الإخوة خير سند في مواجهة المحن والشدائد
محليات
19 نوفمبر 2016 , 01:49ص
ولي الدين حسن
ألقى فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن حسن المريخي، الخطيب والداعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، خطبة الجمعة أمس بمسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب، وأكد فضيلته فيها أهمية الإخوة في حياة الإنسان وفضلهم الكبير في تقديم الدعم والسند للإنسان في المحن والشدائد، مشيراً إلى أن آيات القرآن الكريم أوضحت دور الإخوة، فكم من آية في فضل الأخ، كما حثت الأحاديث النبوية على ضرورة زيادة صلة الأرحام بين الإخوة مع بعضهم البعض، ونزع الخلافات والمساندة والمؤازرة وقت الشدائد.
وقال «المريخي»: إن مِن متع هذه الحياة الدنيا والمنن الربانية الكريمة، أن يكون للمرء أخوة أشقاء، أو من أحد أبويه، يبرهم ويبرونه ويسعدهم ويسعدونه ويصلهم ويصلونه، يرى فيهم أبويه أو أحدهما اللذين رحلا عن هذه الحياة، فيرحمهم ببر إخوانه، وهم رائحة الوالدين وذكرى الأبوين الكريمين الأم والأب ووصيتهما، فالأخ رحم وصلة وقربى يبارك الله تعالى به حياة العبد ويوسع له في رزقه ويبسط له في عمره، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يُبسَط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصلْ رَحِمه)، متفق عليه. ولفت الدكتور المريخي النظر إلى أن الإخوة عضد ومُعِين وعون من الله تعالى على نوائب الدهر، وظلال يستظل به، وساعد يعتمد عليه، ألم تر كيف يشد الأخ ساعد أخيه ويؤازره ويقف معه في السراء والضراء وفي كل نائبة ومحنة وضائقة؟ وهو محل الثقة ومكمن السر والستر وهو أقرب من كل قريب، وأوثق وأودع من تودع عنده الأمانات والأثمان والمقيمات.
وأشار إلى أن الأخ يحتاج إلى أخيه حتى في أصعب المهمات وأثقل النازلات، فهذا موسى عليه السلام يحتاج للمعاون بعد الله تعالى يعينه على تبليغ رسالة ربه، ويدفع عنه بلاء القوم ويخفف عنه قسوتهم وكبرياءهم، فيسأل ربه عز وجل أن يجعل له ومعه أخاه هارون وزيرا، يقول: (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشرِكْه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً قال قد أوتيت سُؤْلك يا موسى)، فلم يطلب غير أخيه ليقينه وثقته في إخلاصه له وبذل نفسه في نصرة أخيه، خاصة أنه على الهدى المستقيم، (قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون)، ردءاً أي معيناً، فأجابه الله تعالى (قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا)، نقويك به ونؤيدك.
المريخي في خطبة الجمعة بمسجد الإمام:
قال الدكتور «المريخي»، خلال خطبة الجمعة: كم يحتاج المرء إلى المعين والمساعد خاصة في هذه الأزمان التي غلبت الدنيا على أهلها واستولت النفوس على أصحابها ونسيت تعاليم الديانة، إلا من رحم الله، وهجرت السنن إلا من وفقه الله وثبَّته، فالأخ عضيد وسنيد بعد الله تعالى يوم تقل السنود وتبخل الدنيا بالمعاوِن والعضيد والدليل، وهو ظلال إذا حرت الشموس وألهبت الأوقات وأظمأ الأزمان، الأخ أصيل في أخوته وصدوق في مودته وثقة في أمانته، حق على الأخ بر أخيه وصلته والإحسان إليه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلمنا أن الله أمر بالإحسان إلى كل شيءٍ، فمن باب أولى أن يحسن الأخ لأخته وأخيه (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)، رواه مسلم.
وحقه أن يحترمه ويوقره صغيراً كان أو كبيراً ويُجِله ويكرمه ويرشده، إن كان أهلاً وكان الآخر محتاجاً، وينصح له ويوجهه، يقول رسولنا الكريم: (حق المسلم على المسلم ست، قيل ما هنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصح فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فأتبعه)، رواه مسلم. وحقه أن يبذل له المساعدة والعون فيعينه على أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه الضر وما يسوءه ويكدره، وينصره إذا كان مظلوماً، ويرده عن الظلم إذا كان ظالماً، يقول رسول الله: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تأخذ فوق يديه) متفق عليه.
نعمة كبيرة تستحق العناية والرعاية
أكد الدكتور المريخي أن الإخوان والأخوات نعمة كبيرة ومنة جليلة من الله عز وجل، فتحتاج من يقدرها ويحوطها ويحافظ عليها، وإذا أراد المرء أن يعرف قيمة هذه النعمة وقدرها فلينظر إلى من كان له أخوة وأخوات ومن لا أخوة له، أو ينظر إلى أحوال من كان معه إخوة وأخوات ثم انصرفوا عنه بموت أو بسبب مطامع الدنيا وتركوه وحيداً لا يقدر على شيء، كأنه الملك الذي ذهب عنه جنوده وحراسه، فالإخوة نعمة تدارى وتصان وتحاط بالرعاية وتتعاهد وترحم وتحرس من المكدرات. لقد التقى النبي صلى الله عليه وسلم بأخته من الرضاعة الشيماء بنت حليمة السعدية، فاستقبلها خير استقبال وفرش لها رداءه وأجلسها عليه، وتحدث معها وأكرمها وأسعدها وطيَّب خاطرها، وخيَّرها بين البقاء معه أو العودة إلى أهلها فاختارت أهلها.
وأضاف أن المجتمعات التي تقدر الإخوة وتصونها وتحرسها مجتمعات قوية أبية ذات أسوار رفيعة وأبراج عالية، لا يصل إليها ضعاف النفوس والإيمان ولا المهازيل الأقزام، مجتمعات محروسة من الله تعالى للصلة والرحم المُصَان فيها.
لا خير في قاطع الرحم
قال الدكتور المريخي: «إن لم يكن في المرء خير لأرحامه والأقربين فلا خير فيه للأبعدين، وإن الإخوان والأخوات سند وعتاد وقوة وشداد، يكدر صفو الأخوَّة ويعترض سيرها مكدرات ومعكرات في هذه الأزمان، بسبب انفتاح الناس على الدنيا وضعف الإيمان والجهل وإهمال ما أوصى به الله تعالى ورسوله في حق الأرحام، يكدر صفو الأخوَّة زوجات فاسقات سيئات لا يتقين الله تعالى ولا يراقبنه، يُوغِرْن الصدور ويغلِّظن القلوب ويضيِّقن الصدور، زوجات عاثرات، عثر حظهن وقَصُر عن التعلم الشرعي ومعرفة حقوق الرحم وخطورة القطيعة، زوجات يئسن أن يعتدلن، يعتزل الأخ أخاه أو أخته ويقطع صلتهما ويهجر طريقهما ومكانهما بسبب ما امتلأ من البغضاء بفعل الزوجة، حتى مات ولقي ربه عز وجل وهو قاطع، لقد أفسدت عليه زوجته دينه ورحل إلى الآخرة بأكبر بلوى، وأمرُهُ إلى الله تعالى.
أصول ثابتة
تناول الدكتور المريخي جانبا من حياة الدنيا، قائلاً إن الزوجة بالنسبة للرجل فرع، وليست أصلاً، والأخ والأخت أصل ثابت، ويمكن أن ترحل الزوجة وتأتي غيرها، لكن لا يمكن أن يبدل الأخ أخاه أو أخته كي يأتي بأخ آخر كما هو الحال للزوجات. وتساءل: لماذا يرضى العاقل بتحويل أصوله والتخلي عنها ويأذن لفرعٍ - وهي الزوجة - لتبعثر أرحامَه وتقطع أوصاله، وهي التي ما جاءت إلا الأمس ويمكن الاستبدال بها والإتيان بأحسن منها وأعقل؟! ويكدر صفو الأخوة مطامع دنيا من مال وميراث وعطية وعقار وإيجار، ويكدر الصفو الجهل بالإسلام وقلة الإيمان ونسيان الديَّان ومتابعة الشيطان.
وقال: «لو كان المرء يعلم علم اليقين مقام الأرحام ومؤاخذة الله تعالى وعقابه لمن قطعها، لَمَا تجرأ على تعدي حدود الله، إن العيش الهنيء الرغيد في هذه الحياة أن يكون المرء ملتفتاً لدينه يعمل به، واصِلاً لإخوانه وأرحامه، باذلاً معروفه أولاً لهم، حبيباً معهم يأنس باجتماعهم معه، ويستوحش لفراغهم، يتألم لمرضهم ويسعد إذا نزلت بهم العافية والسلامة.
لا يقدرون قيمة «الأرحام»
تطرق الدكتور المريخي، خلال خطبة الجمعة، إلى مشكلة عدم صلة الأرحام، معرباً عن الأسف الشديد على أقوام لا يقدرون الأخوَّة ولا يعرفون قيمة الأرحام ولا يعقلون تعاليم السنة والقرآن. وقال: "إن الأخوَّة مقطَّعة، ونعم مهملة، ولعب ولهو وغفلة عن الله وآياته لدى هؤلاء، فهم إخوة بينهم شحناء وعداوة وبغضاء، وغلظة بينه وبين أخيه ابن أمه وأبيه، ويقع ما لا يعلمه إلا الله من القطيعة، خيره كله مصروف للناس وشره كله مجموع لإخوانه، أنيسه البعيد وقعيده الصديق ويحرم أخاه من جلسة ولقاء، وجوه عابسة لبعضها وقلوب غليظة على بعضها البعض، وصدور ضيقة لعبت بينهم الزوجات السيئات والأهواء والشهوات والدنيا والطمع والغرور والشيطان، نسوا الأرحام ووصية الرحمن بصلة الرحم والتحذير من قطيعتها.