أكرهها وأشتهي وصلها وإنني أحب كرهي لها!
منوعات
19 ديسمبر 2014 , 07:39ص
شريف عبد الغني
«تردد. قلق. توتر. حيرة». رباعية -وليست «رابعة» حتى لا يصنفني القوم إرهابيا- سيطرت عليّ طوال أسبوع صعب قبل الفراق. كنت أستعد للسفر لتغطية فعاليات القمة الخليجية، لكن هاجسا انتابني بأنها لن تكون عدة أيام وبعدها أعود. سنوات طويلة سافرت خلالها خارج المحروسة في مهمات مشابهة. لكنها أيام -طالت أم قصرت- وأعود أدراجي إلى بلدي –قدري- بزحامها وضجيجها وناسها وشرّها وظلمها وتلوثها وترابها. «تراب الوطن» الذي يقسم المرفهون والمرفهات من «شعب التفويض والأمر.. أو الطحينة والتمر» أنهم يعشقونه. يقولونها وهم يذرفون الدموع قبل أن يستوردوا من بلاد الجن والملائكة كل «الكريمات» التي ترطب بشرتهم من آثار غبارك يا «ماسر».
في ذلك الأسبوع كان كل ما ينغص الحياة اجتمع مرة واحدة على رأسي وقلبي. هل هذا دافع ربّاني للمغادرة بلا عودة. ربما!
الخميس: عودة من العمل. الزحام أكثر من المعتاد. ساعتان ونصف رحلة الخروج من الجريدة إلى المنزل. الجوع يعصرني. دخلت البيت وهدفي «اللجوء للمطبخ»، لكن «محمدا» كان متعبا. نسيت المطبخ والأكل. ذهبت إلى مستشفى الأطفال. كشف عليه الطبيب وأخذ العلاج، لكن المسكين لم ينم طوال الليل، لم يستطع التنفس.
الجمعة: ذهبت إلى العمل. عدت سريعا. الطرق خالية في هذا اليوم. كنت آمل أن تكون حالة محمد تحسنت. لكنها ازدادت صعوبة. أشار البعض إلى احتياجه ليس إلى طبيب أطفال، ولكن إلى طبيب أنف وأذن. أخذت جولة على المستشفيات واحدة بعد أخرى. لا طبيب في هذا التخصص يوم الجمعة. إنهم يستجمون في الراحة الأسبوعية. أخيرا وجدت في مستشفى بعيد. رقم الطفل 30 في قائمة المرضى. ظللت به نحو 4 ساعات حتى حان دوره. ينام ويصحو ويتألم طوال الساعات الأربع، لم يرأف بحاله أحد المرضى ويدخله قبل دوره، رغم أن أغلبيتهم كبار بشوارب. عدت به للبيت وأعطيناه العلاج.
السبت: بدأت إجازة عدة أيام. حالة محمد لم تتحسن ولا يستطيع التنفس. ذهبت به إلى طبيب ثالث. واتضح أن ما تناوله من علاج زاد حالته سوءا لأن التشخيص خاطئ.
الأحد: صحوت على خبر مفجع. وفاة أحد أقاربي. من أطيب خلق الله. تزوج في يوم شهير (2 أغسطس 1990) هل تتذكرون غزو الكويت وإعلانها المحافظة العراقية الـ19؛ لأن الأمة عقمت وقتها عن تقديم «رجل» يحل الأزمة عربيا، فقد انتقلت العدوى إلى قريبي الطيب. لم ينجب. رضي بقضاء الله إلى أن توفي بعدما رأى العراق وقد «نتفوا» ريشه وقدموه على ورق من فضة وذهب ومرجان وياقوت وكل ما في مغارة علي بابا إلى «قبعات» واشنطن و «عمائم» طهران، ليكون الحل هو «داعش»!! قبل الذهاب إلى عزاء قريبي عرجت لأنهي بعض المعاملات الحكومية. فوجئت بموظفين من طينة أخرى لم أعهدها عندنا. إحداهن كتبت لي الطلب بنفسها وعاملتني برقي شديد. هل خشيت مني لأني صحافي وظنت أني «واصل» لدى المسؤولين. هل اهتمت بي لما وجدتني مثلها ضد الخيبة الثقيلة التي ابتلانا الله بها لتكبس على أنفاسنا. يجوز!!
لما اشتريت لها ولزملائها بالمكتب بعض العصائر خجلت بشدة: «والله يا أستاذ شريف احنا مش بتوع الحاجات دي.. وعمرنا ما خدنا حاجة من حد.. وبنخدم الناس لله لله».
لهجة مختلفة عن موظفين تربوا طوال 60 عاما على الفساد والروتين وتعطيل مصالح العباد. ماذا جرى يا مصر؟!! هل بدأت تعدلين حالك المايل قبل سفري. هل تطلبين مني بشكل غير مباشر أن أبقى. موظف آخر في مصلحة أخرى لم يختلف عن سابقته. رفض تماما أن يحصل على مبلغ كان متبقيا بعدما دفعت الرسوم. أعاد الباقي لي!! غريبة.. غيره يقبض علانية، ومستعد بمنتهى الثقة أن يعطيك إيصالا أنه حصل منك على إكرامية أو رشوة بقيمة كذا، مع رجاء بزيادتها في المرات القادمة!!
الاثنين: الحمد لله. محمد بدأ التعافى. لم أهنأ. لقد تعب توأمه «مصطفى». لم أقم بجولات على المستشفيات. أول طبيب شخّص حالته جيدا. لكن ضروري من «الحُقن». مصطفى يخاف منها جدا. وأنا أخاف عليه وأخاف من خوفه. يكسر قلبي لو بكى. رغم عصبيته فإن مشاعره عميقة جدا. لم يفهمه ويكتشف أسرار قلبه وعقله سوى إنسانة أقرب إلى الملائكة.
الثلاثاء: زادت حيرتي. هل أبقى أم أسافر. مصر بدأت تُظهر جمالها، لكن سريعا عادت المحروسة إلى سيرتها الأولى بأزماتها وتعبها. انقطعت المياه ثلاثة أيام كاملة. ماذا نفعل. الشرب مقدور عليه بـ «المياه المعلبة». طيب ماذا عن المطبخ و «الحمّام» والأطفال. كنت أذهب مرتين بالسيارة إلى أحد المساجد فجرا ومساء محملا بكل الزجاجات و «الجراكن» الممكنة. أعبئها بصعوبة. في أول يوم وبعد صلاة الفجر لم يكن سواي في الشارع أمام صنبور خارج المسجد. من بعيد جاء قادم. خشيت منه. هل هو بلطجي سيسرق السيارة مني. راحت بي الظنون. هل سيتكرر ما حدث معي قبل شهور لما استقوفني اثنان من «المواطنين الشرفاء» بالأسلحة البيضاء وأخذا كل ما معي. لما اقترب استرحت. إنه سائق أخي. يصحو مبكرا جدا. أكل العيش مُر.
إذن لا مفر من السفر. جئت إلى بلد الطيبين. لا مشاكل. لا أزمات معيشية. لا كهرباء مقطوعة. لا مياه غائبة. لا رشاوى. لا سرقة. لا بلطجة. لا تلوث. لا فوضى. لا ظلم. لا أم مثالية اسمها فيفي عبده ولا ثائرة من عيّنة إلهام شاهين، لكن رغم كل «بلاويها» فإن مصر وحشتني فعلا. ستبقى مصر كلها على بعضها بتركيبتها وخصوصيتها بلد المأوى والمستقر. تملّ منها.. تغضب من تصرفاتها. لكنك لا تستغني عنها. إنها مثل المرأة التي كتب عنها نزار قباني وغنى لها كاظم الساهر: أكرهها.. وأشتهي وصلها.. وإنني أحب كرهي لها!
قابلت الكاتب السعودي الشهير الأستاذ -بحق- محمد الرطيان. سريعا ظهرت بيننا بوادر الصداقة. أعطاني «إكسير» زاد من حبي لمصر. أتحفني بعباراته المبهرة عنها:
أنا رجل أعشق مصر: لم يكن السبب فتاة من «المنصورة» اختلطت فيها الأعراق فشكّلت حُسناً خرافياً، ولم يحدث لي مثلما حدث لسنتياغو -بطل رواية الخيميائي- عندما سحرته فتاة من «الفيوم»، ولم يسبق لي أن شربت من مياه النيل... النيل لا ينتظرك لتذهب إليه، لو فتحت أي شباك في أي بيت عربي سترى النيل يجري: أغنيات ومواويل وقصائد وهدير وصهيل وحكايات مجد ووجد ونخيل.
لا يحتاج العربي أن يذهب إلى مصر.. مصر تأتي إليه في عقر داره:
من منّا لم يُصب بوجع الشجن المنبعث من نايها وكمانها؟
من منّا لم يسبق له أن عالجه أحد أطبائها؟
من منّا لم يقرأ كتاباً خطّته يد أحد مبدعيها؟
من منّا لم يعلمه أحد مدرسيها؟
من منّا لم يهتز طرباً على أحد مقاماتها؟
من منّا لم تُضحكه -من القلب- نكتة ابتكرها أحد ساخريها؟
هي مصر: لها وجودها في ذاكرتنا، ولها وجودها في أحلامنا.
هي «مصر».. وكفى، ويكفي مصر أن تقول: مصر.
يقول التاريخ: لم يقف في وجه التتار -ويهزمهم- إلا رجالها.
يقول التاريخ: منها خرج القائد والجيش الذي هزم الصليبيين الغزاة.
يقول التاريخ: إنها في رمضان حطمت خط بارليف وكسرت الجيش الذي لا يكسر.
يقول التاريخ: كم أعشق «الجغرافيا» التي شكّلتها.
(2)
أنا رجل أعشق مصر.. وأسبابي لا تعد ولا تحصى.
هل أول الأسباب هي أول هدية يمنحها لي والدي بطفولتي عندما عاد من السويس: بدلة ضابط مصري؟
أم أن السبب: الشعراوي، العقاد، بليغ حمدي، مصطفى محمود، زويل، أمل دنقل، عبدالناصر، نجيب محفوظ.. وقائمة طويلة من الأسماء العظيمة في كافة المجالات والإبداعات الإنسانية.
الحب لا يحتاج إلى تبرير، فأهم أسباب الحب هو: الحب.. نفسه.
(3)
نامت طويلاً، وآمنت -دائماً- أنها ستصحو قريباً.
وعندما تصحو مصر: تطرد بقية العواصم العربية النعاس عن عينيها.
وعندما تعتز مصر.. يسري تيار العزة في كافة البيوت العربية ليشعل أضواء الحلم. مصر / المكان.. الذي يمنحنا المكانة.
مصر التي نحبها قادمة.. فاستعدوا لاستقبالها.
?• shrief.abdelghany@gmail.com
? @shrief_ghany