منوعات
19 سبتمبر 2014 , 07:54ص
«الداعية المعروف»، المفكر الإسلامي الكبير»، «الإمام»، شيخ الإسلام».. إنه زمنُ الفوضى في توزيع الألقاب الدينية بشكل وصل إلى حدّ التجرؤ على الدين من خلال إطلاق المسميات والألقاب على البعض، في نوع من مُصادرة الاختصاص بغير حقّ، وذلك لتحقيق مكاسب مادية وسياسية واجتماعية نظراً لما يتمتع به رجل الدين بشكل عام من امتيازات تجعله بعيداً كلّ البُعد عن المُحاسبة أو الانتقاد، مُحصناً نفسه باسم الله، حتى إذا ما تعرّض لأي انتقاد هبّت الجماعة لنُصرته وللاقتتال قبل التوقف عند فكره ومكانته العلمية الحقيقية.
نظرة سريعة على الواقع تُبيّن لنا أن مكوّنات المجتمعات العربية من النخبة المثقفة تغرق في هذه الفوضى، حيث تُمنح المُسميات جُزافاً على منتهكي حُرمة أسمى العلوم وهو: علم الأديان، فيما تُفعّل الرقابة على أصحاب العلوم الأخرى من فيزياء وكيمياء وطب. لتقريب الصورة أكثر، نجد أن المجتمعات المتطورة تستعين بشركات استشارية عالمية للتدقيق وللتحقق من شهادات المهندسين والأطباء والقانونيين، وذلك للتأكد من مدى استحقاقهم لهذه الشهادة رغم نجاح هؤلاء باختبارات لا تُعدّ ولا تُحصى.. والهدف هو الحرص على سلامة المجتمعات وعلى الإنسان.
في المقابل، علم الأديان وفي مقدّمتها الدين الإسلامي، -والذي يشمل من خلال القرآن الكريم- الفقه، والشريعة، والفيزياء، الكيمياء، الفلك، الطب، والطبيعة والعلوم الإنسانية- مُستهان به من طالبي هذا العلم أنفسهم وممّن يحسبون أنفسهم مُتمكنين من ذلك العلم. فهل من يحملون الألقاب الإسلامية لديهم فعلاً من الطاقة الذهنية ومن المعرفة ما يُعطي الأجوبة الشافية عن كلّ العلوم المذكورة في القرآن الكريم؟
أيها الأحبّة، لقد اعتمد الإسلام على مبدأ التخصص في الأعمال والمهام. والمجتمعات لا تتطوّر ولا تنهض إلا إذا احتكمت إلى التخصص بحيث توزع المهام والمسؤوليات كلّ بحسب اختصاصه، والاختصاص لا يأتي بالوراثة، ولا بمنحة من السلطان.. الاختصاص لا يأتي إلا بالعِلم بناء على وحدات قياسية وأدوات تحققّ. ولقد أكد القرآن الكريم على الأخذ بهذا المبدأ في كل مجالات الحياة؛ إذ يقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.
نعم.. لا أحد مِنّا ينكر أن هناك بعض الألقاب تمثل ألقاباً علمية يستحقها الدارسون، وأن مكانة علماء الدين هي مرتبة علمية صرفة اكتسبت بالدراسة، لكن تبقى العبرة في تقوى هؤلاء لله سُبحانه وتعالى في علمهم وفي فتواهم.
رحم الله الإمام محمد الغزالي الذي قال إن: «القرآن والسنة النبوية تعرّضا لشؤون نفسية وكونية ولمسائل اجتماعية وتشريعية يتطلب الخوض فيها طاقة ذهنية عالية إلى جانب الاستعداد الروحي العتيد.. فكيف يصل إلى فقه ناضج في دين الله امرؤ محدود الفكر مُختلّ التصوّر»؟.
• nasser.media@gmail.com