

الحكاية أقوى حين تُروى بصوت واحد... لذلك جعلتها مونودراما
المسرح العربي في حالة يقظة لكنه يحتاج إلى دعم مؤسسي
الجمهور التونسي قرأ النص فلسفيًا.. والخليجي اقترب منه كحكاية واقعية
أعمل على مشروع جديد عن الذاكرة والسلطة بمقاربة درامية أكثر تجريبًا
حصدت مسرحية “ماسح الأحذية” جائزة أفضل نص مسرحي وجائزة تكريم للإخراج في ختام مهرجان الكويت الدولي للمونودراما في دورته الثامنة، بمشاركة واسعة من الفرق العربية والأجنبية. العمل من تأليف الكاتب د. خالد الجابر، وإخراج وسينوغرافيا حافظ خليفة، وتمثيل الفنان محمد العباسي.
وقد رسّخت المسرحية حضورها العربي والدولي بعد فوزها سابقًا في مهرجان قرطاج الدولي للمونودراما بجائزتي أفضل نص وأفضل إضاءة.
وتحدث د. خالد الجابر في حوار مع «العرب» عن فوزه الجديد، ورحلة كتابة نص “ماسح الأحذية”، والتحديات الفنية، ومستقبل المسرح العربي حيث أكد أن المسرح في حالة يقظة حاليا، مطالبا في الوقت ذاته بوجود منصات تدريب احترافية للممثلين الشباب، ودعم أكبر للكتّاب المسرحيين، ومسارح مجهزة تقنيًا، ومبادرات لدمج المسرح في التعليم، إضافة إلى تطوير حركة النقد المسرحي حتى تُقيّم التجارب بجدية ووعي.
◆ كيف استقبلتم فوز نص “ماسح الأحذية” في مهرجان الكويت الدولي للمونودراما؟
¶ في الحقيقة، كانت المشاعر مختلطة وكأنها أشبه باللحظة التي يقف فيها الكاتب أمام مرآة الزمن؛ تلك المرآة التي تعكس له صدى ما كتب، لا على الورق فحسب، بل في وجدان الجمهور. لم يكن الأمر مجرد تتويج بجائزة، بل كان اعترافًا بأن الحكاية التي خرجت من مساحة إنسانية موجوعة استطاعت أن تمسّ قلوب المتلقين في بلدان ومدن مختلفة في الشرق والغرب على حد سواء، شعرت بأن “ماسح الأحذية” — الرجل المكسور الذي يحمل ذاكرته في صندوق خشبي — وجد أخيرًا من يحتضن شهادته على العالم. كانت لحظة التتويج تأكيدًا أن النص، حين يُكتب بصدق، يجد طريقه إلى القلوب والعقول مهما طال الطريق.
◆ ما الفكرة الأساسية التي ينطلق منها النص؟ وما الرسالة التي أردتم إيصالها؟
¶ النص ينطلق من سؤال بسيط وعميق في آن واحد: حين يُسلب من الإنسان كل شيء، ماذا يتبقى؟ في جوهره، هو نص عن الهوية حين تتشظّى، وعن الإنسان حين يقف على حافة العالم بعد أن حطمته الحرب.
ليس النص عن ماسح الأحذية كوظيفة، بل عن الإنسان الذي حوّلته المأساة إلى ظلّ، وعن محاولاته المستميتة لكي يستعيد صوته وسط ضوضاء الفقد. أردت أن أقول إن الكرامة الإنسانية لا تنتهي بتبدل الظروف، وأن الغربة ليست رحلة جغرافية، بل صراع داخلي لا يراه إلا من يعيش تحت ركام ذاكرته. كل إنسان، مهما صغُر موقعه الاجتماعي، يحمل رواية تستحق أن تُروى.
◆ كيف تصفون عملية كتابة النص؟ وهل مرّ بمراحل تطوير كثيرة؟
¶ بالتأكيد، مرّت الكتابة بتحوّلات كثيرة. كانت العملية أشبه بنحت تمثال في الظلام؛ كل جملة احتاجت إلى إنصات طويل لصوت الشخصية. في البداية، كُتب العمل كنص مسرحي متعدد الشخصيات ضمن فضاء درامي واسع مليء بالحوار والتقاطع بين الأصوات. لكن بعد عرضه الأول في الدوحة، شعرت أن الحكاية، بكل أوجاعها، أكثر قدرة على أن تُروى بصوت واحد.
خضع النص لرحلة طويلة من إعادة البناء والتركيب، وتمت كتابة السردية مرات عديدة، إلى أن أصبح العمل قائمًا على صوت واحد دون أن يفقد اتساع عالمه. لم يكن ذلك سهلًا، لكنه كان ضروريًا للوصول إلى التوازن المطلوب بين التكثيف والثراء؛ بين البساطة والشجن.
◆ ما أبرز التحديات الإبداعية أثناء تحويل النص إلى مونودراما؟
¶ التحدي الأكبر كان الحفاظ على العمق النفسي للشخصية دون الوقوع في الرتابة. في المسرح المتعدد الأصوات، تتوزع الفكرة على شخصيات مختلفة، أما هنا فقد كان على شخصية واحدة أن تحمل الصراع والحكاية والماضي والحاضر والمستقبل المحتمل.
كان عليّ أن أُبرز التعددية داخل الوحدة، وأن أجعل البطل يتشظّى إلى شخصيات أخرى دون أن يغادر دوره. هذا النوع من الكتابة يتطلب حساسية عالية لأن الممثل يصبح الحامل الوحيد للعرض، والصمت يصبح شريكًا له على الخشبة.
◆ إلى أي مدى يحتاج المسرح اليوم إلى نصوص جديدة تُخاطب المتغيرات الاجتماعية والثقافية؟
¶ المسرح الحقيقي هو الذي يطرح أسئلة عصره. العالم يتغير بسرعة، والمجتمعات العربية تمر بمرحلة تحولات عميقة. لذلك نحتاج نصوصًا تلتقط روح هذه التحولات، تنبش في المخاوف الجديدة، وتطرح أسئلة عن الهوية والحرية والاغتراب والمصير.
النص الجديد ليس رفاهية، بل ضرورة لبقاء المسرح حيًا في زمن تتغير فيه وسائل التعبير وتتسع فيه الأسئلة.
◆ ما الدور الذي يلعبه النص في تشكيل تجربة العرض؟
¶ النص هو البوصلة، وهو الخريطة الأولى التي يهتدي بها المخرج والممثل والتقنيون. إنه ليس مجرد كلمات، بل مناخ كامل من الإيقاع واللغة والفضاء والصمت. النص الجيد يفتح نوافذ جديدة للقراءة، ويمنح الفريق الفني إمكانات متعددة لاكتشاف طبقات العمل.
◆ كيف وجدتم ردود فعل الجمهور والنقاد على العمل قبل وبعد الفوز؟ وما الذي شدَّ الجمهور في النص؟
¶ قبل الفوز، كان التفاعل مشوبًا بالدهشة. الجمهور تعامل مع النص كمساحة اعتراف إنساني مفتوحة. بعد الفوز، تضاعف التفاعل، وشعر الجمهور بأن العمل ليس مجرد حكاية، بل شهادة على زمن معقد نعيشه جميعًا.
ما شدّ الجمهور هو صدق التجربة؛ النص يتحدث عن رجل من لحم ودم يحمل خوفه وضعفه وقهره، ويتشبث بأحلامه كمن يتمسك بخيط نور في عتمة طويلة.
◆ هل لاحظتم اختلافًا بين تلقي الجمهور العربي في الكويت وتونس؟
¶ نعم، لكن الاختلاف كان ثراءً وليس تناقضًا. الجمهور التونسي قرأ العمل بعمق فلسفي ووجودي، بينما اقترب الجمهور الخليجي منه كحكاية إنسانية تعكس واقعًا معاشًا. أما الجمهور العربي عمومًا، فقد وجد في النص مرآة لأوجاع مشتركة تتجاوز الجغرافيا.
هذا التنوّع منح النص حياة أطول ومدى أعمق في الذاكرة المسرحية العربية.
◆ هل لديكم مشروع مسرحي جديد تعملون عليه حاليًا؟
¶ نعم، هناك مشروع مسرحي قيد الكتابة يتناول علاقة الذاكرة بالسلطة، وتحوّلات الإنسان حين يُدفع إلى مواجهة ذاته في لحظات مصيرية. أحاول في هذا المشروع تقديم شكل درامي أكثر تجريبًا، والذهاب نحو مناطق نفسية أكثر تعقيدًا.
◆ ما المجالات التي تحتاج إلى تطوير في المشهد المسرحي المحلي؟
¶ نحتاج إلى منصات تدريب احترافية للممثلين الشباب، ودعم أكبر للكتّاب المسرحيين، ومسارح مجهزة تقنيًا، ومبادرات لدمج المسرح في التعليم، إضافة إلى تطوير حركة النقد المسرحي حتى تُقيّم التجارب بجدية ووعي.
المشهد المحلي يمتلك طاقات كبيرة، لكنه بحاجة إلى جسور قوية تربط الإبداع بالمؤسسة.
◆ ما نصيحتكم للشباب الراغبين في كتابة نصوص مسرحية؟
¶ أن يكتبوا بجرأة وألا يخشوا التجريب. أن يقرأوا الحياة قبل أن يقرأوا المسرح. أن يصغوا إلى الناس وإلى الشوارع وإلى الصمت، فالمسرح يولد هناك. أن يتعلموا فن الإصغاء قبل فن الكتابة. وأن يدركوا أن النص العظيم يبدأ من سؤال بسيط… لكنه سؤال لا يملك أحد إجابته.
يقظة عربية
◆ كيف ترون واقع المسرح العربي اليوم؟ وهل الجوائز تُسهم في إحيائه؟
¶ المسرح العربي اليوم في حالة يقظة رغم التحديات. هناك حيوية واضحة في المهرجانات والمنافسات، وهناك أصوات جديدة تحاول كسر القوالب التقليدية. ومع ذلك، لا يزال المشهد بحاجة إلى دعم مؤسسي حقيقي يضمن الاستمرارية.
الجوائز والتكريمات تسهم في تسليط الضوء على الأعمال المتميزة وتُحدث حراكًا إيجابيًا، لكنها ليست كافية وحدها لإحياء المسرح. الجوائز تشجّع وتحتفي، لكنها لا تُنتج مسرحًا ما لم تتوفر بيئة إنتاجية وفنية قادرة على احتضان التجارب الجديدة.
الجابر.. حضور فاعل في المشهد الثقافي العربي
يُعدّ الدكتور خالد الجابر واحدًا من أبرز الأصوات الثقافية والفكرية في قطر والخليج، إذ جمع بين الخبرة الأكاديمية والاشتغال الإبداعي في مجالات الأدب والرواية والمسرح. وقد مكّنه هذا التنوع من تشكيل حضور فاعل في المشهد الثقافي العربي، عبر نتاج يجمع بين الرؤية العلمية والخيال الأدبي، ويقدّم مقاربات فكرية ذات عمق وبعد إنساني واضح.
تنقّل الجابر بين ميادين متعددة، فكان له حضور مؤثر في الدراسات الأكاديمية من خلال عمله أستاذًا للاتصال السياسي بجامعة قطر، وفي إدارة الأبحاث عبر قيادته لمركز الشرق للأبحاث، إضافة إلى دوره الإعلامي بوصفه رئيسًا لتحرير صحيفة The Peninsula ونائبًا لرئيس تحرير الشرق. سابقا كما رسّخ مكانته ككاتب ومبدع من خلال أعماله المسرحية والروائية التي حققت حضورًا لافتًا، مثل “الملح الأسود” و“الصندوق المميت” و“سفرطاس”، إضافة إلى موسوعته البحثية “موسوعة الإعلام في قطر”.