة بالسياسة. غلبه ضميره وفعل أقل ما يستطيعه لنصرة بشر مستضعفين يتعرضون لحرب إبادة وسط صمت أولى القربى.

(3)
لما وقعت مذبحة استاد بورسعيد التي راح ضحيتها 74 من زهرة شباب مصر، وبعد عودة فريق الأهلي بطائرة عسكرية إلى القاهرة استقبلهم المشير حسين طنطاوي حاكم البلاد وقتها، وأطلق أمام الطائرة تصريحه غير المسؤول الذي يؤلب المصريين على بعضهم، بمطالبته الناس التعامل بالقوة مع من قاموا بالمذبحة، دون أن يتحدث عن مسؤوليته ودور وزارة الداخلية المشين في الكارثة، رفض أبوتريكة مصافحة المشير، لم تتقبل نفسه وضع يده في يد ملطخة بحكم منصبه بدماء الضحايا الأبرياء. أيقن في قرارة نفسه أن الشرطة تنتقم من جماهير «ألتراس الأهلي» لمشاركتهم الفعالة في ثورة 25 يناير وموقفهم البطولي في حماية ميدان التحرير يوم موقعة «الجمل»، موقفه أغضب قيادة النادي.
أثناء انتخابات رئاسة الجمهورية الحقيقية 2012 أصدر رئيس النادي فرمانا بمنع اللاعبين من الإدلاء بآرائهم السياسية، وكأنهم ليسوا مواطنين لهم الحق مثل باقي المصريين في المشاركة بالرأي والصوت والدعاية لمرشحهم المفضل، لم يلتزم «أبوتريكة» بالفرمان. وجد رئيس النادي أيامها حسن حمدي ونائبه محمود الخطيب يحرمان على اللاعبين ما يحللانه لنفسيهما. سخرا قناة النادي للدعاية للفريق أحمد شفيق مرشح «فلول» مبارك. منعوا «أبوتريكة» من الظهور في الفضائيات لإعلان موقفه، فسجل فيديو يعلن فيه تأييده للدكتور محمد مرسي ويمتدح «الإخوان» ودورهم في الحياة العامة، رفض أن يكتم شهادة يعتبرها حقا في وقت يتحدد فيه مستقبل البلاد، أغضب قيادة ناديه مرة أخرى.
ذبحوا أبوتريكة بتهمة التضامن مع أهالي شهداء مجزرة بورسعيد، واعتذاره عن عدم المشاركة في مباراة افتتاح الموسم المحلي 2012. إدارة النادي أوقفته شهرين وغرمته نصف مليون جنيه وحرمته من ارتداء شارة قائد الفريق مدى الحياة!! حاليا عمر جابر أظهر إنسانيته، وفعل مثل أبوتريكة، ورفض لعب مباراة يموت المشجعون خارجها، فأقسم «مرتضى» أنه لن يلمس الكرة مرة أخرى، وسيشطبه من سجلات اتحاد الكرة.

(4)
«مصر الجديدة» تلفظ أبوتريكة وأي شبيه له. ملفه متخم بـ «الخروج عن النص» مع الديكتاتورية. نظام مبارك تقبله على مضض. كان يدرك أنه ليس معهم. لكن ما باليد حيلة. قال قائلهم: «خذوه يلعب ويمرح على البساط»، فليس هناك غيره يجلب الانتصارات التي تركبها السلطة، وتنسبها لنفسها.
كان القديس من قلائل الرياضيين الذين ساندوا ثورة 25 يناير. وكالعهد به كان في مقدمة صفوف المنددين بمجازر الانقلاب وعصابة القتل والتسول ونهب الخليج، وأثناء عودة بعثة فريقه إلى مطار القاهرة من رحلة خارجية، قال لأحد الضباط في المطار:» تستقبلوننا هنا.. وتقتلون الأبرياء المتظاهرين».
كالعادة الدنيا انقلبت عليه، وترددت أنباء عن استدعائه للتحقيق، تمنى الجميع الخلاص منه خاصة بعد الصفعة التي وجهها للعصابة برفضه مصافحة وزير الرياضة الانقلابي في مباراة نهائي أندية إفريقيا 2013. وقـعـوا عليه غرامة كبيرة، ثم طالب المتشنجون بترحيله بعدها من المغرب خلال بطولة العالم قبل الأخيرة للأندية، لأنه ارتكب جريمة التصوير مع فتاة مغربية تحمل شارة «رابعة»!
أبوتريكة رحل عن الملاعب وهو في عز مجده، وهداف فريقه والمنتخب الوطني، ويزداد ألقا مع الزمن، رحل لأن بطن «ماسر العسكر» تلفظه، وشغلها الشاغل ألا يكون عمر جابر نسخة منه.

كلمة أخيرة
محمد العريفي: «أبوتريكة حبيبي وقرة عيني»!

• shrief.abdelghany@gmail.com
? @shrief_ghany