الحج رحلة عاطفية إلى مولد الرسالة وقيام الدولة
الصفحات المتخصصة
19 أكتوبر 2012 , 12:00ص
د. أحمد ربيع يوسف •
العواطف والمشاعر والأحاسيس أمور دافعة للإخلاص والمزيد من العمل والإخلاص في أدائه على الوجه الأكمل، ولذا فقد اهتمت الأديان بصفة عامة وديننا الإسلامي بصفة خاصة بهذه الجوانب في حياة الإنسان، ورب العالمين يذكر المسلمين بنعمته عليهم بما غرسه في أرواحهم من قوى عاطفية دافعة للإيمان نائية عن الكفر: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 7، 8] حبب وكره وزين وكلها أمر عاطفية تتعلق بالقلوب.
وحب الله سبحانه وتعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم هو حب بالعاطفة أولا، انظر إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 23، 24]، وما رواه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». ومن المعلوم أن محبة الإنسان لولده ووالده وزوجه وسكنه وماله ليست محبة اتباع بل هي محبة بالعاطفة.
وكل العبادات نلمح فيها هذا الجانب من العواطف والمشاعر، ورحلة الحج بصورة خاصة يبدو فيها هذا الجانب، فالحج رحلة عاطفية إلى الأماكن التي شهدت مولد الرسالة وقيام الدولة، إنه رحلة إلى أول مسجد بني على وجه الأرض للعبادة والقرب إلى الله، هذا المسجد الذي تتوجه إليه الجماهير في كل مكان {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150] فكان من حق المسجد الأول على المساجد الأخرى أن توفد من جماهيرها وفودا لزيارة هذا المسجد الأول.
والحج زيارة للمكان الذي شهد الدعاء المبارك المستجاب من نبي الله إبراهيم عليه السلام لهذه الأمة: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129].
كل الأمم تحاول أن تجذب الجماهير بعواطفهم فتبني النصب التذكارية لزعمائها وتفرض على زوار الدولة الوقوف أمام هذه النصب استدرارا للعواطف، والحج يبدأ بالنية الصادقة، نية صادقة من المسلم لحج البيت، والنية يتوقف عليها قبول العمل؛ لما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». والمشاعر لها دخل كبير في حسن التوجه وإخلاص النية.
وبعد إخلاص النية فإن كل أفعال الحج هي أمور عاطفية ترتبط بالقلوب والعواطف، وبعضها لا دخل للعقل فيها، وهذه بعض التفاصيل:
أولا الإحرام: يكون الإحرام بثياب ليست بالمخيطة ولا المحيطة، ثياب قد لا يصلح لبسها إلا في هذا التوقيت فقط، إنها ثياب جديدة لم يعص الله فيها، وكأن الحاج يبدأ عهدا جديدا بهذا الملبس الذي لا يذكره بالمعاصي، كما أن اللون الأبيض لهذا الثوب يدفعه ليكون مخبره كمظهره، يكون قلبه ناصعا بالبياض الذي لا تنكت فيه نكت سوداء بسبب المعاصي مصداقا لما رواه مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ».
هذا الثوب أيضا هو أشبه شيء بالكفن، فيتذكر الإنسان نهاية رحلته في الحياة، فيقدم على الطاعات والعمل الصالح الذي ينفعه بعد انتهاء رحلته على وجه الأرض، كما أن هذه الملابس ليست لها جيوب تحمل المال مثلها مثل الكفن، فيزهد من الدنيا.
ثانيا التلبية: هي ذكر الله بصوت جهير، وكما يقول الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى: والهتاف الذي يسود مواكب الحجيج منذ تحركها النبيل هو: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» وهو هتاف يزداد هديره كلما علوا ربوة، أو هبطوا واديا، أو لاقوا جمعا، وكلما أظلتهم هدأة الليل، أو سكينة الآخر.
ويشعر الملبي أن الكون كله يتجاوب معه مصداق ما ورد في الحديث: «إذا لبى الحاج لبى ما عن يمينه ويساره من شجر، وحجر، ومدر، حتى منقطع الأرض من هاهنا، وهاهنا». ولا عجب أن يتجانس الكون المسبح بحمد الله مع إنسان انخلع عن نفسه وانطلق في سفر صالح يبغي مرضاة الله.
إن ذكر الله بصوت خافت بعد الصلوات ينقلب إلى صياح هادر تنطق به الحناجر في أعظم مظاهرة يعرفها للبشر، إنها ليست مظاهرة من أجل مطالب دنيوية قد تكون مشروعة، وإنما توجه نحو الإقبال على الله وابتغاء رضوانه، إنها لحظات من التجرد الخالص لخالق الكون تتجاوب فيها الجوارح مع كل ذرات الكون، الكل يسبح الله الواحد الذي خلق كل شيء، زالت الحجب بين الملبين والكون من حولهم، كما انزاحت عن نبي الله داود عليه السلام، يقول صاحب الظلال عن داود عليه السلام: (إنه قد بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات، فاتصلت حقيقتها بحقيقته في تسبيح بارئها وبارئه، ورجّعت معه الجبال والطير، إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز حين اتصلت كلها بالله صلة واحدة مباشرة تنزاح معها الفوارق بين نوع من خلق الله ونوع، وبين كائن من خلق الله وكائن، وترتد كلها إلى حقيقتها اللدنية الواحدة، التي كانت تغشى عليها الفواصل والفوارق فإذا هي تتجاوب في تسبيحها للخالق، وتتلاقى في نغمة واحدة، وهي درجة من الإشراق والصفاء والتجرد لا يبلغها أحد إلا بفضل من الله، يزيح عنه حجاب كيانه المادي، ويرده إلى كينونته اللدنية التي يلتقي فيها بهذا الوجود وكل ما فيه وكل من فيه بلا حواجز ولا سدود).
ثالثا الطواف: وهو ركن أساس من أعمال الحج، يطوف الحاج حول البيت لعل الباب يفتح لعل الأستار ترفع لعل الحجب تنقشع لعله ينال نظرة من صاحب البيت، يطوف حول الكعبة عكس عقارب الساعة، يجعل الكعبة على شماله، وهو طواف مماثل لحركة الكون في دورانه دوران الأرض حول الشمس وحول محورها ودوران كل الكواكب، إنها جميعا تدور عكس عقارب الساعة، فالكون يطوف ويسبح بحمد الله ويقدس: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [الإسراء: 44] {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 38 - 40]
إن الطواف حول البيت يعود بالإنسان إلى عبق التاريخ يعيش بالذكريات القلبية في قصة بناء هذا البيت قصة نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل وبنائهما للبيت العتيق، إنها قصة التجرد الخالص لله لرب العالمين: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [البقرة: 127 - 129]، كما يذكر بالدعاء للمكان بالبركة وكثرة الزوار: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].
رابعا السعي بين الصفا والمروة: وهو ركن من أركان الحج فيه ما فيه من المشاعر الفياضة التي يعيشها الحجاج والزوار، إنها تدفع الإنسان إلى الأمل وعدم اليأس، يقول الشيخ الغزالي: (وشعائر السعي تجديد وتخليد لمشاعر التوكل على الله كما استقرت في قلب «هاجر» أم إسماعيل، وكما استقرت في قلب رجلها إبراهيم الخليل، إن التوكل شعور نفيس غريب، وهو أغلى من أن يخامر أي قلب، إنه ما يستطيعه إلا امرؤ وثيق العلاقة بالله حماس بالاستناد إليه والاستمداد منه، وعندما ينقطع عون البشر، وتتلاشى الأسباب المرجوة، وتغزو الوحشة أقطار النفس، فهل يردها إلا هذا الأمل الباقي في جنب الله؟ عندئذ ينهض التوكل برد الوساوس وتسكين الهواجس، إنني بعين الخيال أتبع «هاجر» وهي ترمق وليدها الظامئ، ثم تجري بخطوات والهة هنا وهناك ترقب الغوث وتنتظر النجدة، إن ظنها بالله حسن، وقد قالت لإبراهيم عندما تركها في هذا الوادي المجدب الصامت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت في رسوخ: إذن لا يضيعنا. وها هي ذي تتعرض للمحنة، وتنتظر تدخل السماء، وتدخلت السماء، وتفجرت زمزم، وغنى الوادي بعد وحشة، وصار الرضيع المحرج أمة كبيرة العدد عظيمة الغناء، ومن نسله صاحب الرسالة العظمى، ومن شعائر الله هذا التحرك بين الصفا والمروة تقليدا لأم إسماعيل، وهي ترمق الغيب بأمل لا يخيبب، ما أحوج أصحاب المُثل إلى عاطفة التوكل، إنها وحدها تكثرهم من قلة، وتعزهم من ذلة، وتجعل من تعلقهم بالله حقيقة محترمة).
خامسا: الوقوف بعرفة هو الركن الأساس؛ لما رواه أصحاب السنن عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى: «الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ».
إن الوقوف بعرفة تتجاوب فيه المشاعر بين الحجيج، فالكل يقف في مكان واحد، والكل يتجه لإله واحد، والكل يلبي للإله الواحد، تتشابه الملابس، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين أمير وحقير، إن المساواة التي يحلم بها الناس في كل مكان لا تتحقق إلا في هذا المكان، وفي هذا اللقاء، الكل تمتزج دموعه بفرحته، دموع الندم على ما كان من معصية، دموع الخشية والخوف والفرحة بتمام النعمة وغفران الذنوب وقبول العمل، الفرحة بنظرة رب العالمين لأهل عرفة ومباهاته الملائكة بهم، روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ عبداللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا».
سادسا: النزول إلى مزدلفة، وهذا المكان ترتاح فيه الأبدان من التعب الذي أصابها طيلة نهار عرفة، إنه راحة للبدن وفي الوقت ذاته راحة للنفس بذكر الله {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } [البقرة: 198]، إن هذا المكان قد خصه الله سبحانه بالذكر فلا بد وأن تكون فيه مزية خاصة.
سابعا: أيام منى ورمي الجمار، إنها أيام الذكر، والقرآن أطلق على رمي الجمرات لفظ الذكر: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203]، فهذه الأيام ليس فيها من أعمال الحج إلا الذكر، والذكر وسيلة الحرب على الشيطان الذي يرميه الحاج بالحصى ليهزمه نفسيا وروحيا، وليشعر الحاج بقوة إيمانه أمام الشيطان الذي ظل ينتصر عليه مرات عديدة قبل مجيئه إلى هذا المكان، وفي هذا المكان يتذكر قصة الانتصار العظيم لنبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل على الشيطان في وسوسته لهما بعدم الطاعة لرؤيا الذبح.
وفي أيام منى يقدم الحاج هديه قربة لله مع جواز تقديمه قبل أيام منى، إن الهدي ليس مجرد الذبح وتقديم اللحوم، ولكن الهدف هو مدى الامتثال لأمر الله والمواظبة على شكره وذكره {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 36، 37].
ثامنا: زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة إنها زيارة الأشواق، ورحلة العواطف ومسيرة الحب لأفضل الخلق وحبيب الحق الذي تتعلق قلوب المؤمنين بحبه وتحن شوقا إليه، يأتي الحاج وفي خلجات نفسه قول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، يأتي الحاج إلى روضة الجنة في الأرض، روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي». يدفعه الحنين والأمل ليفوز بروضات الجنة يوم القيامة.
نسأل الله أن يرزقنا حجا مبرورا وأن يرزقنا الإخلاص في كل زمان ومكان.
• العميد الأسبق لكلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر
والأستاذ الزائر بكلية أحمد بن محمد العسكرية