زيادات «الحكومي» تفتح الباب على مصراعيه أمام المؤسسات شبه الحكومية والخاصة
تحقيقات
19 سبتمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - هناء الرحيّم
فوجئ موظفو المؤسسات المتعارف على تسميتها بـ «شبه الحكومية»، بأن القرار الأميري بزيادة رواتب العاملين في المؤسسات والأجهزة الحكومية من القطريين لم يشملهم، رغم أن بعضهم يعمل في مؤسسات تتبع لهيئات حكومية. وأعربوا عن استغرابهم واستهجانهم.. كيف أن هناك بعض المؤسسات الأخرى والتي تعتبر شبه حكومية أيضاً مثل «قطر للبترول»، شملتها الزيادات، علما أن رواتبهم هي في الأساس عالية ومرتفعة جدا. ويقول الموظفون القطريون إن الأمور اختلطت بالنسبة لهم ولم يعودوا يعلمون ما إذا كانوا يتبعون للقطاع الحكومي أو الخاص، فتارة يعاملون معاملة القطاعات شبه الحكومية وتارة الخاصة، وطالبوا بإعادة النظر بالقرار وأن تشمل الزيادات والمنحة الأميرية جميع القطريين على حد سواء، مشيرين إلى أنهم إذا ما حصلت زيادات في الأسعار -ولا يستبعدون حدوثها في أي لحظة- فإنهم سيدفعون الثمن وسيكونون المتضررين الأوائل من هذا الموضوع، لأن الزيادات لم تشملهم، ورغم ذلك سيضطرون لمواجهة الغلاء المعيشي. ويعتبر موظفون قطريون أن هذا القرار سيخلق أزمة في القطاع الخاص، إذ من الممكن أن يهجره عدد كبير من الشباب القطري بعد أن تهافتوا عليه نظرا لمميزاته الوظيفية وحوافزه.
«العرب» استطلعت آراء عدد من الشباب القطريين الذين يعملون بالمؤسسات شبه الحكومية والخاصة، وتحدثوا عن سلبيات زيادة الرواتب في القطاع الحكومي التي تتمثل في زيادة جاذبية العمل في هذا القطاع وابتعاد القطريين عن العمل في القطاع الخاص، وهو ما يخالف التوجهات الحكومية واستراتيجية التنمية المعتمدة في إطار رؤية قطر 2030، التي تطالب القطاع الخاص بتشغيل نسبة من العاملين فيه من القطريين. ودعا المواطنون القطاع الخاص لاتخاذ خطوات مماثلة لرفع رواتب القطريين العاملين به بنسب متقاربة، حتى يمكن تجنب هجرة القطريين منه إلى القطاع الحكومي، ولكي يصبح أكثر جذبا لتشغيل القطريين وتجنب بطالتهم مستقبلا.
وفي أثناء ذلك، يبدو أن زيادات الرواتب والعلاوات الاجتماعية في القطاع الحكومي فتحت الباب على مصراعيه على القطاع الخاص من قبل موظفيه، حيث بدأ عدد كبير منهم بالضغط على مؤسساتهم لعمل زيادات مماثلة، وإلا فالهجرة إلى الحكومي ستكون هي الحل!
صدمة كبيرة
العنود آل ثاني موظفة في إحدى المؤسسات الاجتماعية شبه الحكومية، تقول: «عندما استفقت صباحا على خبر الزيادات شعرت بسعادة بالغة، ظنا مني أني حتما سأكون مشمولة بالقرار نظرا لأني أعمل في مؤسسة شبه حكومية، ولكن عندما ذهبت إلى المكتب صدمت صدمة كبيرة عندما علمت أننا نعامل معاملة القطاع الخاص، وأن الزيادات لم تشملنا».
ويبدو أن هذا القرار أحبط كثيرا من الموظفين خصوصا أولئك الذين يظنون أنفسهم يعملون في قطاع شبه حكومي ويعاملون معاملته، لكن الحقيقة غير ذلك، واكتشفوا لأول مرة أنهم يتبعون للقطاع الخاص، علما بأنهم ينضوون تحت لواء هيئة اجتماعية حكومية.. «بصراحة شعرنا أننا مظلومون وأن هناك تمييزا بين قطري وآخر، وهذا ما لم نكن نعتاده في هذه البلاد الطيبة، فكيف للأم أن تفرق بين أولادها؟»، تقول العنود بأسى.
وردا على هذا القرار، توضح العنود أن الموظفين طلبوا إيضاحا من الموارد البشرية ليستفسروا حول الموضوع، وتتساءل: «لماذا في الإجازات نعامل معاملة الحكومي وفي الزيادات نعامل معاملة القطاع الخاص؟».
وتعتبر العنود أن هذا القرار سيكون دافعا للكثير من القطريين لهجرة القطاع الخاص والبحث عن أول فرصة لهم في القطاع الحكومي، مشيرة إلى أن هذا الفارق في الرواتب يمثل فجوة كبيرة بين أبناء
البلد الواحد.
خاص أو شبه حكومي
أما العنود التميمي رئيسة وحدة شؤون الموظفين في إحدى المؤسسات شبه الحكومية فتقول «بعد سماعنا بالزيادات اعتقدنا أنها لكل مواطن، وفوجئنا بعد ذلك بأنهم حددوا الزيادات للقطاعات التي يشملها قانون الموارد البشرية، وشمل القرار بعض المؤسسات رغم أنها خاصة أو شبه حكومية كقطر للبترول على سبيل المثال والتي شملتها الزيادة». وتوضح العنود أن «رواتب القطاع الخاص -من حيث الراتب الأساسي- تزيد عن قانون الموارد البشرية والعلاوة الاجتماعية التي نص عليها القانون، ورغم ذلك لم تشملنا الزيادات». وترى أن خضوع القطري في المؤسسات شبه الحكومية لقانون التقاعد يكون يضره أكثر ممن شملتهم الزيادة، حيث إن راتب التقاعد يشمل الراتب الأساسي والعلاوة الاجتماعية، وبالتالي فإن الموظف في هذه المؤسسات متضرر نسبة للموظف الذي شملته الزيادة في القطاع الحكومي».
وتشير إلى أن هذا الواقع الجديد سيغير المعادلة وسيدفع كثيرا من الشباب القطريين ممن يبحثون عن فرصة عمل، لإسقاط القطاع الخاص من حساباتهم والتركيز على إيجاد وظيفة بالقطاع الحكومي، مما يسبب عدم توازن وفجوة بين القطاعين الحكومي والخاص.
وتطالب العنود المسؤولين بإعادة النظر بالقرار، وأن تشمل الزيادة القطاع الخاص أيضاً ومساواة جميع القطريين ومعاملتهم بالمثل.
فارق كبير
من جانبها، تقول ليلى السبيعي إن القرار عندما نشر أولا كان غير واضح وفيه كثير من الالتباس، حيث قالوا إنه يشمل كل المواطنين القطريين، وبعد ذلك أشاروا إلى أنه يشمل المدنيين والعسكريين، وحددوا المدنيين الذين يخضعون لقانون الموارد البشرية.
وتضيف: «ومن ثم أوضحوا من يشملهم القرار بعد أن صار هناك لبس كبير حول من تشملهم ومن لا تشملهم الزيادات، وقالوا إن الزيادات تشمل أساتذة المستقلة والجامعات والقضاة». وتمنت ليلى أن يعيدوا النظر بالقرار، خاصة أن هذه الزيادة مكرمة أميرية ويجب أن تشمل جميع القطريين على السواء، ليعم الخير الكل، لأن خلاف ذلك يسبب فارقا كبيرا بين القطاعين».
زيادة الخير خير
وإذا كان هناك من القطاع الخاص من يعتبر أن جزءا من القطريين ظلموا في هذا القرار، فهناك من يرى أنه رغم الزيادات فلا يزال وضع رواتب الموظفين من القطريين في الخاص أفضل من أولئك في القطاع الحكومي، إلا أنه لا ضير من أن تشمل الزيادة الجميع انطلاقا من مبدأ «زيادة الخير خير».
نوف العامري تشير إلى أن موظفي القطاع الحكومي بعد أن شملتهم الزيادة أصبحوا متساوين مع موظفي القطاع الخاص. ولا تشعر نوف بأنه بات هناك فارق كبير بين رواتب القطريين في الخاص والعام، بل تقول إنه «إذا تمت زيادة رواتب موظفي الخاص ستكون رواتبهم أعلى من الحكومة حتى بعد الزيادة». ولكن لا ترفض نوف رغم ذلك أن تتم زيادة رواتب القطاع الحكومي، بل تطالب بها، وتقول إن زيادة الخير خير أيضاً.
وتؤكد أن من يبحث عن عمل حاليا من القطريين سيفضل الذهاب إلى القطاع الحكومي، مما سيشكل أزمة للقطاع الخاص.
سحب البساط من تحت الخاص
بدورها، تقول مريم المهندي إنه لحظة اكتشافها أن القرار لم يشملها بالزيادة أصيبت بخيبة أمل كبيرة، بل قد «تحطمت»، وترى أنه من غير المنصف والعادل أن قطريين منهم من يحصل على علاوة والآخر يحرم منها، وتعتبر أن جميع القطريين يستأهلون هذه الزيادة وهي من حقهم. وتشير إلى أن هذه الزيادة سحبت البساط من تحت أقدام القطاع الخاص الذي لم يعد مميزا وجاذبا للقطريين كالسابق، مؤكدة أن القطريين في القطاع الخاص سيدفعون ثمن الزيادات من خلال غلاء الأسعار التي تجزم أنها ستحصل لا محالة وسيسكت الجميع.
هجرة القطاع الخاص
وفي السياق عينه، كان سلمان علي (موظف في إحدى المؤسسات شبه الحكومية) يعتقد أنها تخضع لقانون الموارد البشرية وسيشملها القرار، لكنه فوجئ بأن الزيادة لم تشملهم.
ويشير إلى أن الموظفين في مؤسسته طالبوا المسؤولين بالبحث في الموضوع ورفع الرواتب لمساواتهم بالقطاع الحكومي. واستغرب سلمان كيف أن القرار شمل مؤسسات من المفترض أنها شبه حكومية في حين أن القطاعات شبه الحكومية حرمت من الزيادات!
ويذكر سلمان أن القرار أثار استياء عاما من قبل زملائه القطريين في العمل، لافتا إلى أن وضع الاقتصاد العالمي يتطلع لمستوى معيشة أفضل، محذرا من مغبة التفاوت في الرواتب بين القطاعين العام والخاص، الذي قد يسبب هجرة القطريين من العمل في المؤسسات الخاصة، كما أنه يسبب عدم توازن بين القطريين أنفسهم.
ويعرب سلمان عن رغبته الشخصية بالعودة إلى المؤسسة العسكرية حاليا لأن رواتبهم أصبحت أضعافا مضاعفة.