القدس ذاكرة تاريخ.. وحق لا يموت
محليات
19 نوفمبر 2013 , 12:00ص
الدوحة - قنا
اشتدت أزمتها وازدادت معاناتها حتى بلغت حد الموت وارتفعت وتصاعدت وتيرة الهجمة الإسرائيلية الشرسة عليها تهويدا واستيطانا لدرجة تكاد تنمحي معها معالمها.. القدس.. زهرة المدائن ومدينة السلام حاضنة الأنبياء والأديان مرْبى المسيح ومسرى ومعراج محمد عليهما السلام.. يتجلى التاريخ فيها أكثر مما يتجلى في أي مكان آخر على الأرض. فهي وإن كانت كذلك فإنها في الوقت ذاته تحمل في جنباتها تاريخ أمم وحضارات سادت ثم بادت.. عليها ومن أجلها دارت صراعات وجرت حروب ورغم ما عاشته من محن وما مرّ عليها من تجارب ظلت كما هي ذاكرة تاريخ.. أما اليوم وفي ظل احتلال لم تشهد له مثيلا في تاريخها يطمس معالمها ويسلبها تاريخها بحيث توشك المدينة معه أن تفقد هويتها وتدخل عالم النسيان.
ففي غياب فعل القوة واختلال موازينه تعيش المدينة حاليا تحت وطأة عملية تهويد واستيطان طالت الحجر كما البشر وحتى الشجر وغسل ذاكرتها التراثية والحضارية وحتى الدينية.. فهذه المدينة التي جمعت مجد التاريخ من كل أطرافه تتحول بفعل احتلال إسرائيلي تلمودي منذ وقع نصفها في قبضته عام 1948 وسقط النصف الآخر مكْرها عام 1967 وهي تشهد معاناة مختلفة الألوان والأشكال لا تقتصر على الإنسان بل تشمل المكان والزمان.
وطبقا لما شهده المسجد الأقصى مؤخرا وما يشهده حاليا من اقتحامات من قبل عصابات المستوطنين وجنود الاحتلال وفي ضوء الترتيبات النهائية لمسار التسوية السياسية أو ما اصطلح عليها بـ «السلمية» التي تريد حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية فرضها على الفلسطينيين والعرب والمسلمين لإنهاء وتصفية القضية الفلسطينية عبر حلول أحادية الجانب عاد تأكيد هدف حسم مصير القدس كأولوية لدى المجتمع السياسي الإسرائيلي لاسيَّما منذ تشكيل تلك الحكومة التي ضمت في ائتلافها يمينا دينيا وسياسيا متطرفا ومتعصبا ووصولها إلى سدة الحكم في مارس من العام الماضي؛ حيث تسارعت وتيرة تهويد المدينة المقدسة على كافة الصعد وأصبحت فكرة «خلق أورشليم» بشكلها النهائي تتصدر لائحة أولويات الحكومة الإسرائيلية في المرحلة الراهنة.
الصراع على هوية القدس
والمتابع للسياسة الإسرائيلية يلحظ أن حكومة نتنياهو تعتمد أربعة مسارات متوازية ومتزامنة لتنفيذ استراتيجية تهويد القدس تندرج تحت عناوين رئيسية هي «الهوية ببعدها الديني والثقافي والجغرافيا والديموغرافيا، إضافة إلى المسار الإجرائي بتنويعاته الاقتصادية والتشريعية والإعلامية».
ويبقى الصراع على هوية القدس هو لب استراتيجية التهويد في العقلية الإسرائيلية التي تمثلها عن جدارة الحكومة الحالية المتطرفة بزعامة نتنياهو والتي تسعى إلى حسم ذلك الصراع بين القدس العربية الإسلامية من جهة و«أورشليم» العبرية اليهودية من جهة أخرى وذلك عبر سياقين أساسيين يتقاطعان ويتكاملان من الناحية العملية يتعلق أولهما بالهوية الدينية للمدينة بينما يتعلق الثاني بالهوية الثقافية لها.
ولتحقيق هذا الهدف تستخدم إسرائيل وسائل وأساليب عدة ربما تكون قد زادت من كثافتها وحدتها في ظل الحكومة الحالية بالنظر إلى كون حكومة جديدة لم يمر على توليها الحكم سوى أقل من عام واحد.. وتتمحور هذه الأساليب في مشروع تطوير ما يسمى بـ «الحوض المقدس» والذي يعني خلق مدينة يهودية مقدسة مزعومة موازية للبلدة القديمة بمقدساتها ومشتركة معها في المركز ذاته أو القلب من تلك المقدسات وهو المسجد الأقصى المبارك ومن ثم العمل على تحقيق وجود يهودي كثيف في المسجد ومحيطه عبر آلية الاقتحامات المتكررة لمجموعات من اليهود المتطرفين تارة ولجنود من الجيش والشرطة تارة أخرى، إضافة إلى تدشين العديد من الكنس بالقرب من أسوار المسجد الأقصى وفي محيطه، فضلا عن الاستمرار في حفر الأنفاق تحته تمهيدا لانهياره وتوفر الفرصة لهم لإقامة ما يزعمون أنه الهيكل مكانه.
التهويد الثقافي
ومع تكثيف الوجود اليهودي الرمزي والفعلي في المدينة تعمل إسرائيل على تفريغ الأحياء الفلسطينية المحيطة بالمسجد الأقصى من سكانها بطرق شتى والحد من قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى المسجد الأقصى والبلدة القديمة من القدس، إلى جانب منعها الفلسطينيين من مواطني الضفة الغربية ومناطق الخط الأخضر دون سن الخمسين من دخول القدس أو الصلاة في الأقصى.
والأخطر من ذلك في مخطط التهويد الثقافي والديني للقدس هو محاولات تهويد فلسطينيي المدينة ذاتهم من خلال تغيير مناهج التعليم في المدارس وفرض المناهج الإسرائيلية عليها؛ حيث تشرف إسرائيل بالفعل الآن على نحو %66 من مؤسسات قطاع التعليم العربي في المدينة وتقوم وزارة المعارف الإسرائيلية بتدريس مناهج تعليمية مخصوصة تزيف حقائق التاريخ والجغرافيا والهوية والدين، الأمر الذي من شأنه تشويه والتشويش على قضايا الصراع في عقول الناشئة من أبناء الفلسطينيين بالمدينة.
التهويد الديمغرافي
ويظل المسار التهويدي الديمغرافي والجغرافي هو الهاجس الأكبر المسيطر على الإسرائيليين منذ استيلائهم على كامل مدينة القدس عام 1967؛ حيث تبلغ نسبة الفلسطينيين في المدينة اليوم وفقا للإحصاءات الإسرائيلية نفسها %35 من جملة السكان الذين سيجتاز عددهم الكلي مع نهاية العام الحالي 2013 المليون نسمة «يهودا وعربا».. إلا أن نسبة الفلسطينيين في المدينة ربما ترتفع حسب الإحصاءات المتوقعة إلى %40 بنهاية العقد الحالي.
ويأتي عامل تعديل التوازن الديمغرافي على رأس سلم أولويات الاستراتيجية التهويدية للقدس؛ حيث تسعى حكومة نتنياهو إلى تفعيل ما تسميه بقانون 1973 الذي يقضي بألا تزيد نسبة الفلسطينيين في المدينة عن %22 من العدد الإجمالي لسكانها.. وتسعى حكومة نتنياهو لتحقيق ذلك من خلال أدوات ديمغرافية وجغرافية عدة أهمها تكثيف عمليات الاستيطان بالقدس والتوسع فيها رأسيا وأفقيا وذلك عبر زيادة أعداد السكان اليهود فيها وبناء المزيد من الأحياء الاستيطانية في المدينة وحولها من خلال الترويج للقدس كمركز جذب سكاني.
مصادرة أراضي المقدسيين
كما تأتي استراتيجية مصادرة أراضي المقدسيين وتطويقهم بجدار الفصل العنصري العازل الذي استقطعت به إسرائيل مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية كإحدى الأدوات الفاعلة في استراتيجية التهويد؛ حيث حققت حكومة نتنياهو به مكاسب جغرافية ومن ثم ديمغرافية مهمة باعتبار أن الهدف الأول لإقامة الجدار في القدس هو ضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض إلى الحدود البلدية للمدينة مع طرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين منها.. وهذا ما تحقق لإسرائيل بشكل كبير؛ إذ أدت هذه الآلية الجغرافية الديمغرافية الفاعلة إلى عزل أكثر من 154 ألفا من المقدسيين عن مدينتهم إضافة إلى مصادرة أكثر من 163 كيلومترا مربعا من الأراضي الفلسطينية دخلت في حزام الجدار العازل.. وعزل الجدار خارج المدينة بلدات وأحياء كانت جزءا لا يتجزأ من القدس مثل العيزيرية وأبوديس وسلوان وعناتا وشعفاط وبيت حنينا.
وبنت إسرائيل حول القدس حزاما استيطانيا رهيبا تمثل في مستوطنات «أدوميم ونيفيه يعقوب وبسغات زئيف وألمون وألون وميشور ومعاليه أدوميم وإفرات وغيفعات هماتوس وغيلو وهار حوما وكفار عتسيون» بحيث استوعبت هذه المستوطنات ما لا يقل عن ربع مليون مستوطن يهودي غالبيتهم من المتطرفين الدينيين المتعصبين.. وتسعى حاليا إلى وضع اليد بالقوة على أملاك الغائبين في المدينة وسحب الهويات المقدسية من أبناء المدينة الذين لا يستطيعون دفع الضرائب الباهظة لبلدية الاحتلال تمهيدا لطردهم عنها.
الأوضاع المعيشية المزرية
أما الأدوات الاقتصادية والتشريعية والإعلامية كمكملات إجرائية لما سبق من مسارات لتنفيذ الاستراتيجية الإسرائيلية لتهويد القدس فيمكن القول: إن الجانب الاقتصادي يكشف عن الأوضاع المعيشية المزرية التي يعانيها الفلسطينيون من أهل القدس تدفع عددا متزايدا منهم لاسيَّما في القدس الشرقية إلى الوقوع في شرك الإغراءات المادية التي تعرضها جمعيات المستوطنين كأثمان باهظة مقابل بيع بيوتهم ومحلاتهم التجارية التي أعلنت إفلاسها أو أراض أو عقارات يملكونها في المدينة.. كما تروج حكومة نتنياهو لمشروعها التضليلي المسمى بـ«السلام الاقتصادي» والذي يبشر بالكيان الاقتصادي الفلسطيني الواعد في محاولة لابتزاز الشعب الفلسطيني المحاصر والمهدد في حياته اليومية ولقمة عيشه ومصير أطفاله والحالة المزرية التي بلغها بهدف تركيعه وقتل إرادته وثنيه عن موقفه المدافع عن أرضه ومقدساته وحمله على قبول الأمر الواقع لضمان العيش الرغيد والأمن المزعوم.
تكبيل الفلسطينيين
وفي الجانب التشريعي تعمل إسرائيل على تكبيل الفلسطينيين في القدس الشرقية بقيود قانونية وإجرائية جائرة والتفنن في فرض إجراءات تعجيزية بحقهم تمس حياتهم اليومية مثل تراخيص البناء وتراخيص العمل وتجديد الهويات والضرائب على كل شيء بهدف حملهم على الهجرة من ديارهم مرغمين أو القيام بردود فعل انعكاسية يتم استغلالها من قبل الحكومة كمبرر أمام الرأي العام العالمي لتنفيذ مؤامرة الترحيل والوطن البديل في الخارج.
تهويد إعلامي
وإعلاميا تدير إسرائيل معركة التهويد بطريقة لا تقل أهمية وتأثيرا عما تقوم به على الأرض؛ حيث تروج للقدس عالميا خاصة في أوروبا وأميركا كمدينة يهودية من خلال تنظيم الجولات السياحية وفق مسارات تجاهل المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة، إضافة إلى جعلها منطلقا ومقرا لإقامة المهرجانات والاحتفالات بالمناسبات اليهودية الدينية والقومية واستقطاب الزائرين من السياسيين الأجانب لإجراء مقابلاتهم ومباحثاتهم في المدينة.
وتروج حكومة نتيناهو الإسرائيلية حاليا على الصعيد الإعلامي لما تزعمه من حق لليهود في إقامة صلواتهم في المسجد الأقصى بدليل محاولات الجماعات الدينية المتطرفة لدخول الأقصى في الفترة الأخيرة بحماية قوات الاحتلال، والترويج أيضا لما تدعيه بشأن تقسيم الأقصى بين اليهود والمسلمين مثلما حدث للحرم الإبراهيمي في الخليل في خطوة خبيثة تهدف من ورائها إلى تدشين أمر واقع جديد يتمثل فيما يتم الترويج له أو على الأقل تدويل الأقصى باعتباره حسب زعمهم تراثا إنسانيا مشتركا لا يخص العرب والمسلمين وحدهم.
الرمز والهوية والمكانة والتاريخ
والقدس، وإن كانت تعد بقعة مقدسة كبرى لدى أتباع الديانات السماوية الثلاث الإسلامية والمسيحية واليهودية، فإنها بالنسبة للعرب كقومية وللفلسطينيين كوطنية الرمز والهوية والمكانة والتاريخ فهي بالنسبة للعرب المدينة التي كانوا أول من بناها وسكنها وهم اليبوسيون المنتمون إلى قبيلة يبوس التي تنحدر من الكنعانيين -بطن من بطون السامية- ينسبون إلى سام بن نوح وقد نزحوا إلى فلسطين في الألف الخامس قبل الميلاد من شبه الجزيرة العربية موطن كل العرب وبعد بنائهم للقدس التي أسموها حينذاك «يبوس» توسعوا في أرض فلسطين وأنشؤوا فيها المدن وسميت أرضهم بأرض كنعان.
ثم تسلل إليها العبرانيون وهم قوم عبروا نهر الفرات من بلدة «أور» شرقه متوجهين إلى الغرب فوصلوا إلى جبال فلسطين الشرقية في الألف الثاني قبل الميلاد وسكنوا في جزء منها وذلك قبل ظهور الديانة اليهودية بنحو ألف سنة وأقاموا في جبال شرق فلسطين لمدة قرنين إلى أن قاتلهم الكنعانيون وطردوهم منها.. وتوالت على فلسطين عهود أخرى إثر حروب وصراعات من الهكسوس إلى الرومان إلى الفرس إلى البيزنطيين إلى أن جاء الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي فدخلت القدس ومعها كل فلسطين في عهد المسلمين برضا وتسليم أهلها من النصارى للخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
وتوالت على فلسطين والقدس بعد ذلك عهود وأمم وحضارات كان من أبرزها الاستعمار الصليبي الذي أخرجه المسلمون منها بعد احتلال دام نحو قرن من الزمان إلى أن وضع العثمانيون يدهم عليها ومن ثم خضعت للاستعمار البريطاني عقب الحرب العالمية الأولى الذي أسلمها تدريجيا للحركة الصهيونية بوعد بلفور التي أقامت عليها إسرائيل عام 1948.
من أكثر مناطق العالم توتراً
واليوم تعتبر فلسطين وقلبها القدس من أكثر مناطق العالم توترا واضطرابا أمنيا وعسكريا وصراعا سياسيا.. ويعتبر النزاع القائم الآن حول وضع القدس ومستقبلها مسألة محورية في الصراع العربي-الإسرائيلي وجوهريا بالنسبة للفلسطينيين ومستقبل وطنهم ودولتهم وتاريخهم.
وخلال تاريخها الطويل تعرضت القدس للتدمير مرتين وحوصرت ثلاثا وعشرين مرة وهوجمت اثنتين وخمسين مرة وتم غزوها وفقدانها أربعا وأربعين مرة.. وكانت دائما تعود لجذورها الأولى -عربية الوجه واليد واللسان- ليست لأنها مجرد مدينة بل لأنها أكثر من ذلك فهي بالنسبة للعرب مسلمين ونصارى ذاكرة تاريخ وحق لن يموت.
ورغم رفض وإدانة غالبية دول العالم ومنظماته الدولية والإنسانية المتعددة للسياسة الاستيطانية والتهويدية التي تمارسها إسرائيل في القدس، وآخرها وأبرزها إدانة دولة قطر أمس لقرار الحكومة الإسرائيلية الصادر مؤخرا ببناء 1500 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة «رامات شلومو» في مدينة القدس، تستمر إسرائيل في تنفيذ سياستها في غياب الفعل الدولي والانشغال العربي بأزماته المتكررة والمتجددة.. ولكن في النهاية لن يسود إلا الحق والعدل وحق الشعوب في الحرية والانعتاق من نير الاحتلال.