افتتاح مركز عبدالله الدرويش الثقافي في فرنسا
محليات
19 نوفمبر 2012 , 12:00ص
باريس - العرب
كما يحن الفتى لأول منزل بالذكريات، حتى وإن ترك الكوخ إلى القصر، فإنه لا شك ذاكر أماكن أخرى وفي عقله أحداث ارتبطت بالمكان مهما طال الزمان. ولعل الشيخ الكويتي محمد البراك كان يعني هذه الذكريات، وهو يلقي خطبة الجمعة على أسماع المصلين في آخر مرة اجتمعوا فيها بين جدران مسجد الفرقان بمدينة نانت الفرنسية، وبانفضاض جمعهم ضربوا موعدا الجمعة القادمة للقاء جديد في مسجد جديد. لقد عبر صوت الإمام الأسماع إلى القلوب عندما قال وهو غريب البلد واللسان والملبس في مدينة لم يزرها إلا لإلقاء خطبة الجمعة الأخيرة في مسجد الفرقان، عندما قال: «ونحن بهذا الصدد نستذكر هذا المسجد.. لماضيه من أثر وفضل عظيم في إسلام الناس وإطعام المحتاجين وإفطار الصائمين...».
فالمكان العامر بالإيمان حولته السنوات والعوامل الجوية والتوسعات العشوائية إلى ما يشبه مخلفات الحرب. فهو كان في ماضيه البعيد كنيسة يقصدها المسيحيون لأداء قداسهم، غير أن مجلس البلدية سمح للمسلمين أن يحولوها إلى مسجد في نهاية سبعينيات القرن الماضي، فنال المجلس ثناء مسلمي المدينة، وربما دعوا لرئيس المجلس جان مارك إيرولت الذي أمضى في هذا المنصب أكثر من عشرين عاما، ليتم اختياره رئيسا لمجلس وزراء الجمهورية الفرنسية. وكان المسلمون في السبعينيات قلة لا يتجاوزون بضع عشرات من المصلين، ومع ازدياد عدد المهاجرين وتداخل أجيال الأبناء والآباء والأجداد ضاق بهم المكان، وتضايقوا من هيئته، فرأت إدارة البلدية إزالته، وأدرجت هدمه في خطة معمارية لتجميل المدينة. وعلى هذا النحو أبدل الله تعالى مسلمي المدينة مسجدهم بأرض واسعة تفوق مساحتها ثلاثة آلاف متر، ليشيدوا عليها مسجدا يليق بسمو شعائرهم الدينية. وسعى مسلمو المدينة في أسواق أوروبا ومساجدها جادين في طلب التبرعات، فجمعوا ما جمعوا، واستهلوا تعمير المكان في انتظار المزيد مما يجود به الأكرمون. لكن الأحداث كانت أسرع من عطاء الأكرمين، فانقطعت ذات أياديهم، ودخلوا في الدائرة المفرغة للديون، التي تتكاثر فواتيرها بغرامات التأخير في السداد وبأتعاب المحامين وبرسوم القضايا وبالفوائد المصرفية. وكادت المحكمة تقضي بمصادرة بيت من بيوت الله.
وعلى بعد آلاف الكيلومترات من مدينة نانت قرأ رجل في صحيفة قطرية خبر الكربة التي حاقت بإخوته في الدين، واستوعب المغزى البعيد للخبر، وهو يدرك فضل بناء المساجد من حديث سمعه سيدنا عثمان بن عفان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرواه لنا قائلا: (من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة). غير أن بر بدر الدرويش بأبيه عبدالله دفعه إلى أن يؤثر أباه على نفسه في بناء بيت له بالجنة، فسعى إلى فك كربة المؤمنين بأن يحل محلهم في بناء المسجد، فافتدى بحر ماله بيت الله من الدائنين، ووهب عمله إلى أبيه، فاستحق والده دعاء الشيخ محمد البراك في خطبة الجمعة: «ونسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى لمن كان له نصيب من عمارة هذا المسجد من الأموات أن يوسع له في قبره وينور له فيه ويسكنه فسيح جناته وييسر حسابه وييمن كتابه ويرفع درجته ويعلي منزلته في الجنة». ولم ينس الإمام الخطيب من سعى إلى أن يهب إلى أبيه بيتا في الجنة وهو يدعو له مع الأحياء: «كما نسأله سبحانه لمن كان منهم حيا أن يبارك له في عمره وأن يوسع له رزقه ويغفر له ذنبه ويستر عيبه وينفس كربه ويفرج همه ويشرح صدره وييسر له أمره ويطهر قلبه ويكشف ضره». وليقبل الله دعاء الشيخ.
إنها قصة بدر عبدالله الدرويش الذي هب لنجدة معسرين، وهو لا ينتظر منهم ثوابا، وقد وهب صالح أعماله إلى أبيه.
وافتتح أمس في مدينة نانت الفرنسية مركز عبدالله الدرويش الثقافي، وهو يشمل أكبر مبنى لأداء شعائر الدين الإسلامي في غرب فرنسا، حسبما وصفته إحدى الصحف الإقليمية. وانتقى القائمون على المسجد اسم «السلام» ليميزوه عن المساجد الأخرى بالمدينة، وقد فاق عددها على العشرة. ويسع هذا المسجد من المصلين نحو 6 آلاف شخص، غير أن رئيس الجمعية الإسلامية لغرب فرنسا عبدالخالق الشاذلي قال إنه «أجمل مسجد في فرنسا». ومن رأى المكان لا بد أن يتفق معه في جمال المكان وفخامته وتميز معماره. وقد أثنى رئيس الجمعية على تشجيع حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى لرجال الأعمال القطريين على القيام بالأعمال الخيرية خارج دولة قطر.
ولم يكن الإنجاز مسجدا فحسب، فهو مدرسة متكاملة بها مكتبة عامة لطلاب العلم أيضا، وقاعات للدراسة والتحصيل والترويح عن النفس والإطعام وحولها كل المرافق التي تيسر حياة الناس وتجمع شملهم على اختلاف أديانهم وأعراقهم.
لقد اكتملت معالم صرح لا تخطئ العين رؤيته عند مدخل طريق السيارات إلى المدينة، فواجهته مسجد يبلغ ارتفاعه عشرون مترا، وتعلوه قبة، قطرها اثنا عشر مترا، وارتفاعها أربعة عشر مترا. وعلى ركنه ارتفعت مئذنة حددت قوانين العمارة الحديثة في فرنسا ارتفاعها بسبعة عشر مترا، لكن ابتكار المهندس المعماري جعلها تحفة تجذب أعين الناظرين. لقد خلط بين طبقة رأسية من الإسمنت وألواح زجاجية نقشت عليها الشهادتان، وتغطيها شاشة بلازمية توضح التاريخ الهجري وأوقات الصلوات.
يقول المهندس المعماري إلياس العائدي إنه قصد في تصميم المركز اختيار أسلوب معماري يجمع بين المعاصرة والمحلية على نحو يأخذ في الحسبان البيئة والموقع ومواد البناء ونمط حياة المسلمين وغير المسلمين.
أما قاعة الصلاة فيقع وسطها تحت السقف المقعر للقبة التي تتدلى منها ثريا إسبانية يبلغ وزنها 350 كيلوجراما، لتشهد على امتداد ثقافة سادت في الأندلس، لكنها استمدت جمالها من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة. ويحيط بدائرة القبة مربع مفتوح من الطابق الأول يفسح المجال لتتدلى الثريا، كأنها نور يتدفق من العلياء على المصلين في الطابق الأرضي بين عشرين عمودا يتكئ عليهم الطابق حول المربع المفتوح الذي أريد من تصميمه أن تحيط كوكبة المصلين فيه بالثريا. وقد طليت الجدران والأسقف باللون الأبيض، وهنا يتجلى فن التداخل بين ضوء النهار والإضاءة الداخلية للمسجد.
وزينت جدران المسجد في فن مغربي الصنعة، لكن تصميمه يشبه الزخارف الغربية، فهي قد رصعت برخام عنابي اللون، تعلوه قطع خشبية في اتساق بهيج يعجز القلم عن رسم صورته بالكلمات. أما أرض المسجد فبسط عليها سجاد عنابي يبدأ عند أبوابه في استمرار بهيج لرخام إسباني عنابي اللون يمشي عليه المصلون إلى قاعة الصلاة.
ويقابل المسجد صرح من طابقين يشمل قاعات تختلف في مساحاتها ويمتد على طولها بهو عريض تكثر فيه نوافذ زجاجية تدعو ضوء النهار إلى داخل الدار. وخصصت كل قاعة لنشاط مختلف، فمنها ما سيجتمع فيه الناس على اختلاف مشاربهم في شؤونهم الاجتماعية المختلفة، وحتى الأطفال يجدون في المكان متنفسا عن ضيق الشقق التي اعتاد أهل البلد سكنها. ومن هذه القاعات ما يستوعب طلاب العلم سواء كان في المكتبة أو في فصول الدراسة، كما أن هناك مطبخا وقاعة سفرة يدخلها أصحاب المسغبة كضوء النهار دون دعوة.
وتفصل عدة أمتار بين المسجد والصرح المتوازيين، وقد أجلست على هذه المساحة شلالات مائية صغيرة، تفصل بينها مستطيلات من الحشائش، وتحيط بكل جوانبها أرضية من خشب التيك الإفريقي الثمين، لتكون ممرات يعبرها الناس جيئة وذهابا بين الصرح والمسجد. ورغم فخامة المكان، ترك بلا سور يحميه، ليرحب بالقادمين من كل الأطياف، فانعدام السور، يعني انعدام الأبواب التي ربما تغلق في وجوه الزائرين.
لم يدفع بدر عبدالله الدرويش مالا إلى الجمعية الإسلامية لغرب فرنسا التي تشرف على بناء الصرح وعلى إدارته، لكنه سدد قيمة كل الفواتير مباشرة إلى محرريها عبر تحويلات إلى حساباتهم المصرفية في فرنسا أو خارجها، في شفافية تامة تدرأ عنه ما يدور في أذهان الغربيين بشأن عون المسلم لأخيه المسلم. وقد بلغت تكلفة تشييد الصرح أكثر من 6 ملايين يورو لم يستفد منها المسلمون وحدهم، فالعمال الذين تقاضوا أجورهم منها ما كانوا مسلمين حصرا، ناهيك عما سدد إلى الصناديق الفرنسية المختلفة التي تنفق على المساكين رعاية صحية ومعاشات تقاعد ومساعدات تعينهم على تربية أبنائهم.