اقتراح إبلاغ ولي الأمر أو الزوج باستئذان الموظفة من الدوام يثير جدلاً واسعاً
تحقيقات
20 فبراير 2012 , 12:00ص
الدوحة - هناء الرحيم
بعد أن انتشرت مؤخرا ظاهرة استئذان بعض الموظفات من دوامهن الرسمي بحجة الذهاب إلى الطبيب أو ظروف عائلية ثم يذهبن إلى المقاهي والفنادق، فرض التساؤل التالي نفسه: هل من واجب المسؤول في العمل إبلاغ ولي أمر الموظفة، أو زوجها في حال كانت متزوجة، عن استئذانها أثناء الدوام؛ لأنه قد يكون معترضا على خروجها من مقر العمل إلى مكان غير المنزل؟ وذلك حتى يخلي مسؤوليته ويخبر المعني بأن زوجته أو ابنته قد غادرت مقر العمل.
«العرب» طرحت هذا التساؤل على عدد من الموظفات، الأمر الذي أثار جدلا واسعا بين مؤيد للقرار، ومعارض له بشدة من النساء اللاتي رفضن منطق الوصاية والتشكيك بهن والتعامل معهن وكأنهن لا يزلن في الصفوف الدراسية بالمدرسة، وقالوا إن الخطوة فيما لو تمت تعتبر انتقاصا من أهلية المرأة وطعنا في مصداقيتها. ورأت إحداهن أن الفكرة غير مجدية في حالة ما إذا كان المقصود منها صون أخلاق المرأة لأنها قد تخرج من بيتها بذريعة زيارة أهلها وتتجه إلى الأماكن المشبوهة إذا كانت مصممة على الانحراف، وما دامت الموظفة إنسانة راشدة تزاول عملها برضا من ولي أمرها فإن معاملتها من جهة العمل كطالبة مدرسة ابتدائية فيه إهانة لها من جهة، ومن شأنه أن يفتح باب الشائعات على مصراعيه من جهة أخرى، ما سيهدم الكثير من العائلات، حسب بعض الفتيات. وطالبت المعارضات للمقترح أن يتساوين مع الرجال بإبلاغ الزوجة عند استئذان الزوج من العمل؛ لأن كثيرا من الرجال يتسكعون في المجمعات التجارية لتصيد البنات.
في المقابل رحب عدد من السيدات بالمقترح واعتبرنه ضابطا سلوكيا لما يشهده المجتمع من انحلال أخلاقي، وأن هذه الخطوة فيما لو تم تطبيقها ستسد الباب أمام العديد من التصرفات التي لا تناسب المجتمع وستنعكس إيجابا على العمل.
تبدي «نور» رفضها المطلق حول موضوع إبلاغ ولي الأمر أو الزوج باستئذان الموظفة أثناء الدوام، مشددة على ضرورة فصل الحياة الشخصية عن العمل. وترى أنه في حال فرض ذلك على المرأة الموظفة فحري بالمؤسسة أيضاً أن تطبق نفس النظام على الرجل انطلاقا من مبدأ المساواة بالعمل، ليتم إبلاغ المرأة في حال استئذان زوجها. وتعتبر أن الرجال غير منزهين عن كثير من التصرفات غير المقبولة، وما هو غير أخلاقي للمرأة غير أخلاقي للرجل أيضاً. وتستثني نور من هذه القاعدة أولئك الموظفات اللاتي تتكرر استئذاناتهن بشكل دائم، فعندها «يحق للمؤسسة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إبلاغ ذويها بالموضوع»، تقول نور.
لا علاقة بين العملي والشخصي
أما ريم فترفض الموضوع جملة وتفصيلا، وتعتبر أن الحياة الشخصية يجب ألا يتدخل العمل فيها، وتبدي رفضها القطعي للفكرة. وترى أنه يجب على المسؤول في العمل ألا يتدخل في أمور المرأة الشخصية؛ لأن ذلك يسبب الكثير من المشاكل. وتعتقد ريم أن هذا السلوك قد يشجع بعض سيئي النفوس واستغلال ذلك لأهداف غير محمودة، أو قد يستغله بعض المسؤولين للانتقام من بعض الموظفات.. «حيث من الممكن لبعض المسؤولين أصحاب النفوس المريضة أن يستغلوا هذا الشيء للإيقاع ببعض الموظفات والاتصال بأهل المرأة والادعاء بأنها خرجت إلى مكان ما». وتبرر نور هذا التصرف من المؤسسة في حال تكررت استئذانات الموظفة.. «عندها يحق للمؤسسة أن تبلغ الأهل أو الزوج بذلك».
إلى ذلك تنتقد عائشة محمد هذا المقترح وتقول: «لماذا يبلغون الأهل أو الزوج باستئذان المرأة؟ فهل نحن في مدرسة؟»، وترى أن هذا التصرف يعني التشكيك بكل امرأة قررت الاستئذان ويضعها في خانة الشبهات، مشددة على ضرورة عدم خلط الأمور الشخصية بالعملية. وتوضح أنه مع دخول المرأة سوق العمل فإنها أصبحت راشدة ومسؤولة عن تصرفاتها، وإذا فرض ذلك على المرأة فإنها عندئذ لن تشعر بالأمان بل إنها ستصبح مثار شكوك.
تطفل على الحياة الشخصية
أيضا سهير عبدالله من اللواتي يعارضن القرار وبشدة، وتؤكد أنه طالما أن المرأة دخلت سوق العمل فهذا يعني أنها وصلت إلى مرحلة من النضج، ما يجعلها مسؤولة عن تصرفاتها، وفرض الرقابة عليها من قبل المؤسسة دليل على عدم ثقة، مضيفة أنه إذا اضطرت المرأة أن تذكر أسباب استئذانها فعلى الرجل أيضاً أن يقوم بالمثل ويبلغ أسبابه. وإذا كان هناك بعض النساء اللواتي يخرجن للتنزه بالمجمعات التجارية، أيضاً هناك رجال يستأذنون من العمل ويفعلون الأمر نفسه ويذهبون للتسكع بالمقاهي والفنادق، فحري بمسؤوليهم أيضاً أن يبلغوا زوجاتهم عن تحركاتهم إذا ما فرض الأمر على المرأة. وتعتبر سهير أن المرأة في المجتمع القطري ظروفها أصعب من الرجل وتضطر في أحيان كثيرة للخروج لتلبية متطلبات العائلة، وليس من حق المسؤولين الاطلاع على الحياة الشخصية للموظفة أو الموظف، ولكن في حال تكرار استئذان الموظفة عندها «يجب اتخاذ الإجراء الإداري اللازم بحقها وليس التطفل على حياتها الشخصية»، تقول سهير.
من جهتها، تعارض لولوة أحمد الموضوع وتشير إلى أنه طالما أن الفتاة خرجت إلى سوق العمل فهذا دليل ثقة من أهلها أو زوجها. وترى أن من يوافق على هذا القرار سواء كان ولي أمر أو زوج فالأحرى به أن يبقي زوجته أو ابنته بالمنزل طالما أنه لا يثق بها. وتصف لولوة المؤسسات التي تقوم بهذا الإجراء بأنها مؤسسات غير محترمة لموظفيها. وتعتقد أن ذلك يشكك في مصداقية المرأة ويثير حولها الشبهات حتى لو كانت بريئة منها!
ضابط سلوكي
في المقابل، تؤيد رقية المفلحي هذا القرار وتعتبره صائبا ونوعا من الضابط السلوكي في هذا العصر من الانحلال الأخلاقي. وتستغرب رقية أولئك الذين يعترضون على الموضوع طالما أنهن واثقات بتصرفاتهن. وتقول إن الحالة التي وصلت إليها الأمور هذه الأيام من الفلتان والتسيب الأخلاقي أصبحت تستوجب مثل ذلك الإجراء، وتروي كثيرا من القصص لبنات يقلن إنهن بالعمل ويستأذنّ دون علم أهلهن للخروج مع صديق أو إلى أحد المجمعات التجارية أو غير ذلك، لافتة إلى أن بعض العائلات القطرية ترفض خروج بناتها من دوام علمهن من باب الرقابة على البنت، وحتى الزوجة.. «فالرجال قوامون على النساء»، توضح رقية، وتضيف: من حق الرجال والأهل معرفة تحركات بناتهم وزوجاتهم، مستشهدة بحديث شريف يشدد على أن المرأة إذا خرجت بدون إذن زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع للمنزل.
مصيدة المستئذنات
«فليصيدوا البنات اللواتي يخرجن من وراء أهاليهن.. فلتحصل هذه الرقابة بدل أن يلاحق الرجالُ البناتِ في المجمعات التجارية»، تقول رقية. وانطلاقا من خبرتها في قسم الشؤون الإدارية في إحدى المؤسسات تشير إلى أن «اللوائح تفرض على كل موظف في المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية أن يملأ ورقة استئذان ويحدد الجهة التي يتوجه إليها».
ولا تقف رقية عند هذا الحد بل إنها تذهب أبعد من ذلك وتقترح أن يتم إرسال رسائل sms للأهل أو الزوج لإبلاغهم بخروج الابنة أو الزوجة.
وتوافق أم محمد -وهي زميلة رقية في قسم الشؤون الإدارية والمالية- على ذلك، بل وتشد على يدها وتوضح أنها تحب أن تعرف كل شيء عن بناتها في العمل، مشيرة إلى أنه ليس لديها أي مشكلة في أن يقوموا بإبلاغ زوجها في حال استئذانها. وتقول إنه في حال استأذنت ابنتها من العمل ولم تخبرها وعلمت فيما بعد فإنها تقوم بمحاسبتها حتى لا يتكرر الأمر، لذلك تفضل أن يتم إبلاغ الأهل من قبل جهات العمل. وتبرر ذلك بأنه يحد من الأمور اللاأخلاقية التي تحصل في المجتمع، وترفض فكرة أن ذلك يسبب مشاكل أو يتطفل على الحياة الشخصية للمرأة أو الفتاة، بل ترى أنه يساهم في تفادي الكثير من المشاكل المستقبلية. وتبعا لخبرتها الاجتماعية والعملية تشير أم محمد إلى أن كثيرا من الأهالي يلومون المؤسسات لعدم إبلاغها بتحركات بناتهم خلال الدوام الرسمي، حيث إن كثيرا من الفتيات تعرضن لحوادث أثناء خروجهن بدون علم أهاليهن الذين يكتشفون خروج بناتهم بعد أن تقع الواقعة.
في السر والعلن
ويبدو أن آراء رقية وأم محمد أثارت جدلا واسعا في أوساط زميلاتهما اللاتي يعارضنها الرأي. وتقول ريم حجاب إنه طالما أن الفتاة بلغت سن الرشد فهي مسؤولة عن تصرفاتها ولم تعد صغيرة، وتؤكد أن من يريد القيام بما هو معيب أو خاطئ سيقوم به بالسر أو بالعلن وسواء برقابة أو بدون رقابة، مشيرة إلى أن هذا الإجراء يزيد من سلطة الرجل على المرأة ليس في المنزل فقط بل في العمل أيضاً.
بدورها، ترى شيخة أن هذا الإجراء إذا طبق فإنه سيسبب الكثير من المشاكل، فضلا عن أن المرأة اليوم أصبحت تساهم بشكل كبير في الحياة الأسرية وتشارك الرجل كثيرا من همومه وأعبائه، وبالتالي فإن ذلك يفرض أن تتحرك بحرية لتلبية طلبات عائلتها.