الورشة الأميرية تدشن 4 سفن «شوعي» و«سنبوك»
محليات
20 يناير 2013 , 12:00ص
الدوحة - ياسر مهني
دشنت الورشة الأميرية لصناعة السفن الخشبية، في منطقة شرق براس أبوعبود أمس السبت، 4 سفن قطرية جديدة من نوعي شوعي وسنبوك، اللذين يمثلان أحدث إنتاج للورشة في العام 2013 على الطراز القطري القديم، بحضور قدامى الغواصين والصنّاع والمهتمين بالتراث.
وقال السيد علي سعيد الكواري مشرف عام حفل تدشين السفن الخشبية بالمكتب الهندسي الخاص، لـ «العرب»: إن صناعة السفن الأربع الجديدة استغرقت 6 شهور، مشيراً إلى أن السفينة الخشبية الواحدة تتكلف أكثر من مليون ريال.
وأضاف الكواري أن هناك توجيهات من حضرة صاحب السمو، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير البلاد المفدى، بالاهتمام بصناعة السفن الخشبية لما تمثله من أهمية في الحفاظ على تراث الأجداد، مؤكداً أن هناك اهتماما من جانب المواطنين أيضا بهذه الصناعة وإعادة ترميم السفن القديمة.
وأكد الكواري أن السفن الأربع الجديدة ستكون مخصصة لفنادق سوق واقف لتسيير رحلات على مرحلتين صباحا لنزلاء هذه الفنادق، لافتا إلى أن السفن تشمل أماكن للضيافة، وستقوم بجولات ورحلات خاصة في أنحاء قطر.
وأوضح أن هذه السفن صناعة قطرية مئة في المئة، وتطابق السفن التي كانت تصنع في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، وقال: نحن حريصون على المحافظة على إحياء التراث البحري، ولذا تم ترميم عدد من السفن القديمة وسيجرى تدشينها.
وكشف الكواري عن تدشين الورشة الأميرية لعدد من السفن المصنعة حديثا في القريب العاجل، وأشار، في هذا الصدد، إلى أن هناك سفينة كبيرة سيتم تدشينها قريبا، تحت إشراف كوادر قطرية، وشدد على أن هناك جيلا جديدا يدرك أهمية هذه الصناعة ويتم تدريبه وتأهيله لصناعة السفن الصغيرة القديمة.
وأضاف: لدينا أيضا برنامج طموح لتعريف طلاب المدارس بهذه الصناعة، وتمت دعوتهم لهذا الحفل لممارسة الألعاب الشعبية، والاستمتاع بالحفل الشعبي الذي كان يقيمه الأجداد في الماضي عند تدشين إحدى السفن أو إبحارها أو عودتها.
وتابع قائلا: إننا نرحب بالآباء المؤسسين لهذه المهنة من كبار السن الذين تمت دعوتهم اليوم لإيصال رسالتنا لهم بأننا لم ننكر أفضالهم على أجيالنا، وهم عبروا لنا عن سعادتهم بهذه الدعوة.
وأشار الكواري إلى أن أنواع السفن القطرية ومسمياتها يرجع إلى أحجامها، موضحا أن الشوعي والسنبوك من أصغر السفن القطرية التراثية وكانت مخصصة قديما للغوص واصطياد الأسماك واللؤلؤ، وقال: إن السفن الكبيرة مثل البوم والبانوشا مخصصة للأسفار ونقل البضائع.
من جانبه، أكد ناصر مبارك الخليفي المسؤول بالورشة الأميرية لصناعة السفن الخشبية أن السفن الجديدة تم تصنيعهم بالكامل بالورشة، وتطابق الشكل التراثي القديم تماما، مع الفارق في وجود ماكينات حديثة بالسفن الجديدة.
وأضاف أن تركيب ماكينات حديثة أضاف للمحامل والسفن الخشبية قوة وجودة وقدرات جديدة على أداء المهام، لافتا إلى ارتفاع تكاليف إنتاج هذه السفن الجديدة مقارنة بالقديمة، وذلك لاعتماد الورشة على الخامات عالية الجودة التي كانت تصنع منها المحامل القديمة، موضحا أن المكتب الهندسي الخاص زود الورشة الأميرية بهذه الخامات، بينما جرت الصناعة بأيد قطرية مئة في المئة من خلال جيل جديد قادر على الحفاظ على تراث آبائه وأجداده.
وبدوره، قال صالح حسن الكواري رئيس قسم السفن الخشبية (الورشة الأميرية) بالمكتب الهندسي الخاص: إن السفن الخشبية الجديدة تنقسم إلى قسمين الأول يضم سفينتين من نوع الشوعي والتي يصل طول الواحدة منهما إلى 59 قدما، والثاني يضم اثنين آخرين من نوع السنبوك ويصل طول الواحدة منهما إلى 60 قدما وتمت صناعتها جميعا في قسم السفن الخشبية (الورشة الأميرية) بالمكتب الهندسي الخاص بدقة متناهية راعت كل المواصفات التراثية القديمة حتى تظهر بهذا الطراز الفريد الذي يُعيد لنا عبق التاريخ الذي تمسك به الآباء والأجداد.
وأعلن أن هناك مشروعات مستقبلية قادمة لإنشاء سفينتين من نوع «بقارة» واحدة منهما بطول 50 قدما والأخرى بطول 60 قدما وسفينة ثالثة من نوع جلبوت وطولها يتراوح ما بين 60-70 قدما.
كما أوضح رئيس قسم السفن الخشبية أن وزن السفينة الواحدة من السفن الجديدة يبلغ 20 طنا تقريبا وهي جاهزة للعمل وتسيير الرحلات بعد تدشينها اليوم والإعلان عن دخولها للعمل في الرحلات البحرية التي تستهدف نزلاء فنادق سوق واقف.
من جانبه، وصف خليفة السيد محمد المالكي الكاتب والباحث في التراث الشعبي حفل تدشين السفن الجديدة بأنه يعيد إلى الذاكرة أجواء احتفال القطريين برحيل السفن المحامل وعودتها، لافتا إلى أن كل القطريين من العائلات والأطفال كانوا يحضرون هذه الاحتفاليات التراثية.
وقال المالكي: إنه بفضل المكتب الهندسي الخاص بدأت هذه الذكريات والاحتفاليات تعود من جديد، لافتا إلى أن هناك اهتماما كبيرا من قبل القيادة السياسية بإحياء تراث الأجداد لما فيه من قيم عظيمة.
وأضاف أن السفن الجديدة التي تم تدشينها تحمل نفس تصميمات السفن القديمة، موضحا أن السفن في الماضي كان يقوم «الجلاف» بصناعتها يدويا، وهو الصانع الذي كان يقوم بالإشراف وتصنيع السفن الخشبية، وقال إنها كانت من أهم المهن القديمة في قطر.
وأشار إلى أن السفن الخشبية القديمة تشمل الشوعي وهو الأصغر حجما يليه السنبوك متوسط الحجم، بالإضافة إلى الجلبوت والبتيل والبوم وهي سفن كبيرة الحجم، موضحا إلى أن الشوعي كان يستغرق صنعه ما بين 6 حتى 8 أشهر.
وأكد أن استخدامات السفن الخشبية تختلف باختلاف أحجامها، موضحا أن سفينة الشوعي مخصصة للغوص لصغر حجمها وقربها من سطح البحر، وذلك بغرض اصطياد اللؤلؤ والأسماك.
أما السفن الكبيرة، فبحسب الكاتب والباحث في التراث الشعبي، كانت تستخدم للسفر إلى إفريقيا والهند وعدن بغرض نقل البضائع القطرية المصدرة مثل التمر والأسماك الجافة، وكذلك لاستيراد الأخشاب وأدوات البناء.
ومن جانبه، دعا محمد جاسم الخليفي مستشار هيئة متاحف قطر، إلى إنشاء متحف بحري يحكي التاريخ البحري القطري من الغوص وحتى صيد وصناعة اللؤلؤ، مطالبا أيضا بوضع صناعة السفن الخشبية التاريخية في مناهج التعليم.
وأشاد الخليفي بدور المكتب الهندسي على ما وصفه بالدور الحضاري الذي يقوم به من خلال إحياء التراث القطري القديم بالورشة الأميرية لصناعة السفن الخشبية.
وعلى وقع حناجر وأنغام فرقة اللؤلؤة للفنون الشعبية: «ألفين لا إله إلا الله محمد يا رسول الله.. محمد زين.. كله زين.. مولود بالضحى الاثنين»، تم تدشين السفن الجديدة.
ويقول خالد جوهر مدير الفرقة: إن هذه الأغاني والمواويل توارثناها عن الأجداد وتحديدا عن الأب المرحوم مبارك بن سعيد السليطي الذي علمنا فنون البحر وحببنا في هذا الفن المرتبط بالأجداد.
وأضاف أن الآلات الشعبية المستخدمة لأداء هذه الأغاني هي الليجال والمراويس والطبل الصغير والطوس والتارة، مشيراً إلى أنها آلات قطرية خالصة وكانت تستخدم في الماضي للغناء على سطح السفن.
وتأسست الورشة الأميرية لصناعة السفن الخشبية في العام 1979 في موقع بلهمبار ونقلت إلى مبناها الحالي في العام 1980، وما زالت معنية من وقت إنشائها حتى الآن بالحفاظ على تراث الأجداد البحري من الاندثار.
وقامت الورشة منذ تأسيسها ببناء عدد كبير من السفن منها: الشقب، والوجبة، والريان، وأم قديم، والبتيل، وسنبوك الشيخ جاسم، وشواصيف، والجازي، وجوهرة السفن، والتشالة، والبوم.
كما أنشأت الورشة في الوقت الحالي عددا من السفن منها (لوسيل 1)، و (لوسيل 2)، وسنبوك، وشوعي.
العسيري أقدم غواص قطري
من بعيد، يسرع الحاج خليفة العسيري (70 عاما) بلهفة من خطواته، باتجاه السفن الجديدة التي دشنتها أمس الورشة الأميرية لصناعة السفن الخشبية، مستندا على ما استقبلوه بالفرح من أبناء المهنة والمسؤولين بالورشة، فالحاج استرجع شريط الذكريات منذ أن امتهن الغوص في أربعينيات القرن الماضي، كما قال لـ «العرب».
العسيري، من أقدم العاملين في مهنة البحر بدولة قطر، إن لم يكن أقدمهم، يشير إلى السفن الجديدة بفخر واعتزاز بمهنته التي تقاعد عنها منذ زمن بعيد أيضا، يقول: تحمل السفن الجديدة تصميمات السفن القديمة بالضبط (الشوعي والسمبوك والجلبوت).
عمل الحاج العسيري ضمن أول الأطقم القطرية لاصطياد اللؤلؤ، موضحا أن الرحلة الواحدة للحصول على هذا الكائن البحري غالي الثمن، كانت تستغرق ما بين شهرين إلى ثلاثة شهور، ويشير إلى أن الطواش، وهو التاجر الذي يشتري اللؤلؤ من جميع المراكب ويقوم هو وحده بالتجارة فيه حيث لم يكن هناك سوق محددة في قطر لبيع اللؤلؤ.
ويفرق الحاج العسيري بين اصطياد اللؤلؤ باعتباره تجارة خليجية قديمة، وبين اصطياد الأسماك التي كانت تستهلك للأكل اليومي قديما، لافتا إلى أن اصطياد اللؤلؤ كان يحتاج للذهاب والغوص في أماكن بعيدة.
ويقول إن القائمين على مهن البحر كانت عوائل قطرية خالصة مثل عائلتي ناصر بن عطية ودرويش، موضحا أن مراكب الشوعي والسنبوك كان يعمل عليها ما بين 40 إلى 60 من البحارة القطريين لتسيير المجاديف والأعمال الأخرى.
ولا يخفي الحاج العسيري سعادته بهذه الخطوة من المكتب الهندسي والورشة الأميرية لصناعة السفن الخشبية للمحافظة على تراث الأجداد، في ظل البدائل الجديدة من اللانشات، كما لا يخفي انحيازه للصناعة القديمة، قائلا إن المراكب القديمة هي التي تستطيع الصمود أمام الرياح وأمواج البحر الهادرة.