«البلاغة والسرد نحو نظرية سردية عربية»
ثقافة وفنون
19 أكتوبر 2011 , 12:00ص
القاهرة - إيهاب مسعد
يحاول الناقد الدكتور محمد فكري الجزار في كتابه الجديد «البلاغة والسرد.. نحو نظرية سردية عربية» استعادة دور البلاغة في الحقل الذي طال غيابها عنه، وهو حقل النظرية الأدبية الحديثة وتحديدا في مجال النظرية السردية، ولم تبدأ هذه المحاولة من فراغ وإلا تعسفت العلاقة بين بلاغتنا العربية والنظرية السردية، ولما كانت البلاغة العربية تنزع -ككل علم- نحو التجريد ومن ثم التعميم، وبالتالي فإن مقولاتها الكبرى قادرة على أن تنطبق على أي نص لغوي سواء أكان قرآنيا أم إنسانيا شعريا كان أم سرديا، وهذه النتيجة المنطقية كانت الحافز الأساسي في عملية تحويل المقولات البلاغية الكبرى إلى أسس لنظرية سردية عربية.
والكتاب صادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة ضمن سلسلة كتابات نقدية، ويقع في 448 صفحة من القطع المتوسط.
ويقول المؤلف في مقدمة الكتاب: «إن هذا الكتاب يقوم على محورين الأول: قراءة منجزنا العربي بحثا عما يخص السرد، إن نصا أو تأويلا، بالمفهوم الأصولي لكل من النص والتأويل. والمحور الثاني: نقد النظرية الغربية عن السرد، سواء فيما لم يستقم منهجا له أو ما فرضته إيديولوجيا الغرب عليه، ومن هنا كان مبدأ هذا الكتاب هو قراءة الخطاب العربي عن منطوقة المباشر أو غير المباشر عن السرد بدءا من مهاده التراثي ووصولا إلى النسق التواصلي (مرسل- مرسلة- مرسل إليه)». ويذكر المؤلف في بداية الكتاب أنه قبل الدخول إلى نظرية عربية للسرد لا بد من وجود إطار عام لها هو نظرية الأدب العامة، فهل توجد هذه النظرية عربيا؟ ويجيب المؤلف: «أزعم وجود هذه النظرية لكنها متناثرة وموزعة على صفحات تراثنا العربي الإسلامي وعلى مساحتها كلها، وإن كان للبلاغة النصيب الأكبر بما أن موضوعها الأداء الجميل. وأهمية البلاغة العربية لها أكثر من سبب منها: أنها الخطاب الوحيد والأكثر اكتمالا ووضوحا من سواه، وأن موضوعها هو ما نطلق عليه اليوم الأدب، وأنها خطاب جمالي موضوعه التحليل». ويشير إلى أن البلاغة العربية لم تركن في نشأتها إلى جنس أدبي بعينه والقرآن الكريم حاضر، وفي الوقت نفسه لم يكن لها أن تهمل تلك الأجناس ولا هذا القرآن وهي تصوغ خطابها؛ لذا كان هذا الموقع العبقري الذي شغله الشاهد البلاغي سواء قرآنيا أو أدبيا، بل كانت تسميته شاهدا بما يشير إلى استقلال المقولة البلاغية عن الأداء من ناحية واتصالها به من ناحية أخرى، وهذا ما يجعل أن هناك قابلية استنباط بلاغات أجناسية قارة في الخطاب البلاغي العربي خصوصا بلاغة القص.
ثم يتناول المؤلف البلاغة الغربية، فيرصد أن هناك ثمة إشكالية تخص النظرية السردية الغربية فيما يخص موقع البلاغة الغربية منها، فمن المعروف أن البلاغة اليونانية قامت باعتبارها مقابلا للشعر نظرا لقيامها بوظيفة نقيضه للتخييل في الشعر، ولم يجد ما ذكره «بارت» من تحول البلاغة الغربية بعد اليونان من تقابلها مع الشعر لتصبح بلاغة عامة تضم جميع الأجناس عبر فعل الكتابة فمع التطور الحديث بعد «دي سوسير» مباشرة أعلنت وفاة البلاغة اليونانية والوسيطة على السوء لتحل الأسلوبيات محلها وترث وظيفتها.
أما البلاغة العربية فكانت على العكس، إذ نشأت استجابة لإحساس بجماليات اللغة، التي تجلت في أرقى صورها في إعجاز القرآن الكريم، وفي السبيل إلى عقلنه هذا الإحساس تطورت مترافقة مع الذوق الأدبي إلى أن بلغت ما بلغته من اكتمال مقولات ومصطلحات ومفاهيم على يد «السكاكي»، فالبلاغة العربية لم تنشأ حول الشعر، فقد انفردت بدراسة هذا الجنس كتب النقد والطبقات والموازنات، كما أنها لم تنشأ حول النثر، فقد انفردت لهذا الجنس كذلك كتبه، فهي بذلك تؤسس علما مفرطا في عمومية مقولاته.
ويشير المؤلف إلى النقد الذي تعرضت له البلاغة العربية فيقول: «ربما لم يتعرض منجز عربي لسهام النقد المغرض وغير المغرض كما تعرضت البلاغة العربية، أما النقد غير المغرض فإنما هو وجهة نظر تستحق الوقوف عند مضمونها وامتحان ماصدقاته، أما النقد المغرض فإنه يعرف ما يقول؟ ولماذا يقول؟ فهو ينطلق من وعي شديد الصواب بما لم يلتفت إليه المدافعون عن البلاغة العربية الذين غالبا ما دخلوا في مجادلات علمية تفصيلية من داخل الخطاب البلاغي دونما دخول موضوعي إلى إيديولوجيا ذلك النقد المغرض.
ويوضح المؤلف أن ذلك النقد قد أفلح بنوعيه في تحقيق غاياته المسكوت عنها أفلح في أن ظل الخطاب البلاغي على حاله قائما في خطابه لا يكاد يتجاوز قرون نشأته ونضجه من القرن الثالث حيث كتاب «البيان والتبيين» إلى القرن السابع كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي، وظللنا فيه كما ظل فيه أهل القرون الأربعة الأولى، فقد كان هؤلاء مشغولين بإنتاج هذا الخطاب وتلقيه لا بالتفكير فيه.
ثم يتناول المؤلف السرد فيعرفه بأنه جنس أدبي، ولكنه ليس كبقية الأجناس، فجمالياته في تقنياته بينما لغته لغة الناس إذا حكوا إلى الحد الذي لا تعاب بنزولها في سلم الفصاحة، وقد تنقد أشد الانتقاد لو أنها أوغلت صعودا في هذا السلم اللهم إلا إذا كانت من الإعجاز إلى حد الجمع بين الإبانة والدرجات العلي من اللغة، كما هو الحال في لغة القصص القرآني وكون لغة السرد كذلك يجعلها مفتوحة على كل ألوان الخطابات انفتاحها على كافة أصناف الموضوعات حتى ليبدو التناص وكأنه حتمية سردية.
ويختم المؤلف الكتاب فيقول: «إن ما سبق يؤكد على صحة زعمنا أن البلاغة العربية على الرغم من اكتمالها خطابا وتصورات ومصطلحات وفق المطلوبات القديمة منها لم تزل بعد قارورة ممكنات وخطاب وعود سواء على مستوى نظرية الأدب أو نظرية النقد الأدبي فقط هي بحاجة إلى قراءة».