عشر ذي الحجة فضائل وأحكام
الصفحات المتخصصة
19 أكتوبر 2012 , 12:00ص
? د. طه محمد فارس
مما لا شك فيه أن الله تعالى اختص بعض الأزمنة على بعض بالفضل والمزية، ومن هذه الأزمنة أيام عشر ذي الحجة التي هي أفضل أيام الدنيا، فقد أقسم الله تعالى بها لعظيم شأنها، وفضل العمل الصالح فيها، فقال تعالى: (وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [الفجر:1-2].
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: «والصواب من القول في ذلك عندنا أنها عشر الأضحى؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه».
وقال ابن كثير رحمه الله: «المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغيرهم».
كما بين تعالى بأن هذه الأيام العشر موسم من مواسم الإكثار من ذكر الله تعالى، فقال جل شأنه: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [ الحج:28].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الأيام المعلومات هي أيام العشر».
ونقل ابن رجب رأي جمهور العلماء على أن الأيام المعلومات هي الأيام العشر من ذي الحجة فقال: «وجمهور العلماء على أن هذه الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، منهم ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والنخعي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه». [لطائف المعارف:471].
وقد أكد الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم على فضل هذه الأيام العشر وفضل العمل الصالح فيها، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». [ أبو داود: 2082؛ والترمذي برقم 688، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ واللفظ له، وابن ماجه: 1717].
وعند البخاري بلفظ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ»، قَالُوا: وَلا الْجِهَادُ؟ قَالَ: « وَلا الْجِهَادُ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ». [البخاري: 916].
أسباب تفضيل العشر من ذي الحجة
ذكر ابن رجب الحنبلي رحمه الله من هذه الأسباب:
• أن الله تعالى أقسم بها، وتنكيرها للتفخيم، ولما فيها من الشرف والفضل.
• وأنها من جملة الأربعين التي واعدها الله عز وجل لموسى عليه السلام.
• وأنها خاتمة أشهر الحج المعلومات التي أشار إليها قول الله تعالى: ?الحج أشهر معلومات?.
• وأنها الأيام المعلومات التي شرع الله فيها ذكره على ما رزق من بهيمة الأنعام. [انظر: لطائف المعارف:469 وما بعدها].
الأعمال التي تستحب في العشر من ذي الحجة
1 - الإكثار من التكبير والتهليل والتحميد:
فقد قال الله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [الحج:28]، فأرشدنا إلى ضرورة كثرة ذكر الله تعالى في هذه الأيام لعظيم شأنها، وجاء التوجيه النبوي ليؤكد على هذه الخصلة من العمل الصالح في هذه الأيام، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». [أحمد 5189-5879، وسنده صحيح].
وقال الإمام البخاري في بَاب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ». [ صحيح البخاري 1/329].
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً.[صحيح البخاري 1/329].
وروى جعفر الفريابي في كتاب العيدين بسنده عن يزيد بن أبي زياد قال: «رأيت سعيد بن جبير ومجاهداً وعبدالرحمن بن أبي ليلى، أو اثنين من هؤلاء الثلاثة، ومن رأينا من فقهاء الناس، يقولون في أيام العشر: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد». [انظر: لطائف المعارف 475-476].
وعن ميمون بن مهران قال: «أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها، ويقول: إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير». [فتح الباري لابن رجب: 9/9].
2 - الاجتهاد في سائر الطاعات:
كالصلاة، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، والصدقات، والدعاء، وغير ذلك من أعمال البر والخير، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى»، قِيلَ: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [الدارمي: 1709 بإسناد حسن، وقد سبقت رواية الصحيحين بنفس المعنى].
وكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ. [الدارمي عند ذكر الحديث رقم 1709].
3 - استحباب الصيام، خصوصاً يوم عرفة:
فيستحب صيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة لأنها من جملة الأيام التي أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضل العمل الصالح فيها، قال ابن حجر: «وَاسْتُدِلَّ بِهِ [أي بالحديث] عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ. وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ». [فتح الباري 2/460].
وأما صيام يوم عرفة فهو أكثر هذه الأيام التسع استحباباً، فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» مسلم، وفي رواية: «صوم يوم عرفة كفارة للسنة الماضية والمستقبلة». [مسلم: 1977]. وهذا لغير الواقف بعرفة حاجاً، فإنه لا يستحب للحاج الصيام لفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكي يتقوى على الذكر والدعاء في هذا اليوم.