التعليم في قطر.. نهضة وطن قوامها الإنسان

alarab
قطر اليوم 19 ديسمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - العرب
أوجدت دولة قطر لنفسها مكانة إقليمية ودولية بارزة من خلال إنجازاتها المتنوعة وجهودها في العديد من المجالات، وبفضل قيادتها الرشيدة وطموحاتها الكبيرة، استطاعت قطر أن تتحدى قيود الجغرافيا وأن تضع نفسها في مصاف الدول المتقدمة لتخلق من خلال مبادراتها ومشاريعها المتميزة واقعاً جديداً في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط. وجاءت تلك الإنجازات نتاجا لرؤية حكيمة أرسى دعائمها حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر، وأطلق سموه رؤية قطر الوطنية 2030 من أجل الموازنة بين الإنجازات التي تحقق النمو الاقتصادي وبين مواردها البشرية والطبيعية والإنسانية، ليجعل سموه من تلك الرؤية طريقا تسلكه الدولة ومؤسساتها من أجل تحقيق تلك الطموحات والأهداف. ولم يغب عن سموه دور وأهمية التعليم في تحقيق تلك الرؤية، حيث نصت ركيزة التنمية البشرية في رؤية قطر الوطنية 2030 على أنه لا يمكن لقطر أن تطور اقتصادها ومجتمعها دون تنمية رأسمالها البشري وخلق نظام تربوي وتعليمي يضاهي أرقى الأنظمة التعليمية في العالم ويساهم في إعداد الطلاب القطريين كي يواجهوا التحديات العالمية، ويصبحوا مبتكرين وفنانين وأصحاب مبادرات في المستقبل. وتسعى استراتيجية التنمية البشرية في رؤية 2030 لخلق نظام تعليمي يرقى إلى مستوى الأنظمة التعليمية العالمية المتميزة ويزود المواطنين بما يفي بحاجاتهم وحاجات المجتمع القطري، ويتضمن مناهج تعليم وبرامج تدريب تستجيب لحاجات سوق العمل الحالية والمستقبلية وفرصا عالية الجودة تتناسب مع طموحات وقدرات كل فرد، بالإضافة إلى برامج تعليم تستمر مدى الحياة وتكون متاحة للجميع. وأصبح التعليم في وقتنا هذا يتمتع بمعايير عالمية واختفت الفجوة بين الطلبة الذكور والإناث بعدما كانت تلك الفجوة في بداية انطلاقة التعليم الحديث في قطر واسعة جداً. «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» في وقت تشهد فيه معدلات التنمية في قطر تسارعا وارتفاعا كبيرين، وهو وقت تتضافر فيه الجهود المبذولة للاستثمار في شتى القطاعات بما في ذلك قطاع البحوث والتطوير، لا يمكننا أن نغفل الحالة التي كان عليها التعليم في دولة قطر في بدايات القرن العشرين، وذلك عندما كان الطلبة يتلقون تعليما تقليديا يختلف تماما عما هو عليه اليوم. لقد شهد قطاع التعليم في دولة قطر تطورا كبيرا حتى أضحت قطر واحدة من أفضل دول المنطقة استقطابا لطلاب العلم القادمين من شتى أنحاء العالم، ويمتد تاريخ التعليم النظامي في قطر منذ أربعينيات القرن الماضي، وكباقي دول المنطقة، بدأ التعليم في قطر في السابق عن طريق «الكتاتيب» أو «الكّتاب» حيث كان الأطفال يتعلمون حينها قواعد القراءة والكتابة عن طريق حفظ وتلاوة القرآن الكريم، ثم لتنتقل المسيرة التعليمية في قطر في العام 1947 إلى مرحلة جديدة حين شهدت الدوحة افتتاح أول مدرسة تعمل على أساس منهجي تحت اسم مدرسة الإصلاح الحمدية، وفي مطلع العام الدراسي 50/1951م افتتح أول مبنى مدرسي في البلاد باسم مدرسة قطر الابتدائية، لتكون أول مدرسة تقوم على أساس قواعد تعليم منهجي حديث، وقد ضمت المدرسة حينها أربعة صفوف ابتدائية ودرس فيها 190 تلميذاً. وفي نفس العام تم تشكيل لجنة وطنية للإشراف على التعليم سميت «لجنة المعارف»، حيث لعبت هذه اللجنة دورا بارزا في تعيين المعلمين وإنشاء المدارس وإقناع الأهالي بإرسال أبنائهم إلى المدارس. وتتحدث سعادة الدكتورة شيخة بنت عبدالله المسند في كتابها «تطور التعليم الحديث في الخليج» والذي صدر سنة 1985 عن تلك المرحلة قائلة: «باستثناء المدرسة الإسلامية شبه المتطورة في تلك المرحلة والتي كان يطلق عليها مدرسة الشيخ المانع، فإن الشيء الوحيد الذي يستحق الذكر في تلك المرحلة التاريخية هو الكتاب»، وأضافت «لقد تم إنشاء مدرسة الشيخ المانع من قبل مؤسسها الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع، وهو من المفكرين البارزين، حيث عملت مدرسة الشيخ المانع في الفترة من 1918 ولغاية 1938 وكانت حينها معروفة في العديد من دول منطقة الخليج، وقد درس في تلك المدرسة الأولاد فقط حيث تلقوا تعاليم الدين الإسلامي والفقه واللغة العربية وآدابها». في مطلع السنة الدراسية 51/1952 تم وضع أسس عامة لمناهج المرحلة الابتدائية، حيث أصبحت تضم الصفوف من الأول وحتى الخامس الابتدائي، وتم حينها الاستعانة بالكتب الداعمة لتلك المناهج من بعض الدول العربية، وفي العام الدراسي الذي تلاه اكتملت أسس المدرسة الابتدائية بإضافة الصف السادس لبقية الصفوف. ومع بداية العام الدراسي 52/1953م افتتحت لجنة المعارف ثاني مدارس البلاد في مدينة الخور، وتم حينها تغيير اسم مدرسة قطر الابتدائية لتصبح مدرسة الدوحة الابتدائية. وفي العام الدراسي التالي تم افتتاح مدرستين للبنين، واحدة في منطقة الرويس والأخرى في العاصمة الدوحة، وفي العام نفسه تم تجهيز مدرسة ابتدائية للبنات تحت إشراف السيدة آمنة محمود الجيدة، حيث ضمت كتاتيب البنات الأربعة التي كانت تعمل آنذاك. وبعد ما يقارب الخمسة أعوام على تشكيل لجنة المعارف بدأت في الدولة محاولات جادة لإرساء قواعد تعليم منهجي منتظم وأنشأت الدولة حينها دائرة المعارف أنيطت بها مسؤولية الإشراف على التعليم. وقد لعبت السيدة آمنة الجيدة في تلك المرحلة دورا محوريا في الدعوات الأولى المنادية إلى تعليم المرأة في قطر، حيث بدأت في العام 1938 بتعليم الأولاد والبنات في منزلها، وفي العام 1956 قامت الحكومة بدعمها من خلال توفير المواد التعليمية لها وتعيين معلمين وبناء غرف إضافية في منزلها لتستخدم كصفوف دراسية، وكان هناك حينها حوالي 122 طالبة وأربع مدرسات فقط، حيث شملت المناهج التعليمية التربية الإسلامية واللغة العربية والحساب، والتربية الصحية. كما لعب الشيخ المانع دورا تاريخيا مهما في تلك المرحلة حين أصدر فتوى دينية في عام 1975 لأمير البلاد آنذاك بجواز تعليم الفتيات وأُعلن أن تعليم الفتيات لا يتعارض مع التعاليم الإسلامية، وأدى ذلك الموقف إلى زياد أعداد الفتيات الملتحقات بالمدارس ليتساوي أعدادهم مع الطلبة الذكور في بداية السبعينيات من القرن الماضي. تعميم التعليم وفي بداية العام الدراسي 56/1957 تم تعميم التعليم في جميع أرجاء البلاد للذكور والإناث من أبناء قطر والمقيمين على أرضها ليتم في العام الدراسي التالي 57/1958م إنشاء وزارة المعارف كأول وزارة في تاريخ البلاد وتم إرساء قواعد تعميم التعليم، ليبدأ مسيرته بخطى ثابتة شهدت فيها التربية تطورات كمية ونوعية كبرى في جميع مجالاتها. وفي العام 1958 وقعت دولة قطر على اتفاقية الوحدة الثقافية العربية. التي دعت إليها الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية جميع وزارات التربية والتعليم في الوطن العربي. وفي العام 1962 انضمت دولة قطر إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» بصفة عضو منتسب، وفي العام 1972م حصلت قطر على العضوية الكاملة في اليونسكو. كما انضمت قطر إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الأليكسو» منذ إنشائها في عام 1964م. ومواصلة للتطور السريع في تلك المرحلة افتتحت وزارة المعارف مدرسة التجارة الثانوية للبنين وقسما للمعلمات بالمدرسة الإعدادية في العام الدراسي 67/1968م. وفي السنة الدراسية 69/1970م افتتحت أول مدرسة ثانوية للبنات وأُلحقت بها دار المعلمات. ليتم في العام ذاته تغيير مسمى الوزارة إلى وزارة التربية والتعليم ورعاية الشباب. استقلال قطر وتطور التعليم نالت دولة قطر استقلالها في العام 1971، لتبدأ مرحلة جديدة ومتقدمة في مجال التعليم، حيث أنشأت الوزارة في مطلع العام التالي لسنة الاستقلال معهدا لتعليم اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية واللغة العربية لغير الناطقين بها ولموظفي الدولة. وبين العامين 1973 و1974 تضاعفت أسعار النفط العالمية أربع مرات، مما نتج عنه زيادة الإنفاق القطري على التعليم، حيث ارتفع من 69 مليون ريال قطري في العام 1973 إلى 108 ملايين ريال قطري في العامين اللاحقين. وفي العام الدراسي 75/1976 انضمت دولة قطر إلى مكتب التربية العربي لدول الخليج. ومع فصل رعاية الشباب عن وزارة التربية والتعليم في العام 1976 أصبح اسم الوزارة «وزارة التربية والتعليم». ولادة الجامعة الوطنية في العام 1973 أنشئت أول كلية في دولة قطر وهي كلية التربية وكان عدد الطلبة حينها لا يتجاوز الـ57 طالبا و93 طالبة، وبدأت كلية التربية بتخصصات علمية متنوعة كالكيمياء والفيزياء والرياضيات والبيولوجيا والجيولوجيا، وكانت تمنح شهادة البكالوريوس في العلوم والتربية، وكانت هذه البرامج نواة لكلية العلوم فيما بعد. وبدأت كلية التربية أيضا تخصصات أدبية كالجغرافيا والتاريخ واللغة الإنجليزية واللغة العربية وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، وكانت تمنح شهادة البكالوريوس في الآداب والتربية، وأصبحت فيما بعد الأساس الذي قامت عليه كلية الإنسانيات، بالإضافة إلى تخصص الدراسات الإسلامية والتي كانت نواة لكلية الشريعة. ومع تسارع وتيرة التنمية في الدولة برزت الحاجة لتوسيع الكلية لتقدم مزيدا من التخصصات العلمية التي تناسب احتياجات المجتمع، ليصدر في الثامن من يونيو سنة 1977 قرار بتأسيس الجامعة التي ضمت حينها أربع كليات هي: التربية، والإنسانيات والعلوم الاجتماعية، والشريعة والقانون والدراسات الإسلامية، والعلوم. وفي العام 1980 تم تأسيس كلية الهندسة وتلتها كلية الإدارة والاقتصاد. ويتحدث عن تلك المرحلة الدكتور إبراهيم صالح النعيمي الرئيس الحالي لكلية المجتمع في قطر والرئيس السابق لجامعة قطر من 1994–1999، قائلاً: «ظهرت في العام 1972 فكرة إنشاء كلية التربية، ومع تخرجي من المرحلة الثانوية سنة 1973 كانت الكلية قد بدأت أولى برامجها التعليمية، وفي أثناء دراستنا تم تطوير هذه الكلية لتصبح في العام 1977 جامعة قطر، وكنت من أوائل الطلبة الذين تخرجوا حينها بشهادة البكالوريوس في الكيمياء». وأضاف: «لقد كانت لدى الدولة في تلك المرحلة ولدى رئيس الجامعة حينها المرحوم الدكتور محمد إبراهيم كاظم رؤية واضحة لتطوير الجامعة، وكانت من نتائج تلك الرؤية أن أصبحت الجامعة علامة فارقة وعنصرا أساسيا في إحداث قفزة نوعية في تاريخ التعليم في قطر، حيث فاض عطاء معلمي الجامعة وأكاديمييها ليصل عطاؤهم إلى باقي مدارس الدولة، حيث أسهموا وأسهمنا معهم في تطوير المدارس والمناهج التعليمية حينها». هذا وتولي جامعة قطر اهتماما كبيرا بتعليم الفتيات، فمنذ الدفعة الأولى انخرطت الفتاة القطرية إلى جانب الرجل في الدراسة الجامعية، كي تسهم بجهودها في بناء البلد وتنميته. وحاليا تدرس الطالبات في جامعة قطر كل التخصصات التي يدرسها الطلاب، حيث تتواجد بقوة في تخصصات كانت تقتصر سابقا على الطلاب مثل الهندسة بمختلف فروعها وتخصصاتها، وأثبتت إمكاناتها ومهاراتها. لقد شكلت الطالبات النسبة الأكبر من طلبة الجامعة منذ نشأتها وحتى الوقت الحاضر حيث تشكل الطالبات ما يقارب %70 من إجمالي طلاب الجامعة. وتتحدث الدكتورة شيخة بنت عبدالله المسند، رئيس جامعة قطر حول هذا الشأن قائلة: «نستطيع القول إن جامعة قطر كانت ذات رؤية تقدمية منذ نشأتها في أواخر السبعينيات، وكانت بحق نقلة متميزة في تاريخ التعليم بالمنطقة». وحول النمو والتطور الذي شهدته الجامعة منذ إنشائها، تقول المسند: «في الماضي.. جاءت نشأة جامعة قطر أواخر السبعينيات لتلبية احتياجات المجتمع المحلي، ولاسيَّما في تخريج معلمين متميزين، يساهمون في العملية التعليمية، وأيضا تخريج دفعات متلاحقة من الكفاءات التي تتبوأ مكانها في قيادة نهضة قطر التي كانت قد بدأت، وحاضرا.. تتمثل رؤية جامعة قطر في أن تصبح نموذجا للجامعة الوطنية في المنطقة، وتتميز بجودة التعليم والأبحاث وبدورها الرائد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية».